الثلاثاء , مايو 26 2020

الرئيسية / رؤى ومقالات / نسيم قبها يكتب :إدلب وحافة الهاوية

نسيم قبها يكتب :إدلب وحافة الهاوية

تصاعد التوتر بسرعة بين تركيا وروسيا بسبب عدم التزام هذه الأخيرة بمخرجات مسار أستانا وتوافقات سوتشي، وازداد هذا التوتر بعد أن قامت قوات نظام بشار بقصف نقطة مراقبة تركية مما أدى إلى مقتل 8 أتراك. ورغم أن تركيا قامت بالرد إلا أن ذلك “الحادث” فرض على تركيا قواعد جديدة في الاشتباك والتواجد.
فقد قامت القوات التركية بتعزيز وجودها العسكري في نقاط مراقبتها، بل وأضافت نقاط مراقبة جديدة، رغم أن بعض نقاطها بات محاصرًا من قوات النظام الذي يسعى جاهدًا للسيطرة على أجزاء أخرى من إدلب وبخاصة بعد أن انتهى من السيطرة على الطريقين الدوليين m4 (حلب – اللاذقية ) وm5 ( حلب ـ دمشق) مدفوعًا بنجاحه في السيطرة على المدن والبلدات الواقعة على الطريقين؛ وأهمها مدينتا معرة النعمان وسراقب من دون مقاومة تذكر، مما ألقى بالشك لدى بعض المراقبين بوجود تفاهمات تركية روسية حول سيطرة النظام السوري على الطريقين الدوليين.
ومما ينبغي ملاحظته أن منطقة إدلب تخضع إلى تفاهمات روسية تركية منذ اتفاق سوتشي في أيلول/سبتمبر 2018م , وهي تحظى بأهمية أمنية وجغرافية تؤثر على كافة أطراف العلاقة بالملف السوري، وبخاصة “روسيا وتركيا والنظام السوري”. وينص الاتفاق على إنشاء منطقة منزوعة السلاح؛ وذلك لأن المنطقة مطلة على القواعد الروسية في حميميم بالنسبة للجانب الروسي, بينما تعنى تركيا بالمنطقة لاعتبارات أمنية متعلقة بتدفق اللاجئين الذين باتوا يشكلون ورقة ضغط انتخابية على حزب العدالة وعلى شعبية أردوغان، فضلًا عن زيادة العبء على الاقتصاد التركي. كما تعنى تركيا بالحضور في إدلب لمنع توسع الأكراد غرب الفرات، إضافة إلى حرصها على امتلاك أوراق تجنبها التهميش من قبل روسيا والولايات المتحدة ومن أجل تلافي الخروج من أي تفاهمات دولية أو إبرام اتفاقات على حسابها.
اما بالنسبة للنظام السوري فهي تعني تحقيق وعوده لأنصاره بالعمل على استعادة السيطرة على كامل البلاد، ولفت انتباه الشعب عن التراجع الاقتصادي، كما تحقق استعادة الصلات التجارية والاقتصادية بين حلب والمدن الرئيسة الأخرى، وكذلك استعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين m4 (حلب – اللاذقية) وm5 (حلب ـ حماة – دمشق) وتنعش اقتصادها المتراجع.
إن الصدام العسكري الجاري في إدلب بين النظام المدعوم روسيًّا وبين المعارضة السورية المدعومة تركيًّا، قد كشف عن هشاشة مسار أستانا وتفاهمات سوتشي حول منطقة خفض التصعيد. كما كشف هذا التصعيد عن إمكانية انزلاق تركيا بشكل خطير في المستنقع السوري وهو ما تخطط له الولايات المتحدة.
وبالرغم من دعم أميركا العلني للضربات التركية لبعض مواقع النظام السوري، ووقوفها ضد الغارات الجوية الروسية على المدنيين، فإن ذلك لا يمنع من وجود مصالح وتفاهمات سرية بين أميركا وروسيا حول إغراق تركيا واستنزافها في الشمال السوري.
ومع كل ذلك فإنه من المستبعد أن تنزلق الأمور إلى حرب مباشرة أو مواجهة مفتوحة بين روسيا وتركيا نظرًا لضخامة العلاقات التجارية والعسكرية بينهما مثل صفقة أس 400، ومشروع السيل التركي، وغيرها من أنابيب الغاز، والمحطات النووية التي تقوم روسيا ببنائها في تركيا، هذا فضلًا عن موقع تركيا المطل على البحر الأسود وحاجة روسيا لتحويل تركيا إلى حليف سياسي وليس عدوًا لها.
ويبدو أن هذا ما قصده أردوغان في تصريحه يوم 4 شباط/فبراير عندما قال: “ليست هناك ضرورة للدخول بنزاع مع روسيا في هذه المرحلة. لدينا معها مبادرات استراتيجية جادة للغاية”. ومع ذلك فقد أكد أردوغان عزم تركيا على التصدي لمحاولات روسيا والنظام للسيطرة على إدلب.
ورغم تمسك تركيا بعلاقاتها مع روسيا بسبب المصالح المشتركة بينهما؛ لكنها لم تتردد في إظهار غضبها من روسيا وإعلان تهديدها للنظام بسبب خرقهما لمسار أستانا وتفاهمات سوتشي. ولذلك قامت تركيا يوم 3 شباط/فبراير بتعليق الدوريات المشتركة الروسية للتركية في شمال شرق سوريا إلى أجل غير مسمى بعد مقتل الأتراك الثمانية على يد قوات النظام.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار الإنذار التركي للنظام بالانسحاب مع نهاية شهر شباط/فبراير الجاري من كل مناطق التصعيد التي سيطر عليها من إدلب، وفي ظل تمسك تركيا بعدم الانسحاب من نقاطها المحاصرة وفشل مفاوضات الوفد الروسي في أنقرة في الوصول إلى نتائج تستجيب لمتطلبات الأمن القومي التركي وتعود إلى الالتزام بتفاهمات سوتشي، فإن الراجح أن يقف طرفا النزاع (روسيا وتركيا) على حافة الهاوية وتجنب الانزلاق فيها.
وتتمثل هذه السياسة في أن يذهب كل طرف في التصعيد العسكري إلى أقصاه للحفاظ على مواقعه، أو الحصول على مواقع جديدة، دون أن يتحول التصعيد إلى صدام عسكري مباشر أو حرب مفتوحة تقحم أطرافًا أخرى مثل أميركا وحلف الناتو اللذيْن أعلنا دعمهما للموقف التركي دون اتخاذ خطوات عملية على الأرض.
إنه ورغم تعقيدات الملف السوري فإن أردوغان يدرك بأن روسيا لا تملك أن تضره ضررًا بالغًا؛ لكنها تستطيع أن تسهل الطريق لسياساته في سوريا، وتستطيع وقف تسهيلاتها وخلط الأوراق وعرقلة سياساته. وهذا فقط في الجانب السياسي والأمني، أما أميركا فتستطيع أن تضر أردوغان أمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا. ولذلك يحاول أردوغان أن يرضي روسيا ولا يغضب أميركا.
إن تركيا اليوم أمام امتحان كبير في القوة والمصداقية بعد أن وضعت نفسها الضامن والحليف الرسمي للمعارضة السورية، وبعد أن قدمت نفسها كقوة إقليمية ليس في سوريا فقط بل أيضًا في ليبيا. ويبدو أن الحرج الذي وقعت فيه بعد استمرار وتطورات أحداث إدلب الأخيرة دعاها للاستعداد من أجل إثبات مصداقيتها وقوتها، فأخذت في إرسال تعزيزات هي الأضخم إلى الشمال السوري وتعزيز كل نقطة مراقبة بكتيبة كاملة من الجيش التركي.
والراجح أن تتجاوب روسيا في النهاية مع دعوات وقف إطلاق النار، وتكف يد النظام عن التقدم إكثر، والاكتفاء بما تم تحقيقه، وبخاصة فتح الطريقين المهمين وتفتح المجال لمفاوضات تأخذ بعين الاعتبار الواقع على الأرض, حتى لا يزداد حرج تركيا وتضطر لتنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد قوات النظام بعد أن طلب أردوغانصراحة من روسيا عدم وضع العراقيل أمام عملية عسكرية تركية في إدلب، وذلك في تصريح له جاء فيه: “لستم الطرف الذي نتعامل معه بل هو مع النظام. ونأمل ألا يتم وضع العراقيل أمامنا”. وجاء في تصريح آخر له: “…وستقوم بعمليات عسكرية إذا ما اقتضت الضرورة”, بل إنه سبق أن صارح الروس محذرًا: “…إن نظام الأسد لا يحرك ساكنًا دون علم الضامنين ولن نسمح باستمرار الوضع كما هو عليه في إدلب”.
إن السبب الرئيس في تعثر السياسة التركية الخارجية وفي سوريا على وجه الخصوص هو اتباع القيادة التركية الميكافيلية والبراغماتية السياسية والارتكاز على الناحية القومية والابتعاد عن العقائدية والصرامة التي تمثل الرادع الأقوى في الصراع مع القوى الاستعمارية الطامعة. وقد ظهرت نتائج الصرامة والتحدي في عملية نبع السلام التي عرقلت مخطط أميركا في إنشاء الجيب الكردي، وأرغمت روسيا على التكيف مع العملية، والتماهي مع المطلب التركي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: