السبت , أغسطس 8 2020
الرئيسية / بروفايل / د. محمد فاروق يكتب : خالد بن الوليد في ميزان التاريخ الإسلامي

د. محمد فاروق يكتب : خالد بن الوليد في ميزان التاريخ الإسلامي

منذ بضعة أسابيع انتشر على مواقع السوشيال ميديا خبر إذاعة مسلسل ” خالد بن الوليد ” في رمضان القادم ، بطولة الفنان عمرو يوسف . ومنذ ذلك الحين ونحن نرى العَجَب في استقبال هذا الخبر ، ومن أُناس محسوبون على المسلمين ، لا تدري هل هم علمانيون أم ملحدون أم ماهي هي صفاتهم !

ما دعاني لوصفهم بتلك الصفات هي الألفاظ والكتابات التي تخطت حاجز الأدب أو النقاش والمنطق ، فمنهم مَن قال عن خالد بن الوليد ” السفاح الأكبر ، ومنهم مَن طعن فيه و في خليفة المسلمين عمر بن الخطاب ، ووصف ما بينهما بالعداء والغيرة ! ومنهم مَن طاوعه قلبه ولسانه بأن يتفوه بألفاظ نابية ضد صحابي جليل أسماهُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بـ ” سيف الله المسلول ” ، ثم بدأت التجاوزات تصل إلى حد اتهامِهِ بعشقه للنساء وتلذذه بأسرهِن واتخاذِهِن جواري يدخلن تحت مفهوم ” وما ملكت أيمانكم ” ! هذا بخلاف ما زادوا وعادوا فيه عن شراهته للقتل واستباحة الدماء وغير ذلك من الاتهامات التي لا أصل لها من الصحة ، وسنوضح ذلك عبر نقاط محددة :

الأديان السماوية كلها تقع تحت مسمى ” الإسلام ” ، وهذا المسمى لا يعني دين الإسلام الحنيف الذي ينتمي إليه المسلمون ، إنما هو الوعاء أو الإطار العام للأديان السماوية ، هذا الوعاء والإطار سمّاهُ الله تبارك وتعالى ” الإسلام ” ، ومعناهُ في كل الديانات أن تُسلم وجهك وقلبك وجميع جوارحك لله الواحد خالق الكون ومالك الملك وصاحب الإرادة ، ولا خيار لكائناً مَن كان أن يعترض على حُكم المالك في مُلكه ، أو عن تصرفاته وأحكامه ، ولكي يعلم الجميع أن الوعاء أو الإطار الخاص بالديانات السماوية إسمه الإسلام ، إليكم بعض الدلائل .

يقول الله تبارك وتعالي في سورة البقرة :
” قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .
ويقول في سورة المائدة :
وإذ أوحَيتُ إلى الحواريينَ أن آمِنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون

وعلى لسان نبي الله نوح في سورة يونس :
فإن تَوَلَّيتُم فما سألتُكُم من أجرِِ إن أجريَّ إلا على اللهِ وأُمِرتُ أن أكونَ من المسلمين
هذه الأسماء الجليلة للأنبياء وأُولي العزمِ من الرُسل والآيات التي يُقرُّون فيها بأنهم مسلمون ، كانت قبل ظهور الإسلام وميلاد رسول الله وبعثته ، أي أن لفظ مسلمون أو الإسلام كان قبل ظهور النبي بقرون ، فهو المُسمى الجامع والوعاء الحافظ والإطار الواحد لرسالات ونبوءات الرُسل والأنبياء جميعاً .

أما الديانة الإسلامية ورسالة الإسلام فهي أحد الديانات السماوية التي تدخل ضمن هذا الوعاء والإطار العام ، واختار الله لها إسم الإسلام لأنها الرسالة الخاتمة ، واقتضت إرادته أن تُسمى باسم الوعاء والإطار الجامع للديانات الثلاثة .
الشاهد في المسألة أن حكمة الله وأحكامه وشرائعه ومُبتغى إرادته في مُلكه وملكوته لا نقاش فيها ولا تبديل ولا اعتراض ، ولا يتنافى ذلك مع التفكير والسياحة الدينية للنظر في أحكام الله ومقتضيات تصرفاته في مُلكه ، فأنت لا تستطيع إجبار مالك عقار على إخلاءه أو تعديله أو التنازل عنه أو إكراهِهِ على بيع أملاكه ، فما بالك بمالك الملك والملكوت ؟! ولله المثل الأعلى .
وعلى ذلك اقتضت إرادته تنزيل الديانات السماوية بالترتيب الذي رآهُ مناسباً لعقول البشر وعلى فترات تليق بالتطبيق ليكمل بعضها بعضاً دون خلل ، وحاشاه أن يكون في حكمته نقصُُ أو خلل .
هذه الديانات السماوية الثلاث قابلت ما قابلت من مشقة وتحدي ، إبحث معي في سيرة نبي الله موسى وما عاناهُ وما واجهَهُ من تربُص ومحاولات قتل ، بل اذهب أيضاً إلى آلام المسيح في نشر رسالته وما كان فيها وما كان بها من اضطهاد وبلاء وصبر ، وكل ذلك يأتي بطبيعة الحال من رفض البشرية لتغيير مسارها واتِّباع ما هو جديد وترك ما كانت عليه من عبادة الملوك والأوثان وخلافه ، وكأنه ميراث لا يمكن التخلي عنه ، وفي كثير من الأحيان قالوا ” وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ”

إذاً كل رسالة سماوية جديدة ستواجه حروب وتحديات ومحاولات اغتيال وتآمر ، فالأمر ليس بالهَيِّن .
كذلك كانت الديانة الإسلامية ، وما أصعب تحدياتها لأنها نزلت بعد رسالتين سماويتين لهما ما لهما من التعظيم والإجلال والإيمان بما فيهما ، أيضاً كان هناك مَن يكفر بهاتين الرسالتين وظلّ على عصيانه وعبادته للأوثان والأصنام وخلافه !
فأنت الآن تريد أن تُقنع أصحاب الديانات السماوية بالرسالة الثالثة الجديدة ، أيضاً تريد ذلك مع مَن كفر وما زال على كفره بالديانتين السابقتين ، فهل أنت متخيل لوضع الرسالة الثالثة وتحدياتها ؟!
هذه المقدمة جاءت لإثبات أن الديانة الإسلامية لا يمكن أن تحمل ضغينة لأياً من الديانات السماوية ، كيف يتأتى ذلك وهي الديانة المُسماة بإسم الإطار العام لهذه الديانات ؟!

المطلوب منك الآن أن تخرج من العصر الذي نعيشه بكل ما فيه من متغيرات وتكنولوجيا ووسائل اتصال ووسائل نقل والعلوم الطبية وتكنولوجيا الطباعة الحديثة التي تُنتج ملايين الكتب حول العالم في يوم واحد ، عليك أن تخرج من هذا العصر وتذهب بعقلك إلى العام الأول للبعثة ، أي قبل 1442 عام . حاول أن تتخلى عن كل ذاكرتك المعاصرة ، وأن تشاهد الموقف قبل 1442 عام بأدواته وطبيعته حتى تتفهم القادم من المقال .

أولاً : خالد بن الوليد صحابي عاصر النبي ، واشترك في غزوات قاد معظمها في وجود النبي ، فحين تقول أن بن الوليد سفاحاً فأنت بالضرورة تتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الصفة ، لأن خالد لن يفعل إلا ما يؤمر به من رسول الله .

ثانياً : هذا الدين الذي أنزله الله كما أنزل اليهودية والمسيحية ينبغي أن يصل للعالم ، هذه مشيئة الله وأمره لرسوله ، نحن عن نتحدث عن إرسال رسائل واتسآب ، أو رسائل غرامية مكتوبة ، أو حتى سياسة دولة وصياغة دستورها ، أو قُل ما شئت من الأمثلة ، نحن نتحدث عن دين جديد أراد مالك الملك أن يُتمم به الرسالات السابقة ، ولا رادّ لإرادته ، ولا خيار للرسول أن يقبل أو يرفض ، بل لا خيار للكونِ كله أن يُعانِد إرادة الله ، اللهم إلا البشر ” فلهم الخيار بين الإيمان أو الإعراض ” وكما تقول الآيات وما أكثرها ” فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ” ولكن متى يؤمن ومتى يكفر ؟ هذا لن يحدث إلا بعد إبلاغ الموافق أو الرافض بالرسالة حول العالم كله .

ثالثاً : هذه الرسالة كما ذكرنا سابقاً هي ضمن الوعاء والإطار العام بالثلاث رسالات ، بل حملت نفس مُسمى الوعاء نظراً لأنها المُتممة والأخيرة ، ولحكمة يعلمها الله داخل معنى ومفهوم كلمة ” الإسلام ” التي مهما بلغ الشرح فيها لن يصل إلى كامل مقاصد المعنى . أي أن هذه الرسالة يجب أن تُبَلّغ للعالم أجمع ، وقد كان .

رابعاً : هذه الرسالة وصاحبها وصحابَتِهِ الكرام إرتَضَوا بما لا يرتضيه أحد من الصبر على العداء وعدم رد نُذُر الحرب والقتال بالحرب والقتال ، بل ذهبوا ليعتمروا بمكة بعد هجرة النبي للمدينة وتم منعهم من دخولها ، وما كان منهم إلا أن عادوا دون حربِِ أو قتال وسط غضب الصحابة ورفضهم للعودة ، إلا أن امتثالهم لأمر رسول الله هو ما جعلهم يقبلوا بذلك .
ثم قبل العودة وافقوا على اتفاقية مُجحِفة ” صُلح الحُديبية ” والتي اقتضت عودة المسلمين دون أن يدخلوا مكة أو يعتمروا ، على أن يعودوا في العام القادم لأداء العمرة ، ثم من ضمن الشروط أن يرد المسلمون كل مَن يأتيهم مسلماً من قريش ويُعيدوه إلى أهله وعشيرته ، وعلى العكس فلا ترد قريش أحد جاءها مرتداً عن دين الإسلام !
ثم إذا نقضت قريش عهدها وما جاء بشروط الاتفاقية ذهب النبي بعد عام بجيشه إلى مكة ، واستسلمت قريش دون قتال ، ثم قال صلى الله عليه وسلم قولته الشهيرة ” ما تظنون أني فاعلُُ بكم ؟ قالوا أخُُ كريم وابنَ أخِِ كريم ، قال اذهبوا فأنتم الطُلقاء ” ولم يأسر أحداً ، ولم يقتل أحداً
فكيف يحاول البعض تصوير هذا النبي الرسول وهؤلاء الصحابة بما فيهم بن الوليد بأنهم سفاحين وقتلة ؟!

خامساً : إنتشار الإسلام والرسالة التي وجب على صاحبها إيصالها للعالم ، هل تتوقع أنها كانت ستُقابَل بالترحيب والتحايا وتبادل الهدايا ؟! كان هناك مسلمون في مشارق الأرض ومغاربها تحت سطوة مَن لا يرحم ، وذاقوا شتى أنواع العذاب لعدم دخولهم في هذا الدين أو نشره ! وكان لزاماً على كل مسلم مُفَوَّه يمتلك القدرة على الحديث المُتزن أن يذهب بأمر رسول الله وبصحبته ثلاثمائة رجل إلى ملوك العالم برسالة المحبة والسلام والإسلام ، فإن رفضوا الإسلام فعليهم أن يتركوا المسلمين في هذه البلاد على إسلامهم دون أذى أو تضييق ، فمن رفض ذلك وجب عليه القتال . وما أكثر مَن رفض واستكبر وتجبر ووجبت عليه الحرب ” ليس تبليغاً للرسالة ، ولكن لحماية المسلمين ” ، ثم منهم مَن قَبِل بنشر الرسالة وبقيَّ على دينه ، ولم يمسسه أحد ، بل كانت الوصايا في مجموعها تتضمن عدم القتال إلا إذا قاتلوكم ، ولا تقطعوا شجرة ، ولا تقتلوا نساءً ولا أطفالاً ولا عجائز ، ولا تُخرِّبوا أرضاً ، حتى الطبيعة لم ينساها أو تنساها تلك الفتوحات من حمايتها !

سادساً : نحن جميعاً قبل قُرابة شهرين اجتمعنا على مسلسل ” طومان باي ” بكل شغف ، وكنا ننتظر حلقاته بفارغ الصبر ، وأحببنا شخصية طومان باي التاريخية قبل وبعد المسلسل ، فهل كان طومان باي يرُد على الحرب أو الانتهاكات بعصى الآيس كريم ؟! ألم يكن مقاتلاً في الحق ؟! أم أننا أحببناه فقط لأن المسلسل بأكمله كاشف لمجازر وبشاعة التاريخ العثماني ؟!
هل كان خالد بن الوليد إلا فارساً وقائداً ومحارباً مدافعاً عن المسلمين وأصحاب الديانات السماوية الأخرى مثلما كان طومان باي في سيرته وفي المسلسل ؟! هل كان على بن الوليد أن يكون قائداً فاشلاً حتى لا تتفوهون عنه بمثل هذه التفاهات ؟! هل قرأ أحدكم سجل الفتوحات والفرق بينها وبين الغزوات ؟ هل يمتلك أحدكم اللغة العربية التي تؤهله لفهم القرآن والفرق بين الآيات التي تقول ” قاتلوهم ” أو ” اقتلوهم ” ؟ ومواطن التنزيل ومعنى التأويل ؟!
هل وصل بنا هذا العصر إلى تشويه ديننا بأنفسنا كذباً و زوراً وعمداً ؟!

خالد بن الوليد الذي مات على فراش المرض بعد جهادِِ عظيم وهو يقول ” ليس بجسدي مكان إلا وفيه ضربةُُ بسَيف أو طعنةُُ بِرُمح أو جرحُُ بسَهم ” ليحمي دينك ورسالة نبيك ، أيستحق ذلك ؟!
للهِ دَرُّكَ يا أبا سُليمان ، كنت سيفَ الله المسلول ، وكنت بشراً تُصيبُ وتُخطئ

تعليق واحد

  1. مقال رائع .. سلمت يداك 👏👏👏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: