الإثنين , فبراير 24 2020

الرئيسية / كتاب وشعراء / صديقي الكلاسيكي .. بقلم عبد الغني المخلافي – اليمن

صديقي الكلاسيكي .. بقلم عبد الغني المخلافي – اليمن

بينما أنا جالس على مقعد في زاوية من زوايا المقهى المجاور لمحل إقامتي في أمسية من أمسيات مدينتي الحالمة. أتصفح إحدى الصحف المحلية منكبا فوق صفحاتها ،منغمساً بذهني ،مبحراً بحواسي ،في أحد مواضيعها الأدبية ،فوجئت بيد تربت على كتفي، فزعت على إثرها رافعاً رأسي، شاخصاً ببصري إلى شخصه الماثل أمامي ، انتفضت للتو مرحبا ،تبادلنا عناقا حارا. إنه صديق عزيز على نفسي ،محبب إلى قلبي، لم تعد تجمعني به الصدف منذ زمن طويل ، دعوته للجلوس لشرب الشاي ،استجاب لدعوتي بعد إلحاح مني ،هتفت على عامل المقهى إبراهيم لإنزال براد الشاي..صديقي كانت تبدو عليه العجلة حسب جزمه بأن تعريجه كان يقتضي عليه شراء بعض السندوتشات والعودة إلى المنزل سريعاً..
أناخ صديقي,جسمه بتثاقل، على المقعد المقابل لي إلا أنني كنت في حالة ذهول، إلى ما آلت إليه حالته من تدهور، غزا الشيب جنبات رأسه, انحنت قامته ,التجاعيد اتسعت زحمتها فوق تضاريس وجهه, لقد بدا لي هزيلاً إلى حد يجعلني لا أصدق بأنه ذاك الشاب ذو العضلات المفتولة والوجه المتشح بالحياة الفائض بالحيوية كان بعضه بعضا شعلة متقدة بالحماس والتطلع. ها هي عيناه ساهمة منهزمة خلف عدسة نظارته الطبية. أظن بأن نظره لم يعد يقوى على الرؤيا دونها .صديقي هذا من أرباب الشعر والأدب ،صاحب باع طويل في هذا المضمار إلا أننا لم نعد نرى له أي عمل على وجه صفحات مجلاتنا وصحفنا المحلية ..
هكذا بدأ بنا الحديث بسؤال كل واحد منا عن حال الآخر. إلا أنني كنت أكثر اهتماماً منه ، متسرعاً، متطرقاً بسؤالي عن آخر إنتاجاته الأدبية وإبداعاته الشعرية وعن سبب انقطاعه عن القراء محبي أسلوبه الكلاسيكي والمتأثرين بمزاجه الرومانسي ،وما كدت أكمل آخر أسئلتي حتى كست ملامحه سحابة حزن ، تنم عن حسرة تحز في حشايا صدره ، امتدت يده إلى موقع الصحيفة الملقاة على حافة الطاولة التي تفصل ما بيننا، التقطها فاتحاً صفحاتها مدارياً عني خلفها وجهه ،لم يقرأ منها حرفا واحداً .أدركت بأنه يبحث عن الجواب الشافي من بين الأجوبة المحتشدة في جمجمة رأسه، لم يلبث أن بدا بوجهه مبحلقًا، أتتني كلماته على هذا النحو مساكين نحن مجانين الكلمة اتخمنا عقولنا بها جعلنا أفكارنا مرتعاً لنواميسها ،واشرع يردد (ما بأيدينا خلقنا تُعساء)( كل شيء يا صديقي بقضاء ) استغليت فرصة ارتشافه جرعة من الشاي
ـ قلتُ: تعني
قطع فرصتي وعاد ليقول سبق أن سألت عن آخر هذياني حسب ما تسميه مجلاتنا وصُحفنا ،إن ما تجود به قريحتي لم يعد له مكان أو متسع ،وبالأصح نفذت صلاحيته ،مقبولاً لديهم ما هو صالح للزمان والمكان ..قاطعت حديثه وعلامات الاستفهام ترتسم فوق ملامحي متسائلاً كيف ؟! ولماذا ؟! إنني لم أفطن إلى ما ترمي إليه في ما هية حديثك ،الذي يبدو لي غريبا .اسند ظهره بتكاسل إلى المقعد قائلا أعرف أنك والكثير ممن هم متأثرين بأسلوبي. أقصد باللون الكلاسيكي ،لم يعد يجدي لمخاطبة المشاعر والضمائر ،فأنا أرى بأن من يحب أن يجد مكانا لقلمه بين الأقلام الموعوزة أو ترتيبا بين مصاف الشخصيات الأدبية المنصوبة ،فعليه بالحداثة ،أظنك لم تسمع عنها فأنت حديث عهد على الكتابة ،فالحادثة في مفهومنا ،تختلف عن أي حداثة ، يشترط أن تتوفر في كاتبها..
( أولاً ) الحذلقة مزدوجة بالباقة.. (ثانياً) إجادة فنون العوم والغواصة..(ثالثاً) توثيق الانتماء إلى تيار الصحيفة التي ستسهم بدورها بالنشر وضمان الصعود والظهور إلى حيز الوجود ناهيك عن الأخذ بأسلوبي ،فهم يرون به السهولة والسماجة .وهو ما أوصلني إلى ما أنا فيه من تعاسة ،كما ترى ،أتعشى سندوتش بالجبن ،وأتغدى بطاطا , والتفت إلى جسمه، وهو يقول:عند رؤيتك لجسمي لم يفاجئك ،فقد أمسى ذو رشاقة ، وأظن لو أجريت مسابقة عالمية لنحافة ،لفاز على ما هو فيه من هزل ورهافة,باستثناء ثقل رأسي فقد ملأته بكم هائل من أصناف الثقافة..
حينها انقطع حديثنا بانقطاع تيار الكهرباء..
صديقي انتفض واثباً وكأن لدغة ثعبان أصابته وهو يقول : لقد أخذنا الحديث وأنساني الأولاد وأمهم ، تركتهم وهم على انتظار عودتي بأقراص السندوتشات ..
غادرني وهو يتحسس الطريق إلى باب المقهى، وأنا بدوري أتحسس مكان الصحيفة فوق الطاولة متهيئاً للخروج.
تعز –
1998 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: