الإثنين , فبراير 17 2020
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد يوسف شاهين

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد يوسف شاهين

 هو ” قديس الإخراج ” و ” المُخرج المُتمرد ” و ” العاشق الثائر ” و ” العبقرى الغاضب ” المُخرج و المُنتج الكبير و القدير اللبنانى الأصول و السكندرى الميلاد و المصرى الهوى و السجية و الجنسية ” يوسف جبرائيل أديب شاهين ” الشهير بيوسف شاهين و هو اسم لا يحتاج إلى تعريف بعدما سطع فى الشرق و أضاء فى الغرب و واحد من الأسماء التى قدمتها مصر للعالم مثل أم كلثوم فى الغناء و نجيب محفوظ فى الأدب و محمد حسنين هيكل فى الصحافة و أحمد زويل فى العلم و عمر الشريف فى التمثيل و محمود الخطيب فى كرة القدم فشاهين فى تاريخ السينما العربية هو « المُخرج » الذى كان الفيلم يُعرّف قبله باسم البطل أو البطلة و بعده ظل الفيلم يُعرّف بإخراجه دون غيره حيثُ انتسب الفيلم إلى مُخرجه و يأخذ الجمهور مكانه فى القاعة مُتفرجاً و ليس صانعاً للذوق السينمائى و بعد كل عرض شاهينى تندلع النقاشات الساخنة بين مؤيدين و معارضين يختلفون على الفيلم و على صاحبه و لكنهم رغم الخلاف لا يتجاوزون يوسف شاهين و لا يرمونه بالتجاهل و النسيان فقد أصبح بصورة أشمل « رجل سينما » حسب التعبير الشائع فشخصيته و أفلامه أثارتا براكين جدل لم تتوقف حممها عن التصاعد إلى عنان السماء على مدى أكثر من نصف قرن و حتى الآن كذلك أفلامه و آراؤه و مواقفه كانت أيضاً مثار دراسة و اختلاف و لسنوات مُقبلة و هذا بالطبع أكبر إنجاز يحسب لمُخرج سينمائى على شاشة العرب الفضية فحياة شاهين صاحب « الأرض » و « الناصر صلاح الدين » و « العصفور » و « اسكندرية ليه » و « المصير » و بقية أفلامه التى نال عن بعضها جوائز سينمائية فى أهم المهرجانات العالمية و شكلت تاريخه السينمائى الباهر لم تكن كتاباً مفتوحاً رغم ملايين الكلمات التى قيلت حوله و رغم الأفلام التى قدمها تحت مُصطلح « السيرة الذاتية » إذ إن حياة المخرج المجنون و الطفل المُتمرد ظلت كأفلامه تبدو جاذبة و مُتاحة للجميع و لكنها غامضة و مُحصنة بالأسرار و مُحاطة بالأسوار أبوابها الملونة ملغومة بألغاز « وحوش طيبة » لا يمكن المُرور منها إلا بعد حل كلمات السر العصية و من حُسن الحظ أن شاهين ترك لنا بعض المفاتيح فى أكواد مُشفرة بعضها فى كلامه و بعضها فى أفلامه و لكن ترى هل هى مصادفة أن يولد شاهين فى ذات اليوم الذى ستنطلق فيه بعد 85 عاماً أشرف ثورة تنادى بالحُرية و الكرامة الإنسانية و العدالة الاجتماعية و غيرها من قيم عاش شاهين يدافع عنها من خلال أفلامه و من دون اكتراث بالمشاكل التى سيواجهها جراء الدفاع عنها إذ ظلّ دوماً مُنتصراً للإنسانية و من دون انتقاص بل إن عدداً كبيراً من أفلامه ولد من المُواجهة و من الصدام و الصراع و لم يخل من جرعة تحريضية على السلطة الأبوية سواء بمعناها العام أو الخاص ففى بداية ليلة عاصفة من شتاء 25 يناير عام 1926م و تحديداً يوم الاثنين و لد الطفل الثالث لأب مُحامى لبنانى كاثوليكى من شرق لبنان فى مدينة زحلة و أم من أصول يونانية هاجرت أسرتها إلى مصر فى القرن التاسع عشر  و كانت الجدة تهتم برعاية الأم بينما الأب يطمئن على ابنه الأكبر ” ألفريد ” و يسحب مزيداً من الأغطية على طفلته المُحببة ” إيريس ” و كانت الأم مُتحمسة لاسم « جوزيف » تيمناً بالنبى يوسف بينما هو يفكر فى اسم يبدأ بحرف الألف ( ليتناغم مع أسماء ألفريد و آيريس ) و بعد تفكير سريع ارتاح لاختيار اسم « ألبير » فهو يعني « النبيل المشهور » أو « الأمير المُبجل » لكنه رحب بالاسم الذى يرضى الأم مُتنازلاً عن رغبته فى تشكيل امبراطوريته العائلية بالطريقة التى كانت تستهويه و سواء كان الاسم جوزيف أو ألبير فإن شاهين حينما بدأ مشواره الاحترافى اختار لنفسه اسم يوسف شاهين و فى أفلامه التى راح يرصد فيها سيرته الذاتيه اختار اسم يحيى و فى محاولة للإمساك بالمعنى و التعرف إلى البيئة التى أثرت فى تكوين شاهين يتبين لنا بنظرة سريعة على التاريخ أنه ولد فى مرحلة عاصفة بين حربين عالميتين الأولى انتهت بمتغيرات كثيرة أما الثانية فعاش شاهين أجواءها فى صباه و مُراهقته و أثرت كثيراً فى تكوينه النفسى هو و مُعظم أبناء جيله ما دفعهُم إلى مُحاربة شبح الموت بالغناء و الاستعراضات التى راجت فى تلك الفترة كنوع من المُقاومة النفسية و الصمود ضد الحرب بالفن و الترفيه و هو ما يُفسر تعلق شاهين فى فترة مُراهقته بنجمات و نجوم الإستعراض مثل « آستر و يليامز » و « فريد آستير  » و « جين كيلى » و أسطورة السامبا البرازيلية من أصل برتغالى « كارمن ميراندا » التى قلدها شاهين على مسرح مدرسته الثانوية « فيكتوريا كوليدج » فى حفلة طلابية عام 1943م حيثُ قدم فيها « رقصة سامبا » بطريقة ميراندا فوضع على رأسه إكليلاً من الموز بدلاً من القبعة المُزينة بالفاكهة التى كانت ترتديها كارمن و اشتهرت بها عالمياً .. بعد اتمام شاهين دراسته فى جامعة الأسكندية انتقل إلى الولايات المُتحدة الأمريكية و أمضى سنتين فى معهد ” پاسادينا المسرح ” ( Pasadena Play House ) يدرس فنون المسرح و بعد عودته إلى مصر ساعده المصور السينمائى ” ألڤيزى أورفانيللى ” بالدخول فى العمل بصناعة الأفلام و كان أول فيلم له هو بابا أمين عام 1950م و بعد عام واحد شارك فيلمه ابن النيل 1951م و كان أول ظهور له فى السينما كَمُمثل فى فيلم ” اسماعيل ياسين فى الطيران ” و كانت مشاهد قليلة و التى  كان فيها الجملة المشهورة “هايل يا سُمعة ,, كمان مرّة ,, عايز ضرب واقعى ” .. ظل شاهين طوال سنوات عمره يعمل بعقلية الفيلسوف و ظل يطرح أفلاماً تحمل أفكاراً ليقول ما يريده هو لا ما يريده الآخرون و ظل المُنتجون عاجزين عن إثنائه عن أفكاره فأطلقوا عليه عدة ألقاب منها الأستاذ و منها العاشق الثائر و العبقرى الغاضب و المجنون أحياناً ! و ظل لقب جو هو المُحبب له و حتى أولئك الذين اختلفوا معه رفعوا له القبعة احترماً لعطاءه المُتميز و موهبته الفذة و عاش معروفاً بأنه عاشق للمغامرة السينمائية يرفض القوالب الثابتة و يتمرد على التفاصيل المُملة المُعتادة و لذلك كان حالة سينمائية خاصة فى تاريخ الفن العربى و لم يتوان يوماً عن المُشاركة فى التظاهُرات الشعبية على الرغم مما تصيبه تلك المشاركات من أزمات قلبية دخل على إثرها المستشفيات مرات عدة .. قدم شاهين رائعته عن الثائرة الجزائرية ” جميلة بوحيرد ” عام 1958م و ” الناصر صلاح الدين ” عام 1963م كما قدم المُطربة فيروز و الأخوان رحبانى فيلم “بياع الخواتم” عام 1965م و اختار ماجدة الرومى لبطولة فيلم عودة الابن الضال عام 1976 و لطيفة قى “سكوت هنصور” عام 2001 و محمد مُنير فى « حدوتة مصرية » عام 1982م أتبعها بفيلم « اليوم السادس » بعدها بأربعة أعوام ثم فيلم « المصير » عام 1997م و خلال تلك المسيرة لحن شاهين أغنيتين الأولى هى « حدوتة حتتنا » فى فيلم « اليوم السادس » و أدّاها الفنان مُحسن محيى الدين و الثانية « قبل ما » للطيفة فى فيلمه « سكوت هانصور » من كلمات كوثر مُصطفى و توزيع الموسيقار عُمر خيرت .. أخرج شاهين أفلاماً تركت بصمة فى تاريخ السينما العربية و كان له مُساهماته الإنتاجية المُتعددة التى صنعت صفاً جديداً من المُخرجين الذين تتلمذوا فى مدرسته و على مدار تاريخه كان له العديد من الآراء الجريئة فى واقع الحياة العربية و أجاد الخوض فى المناطق الشائكة والقضايا الساخنة بعدما أخرج خلال مشواره ما يقرب من 40 فيلماً طويلاً تنوعت فى مواضيعها بين الصراع الطبقى و الإجتماعى و التحليل النفسى المُرتبط ببعد اجتماعى و اختيرت سبعة من أفلامه من بين أهم 100 فيلم مصرى روائى طويل تركت بصمة واضحة و هى ” صراع فى الوادى ” و ” باب الحديد ” و ” الناصر صلاح الدين ” و ” الأرض ” و ” العصفور” و ” عودة الابن الضال ” و” إسكندرية ليه “.. فى 1970 حصل شاهين على عدة جوائز كان أبرزها الجائزة الذهبية من مهرجان قرطاچ بتونس و جائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان عن فيلم ” المصير ” كما حصل على جائزة ” الدب الفضى ” فى برلين عن فيلمه ” إسكندرية ليه ” و هو الفيلم الأول من أربعة تروى عن حياته الشخصية أما الثلاثة الأخرى هى ” حدوتة مصرية ” و ” إسكندرية كمان و كمان ” و ” إسكندرية نيويورك ” كما مُنح مرتبة ضابط فى لجنة الشرف من قبل فرنسا فى عام 2006م  .. أُصيب شاهين فى مساء يوم 15 يونيه 2008م بنزيف مُتكرر بالمخ و فى اليوم التالى دخل فى غيبوبة و أدخل المستشفى قبل نقله على متن اسعاف طائر الى باريس حيث تم إدخاله المستشفى الأمريكى و لكن صعوبة وضعه حتمت عليه الرجوع الى مصر و ظل على حالته الى أن توفى فجر يوم الأحد 27 يوليو 2008 بمُستشفى المعادى للقوات المُسلحة بالقاهرة عن عُمر ناهز على الـ 82 عاماً ليفقد الفن المصرى و العربى واحداً من عُظماء الإخراج الذى قلما يجود الزمان بهم ليُدفن جثمانه فى مقابر الروم الكاثوليك فى مدينة الأسكندرية التى عشقها و خلدها فى عدد من أفلامه و قد أقام مدفنه الخاص على شكل هرم كتب عليه إحدى أشهر جُمله “ لا يهمنى اسمك لا يهمنى عنوانك لا يهمنى لونك و لا بلادك يهمنى الإنسان و لو مالوش عنوان” و رحل يوسف شاهين و بقيت افلامه و افكاره بلا أجنحة طائرة لا يحجر عليها أحد كما حدثنا فى رائعته الخالدة ” المصير ” .. كان شاهين قد قام بزيارة لبنان فى عام 2002م و وعده رئيس بلدية زحلة ” مسقط رأس عائلته ” بأنه سوف يُطلق اسم شارع فى البلدة على اسمه و عقب وفاته قامت كنائس لبنان بصلوات عليه فى مناطق عدة كان اغلبها فى زحلة لكن لم يُطلق إسم شارع تخليداً له حتى كتابة هذه السطور ! .. وصفه الرئيس الفرنسى السابق ” نيكولاى ساركوزى ” بأنه مُفكر صاحب إستقلاليّة كبيرة و مُدافع كبير عن تزاوج الثقافات “.. قدس الله روح يوسف شاهين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: