الرئيسية / كتاب وشعراء / عندما أغني في الليلِ .. بقلم زندان التهامي – اليمن

عندما أغني في الليلِ .. بقلم زندان التهامي – اليمن

في نهايةِ هذا الشتاءِ،
تبدو الأشياءَ أكثر حساسية و اغتراب،
النافذةُ التي تؤلمني بدموعِ الندى
بدأت تُجفف دموعها وأنا لا أحب أن أراها بلا دموع
لكي لا يمر ليلي دون ألم
فأُسدل عليها الستارة،
الستائرُ تؤلمني أيضا..
ضوءُ الغرفةِ الخفيفِ في أواخرِ الليلِ الهادئ جرحٌ في خاصرة القلب،
إنه يُضيء فقط لا لشيءٍ
سوى لأراني وحيدًا بهذا الشكلِ الأنيق،
هاتفي الذي يبكي كلَ ليلةٍ منذ بدايةِ الساعةِ الواحدةِ بعد منتصفِ الليلِ وخمسِ دقائقٍ بالضبط
إلى الساعةِ الرابعةِ وخمس وأربعين دقيقةً
يبدو أكثرَ تعبا وتوقًا للراحة
كأنْ يُحاول الفرحَ بطريقةٍ حزينة
فيُغَيِّر أغاني أمَ كلثومٍ وعبدالحليم حافظ بأغاني أقلَّ حزنًا لفريد الأطرش أو أخته أسمهان أو سعاد محمد
آه..سعاد هذه الجارحة جدا حين تغني لأم كلثوم(كان لك معايه
أجمل حكاية)
تنكىء كلَّ جراحِ الأبدِ في ذاتي و تُطلقني من مكاني إلى أبعدِ نُقطةٍ لأعانقَ فيها كلَّ العشاقِ المجروحين بالذكريات..
ففي الليل لا صلاة تليق بنا إلا الأغاني
فنحن الغرباء لا وطن لنا إلا على جناح أغنية
ولا شفاء لنا من جرح العالم الغائر إلا برقصة هادئة
فعندما أغني في الليلِ
أتحولُ لكائنٍ آخرٍ غير هذا الكائن المظلم الذي يكتب الآن..
عندما أغني أتحولُ لموجات نورانية
أخترقُ بالصمتِ جدارَ الصمتِ الأخرس،
أدخلُ في عمقِ الوجعِ بهدوءٍ تام،
أشعرُ أنني أعيشُ جيدا،
أحزنُ بكلِّ شغف،
وأبكي بكلِّ شغف،
أصبح أكثر إنسانية وحبا،
أشعرُ بكلِّ دمعةٍ تجري من عيون الإنسانِ في كل أنحاءِ هذا العالمِ الشاسعِ جدا..
أصبحُ أكثرَ من واحد،
إنني أصبحُ عالما مكتملا بكلِّ نواطقه و جوامده..
وحدها الأغنيةُ هي الفتاةُ التي عشقتها منذ صغري،
وبكيتُ اليومَ جيدا لغيابها منذ عقودٍ لا بأسَ بها من هذا الوقت السيء كبطيخٍ خارب ..
بكيتُ جيدا بحجم الحنين الذي كان يسكنها عندما بدأنا نعيش،
بحجم الشجن الذي يكسوها عندما تغني أمُ كلثوم:
(وحنيني لك يكوي أضلعي)
وعندما تغني:
(كم أناجيك وفي لحني حنينٌ ودعاء)
وعندما تشهق كمطعون من الخلف:
(حب ايه..
ايـــه.. اللي أنت جاي تقول عليه؟!)
لذا عندما سألوني عن العشقِ
أجبتُ بلا ترددٍ:
العشق أغنية
فالأغنيةُ وحدها من تعانق قلبي،
فكل اللواتي أحببتهن كن قصيرات ولم يستطعن معانقة قلبي الفارع القامة
لذا استرحتُ منهن وحولتهن إلى أغاني..
أما الشتاء فهو فصل الأغنية
فصل القهوة والحنين والتصوف والشعر والدموع والبحث الدائم عن الدفء
فصل التعب ونزلات البرد
وأنا من أكثر المدمنين على تعاطي العادات السيئة لهذا الفصل الخاص بي من كل فصول السنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: