الرئيسية / كتاب وشعراء / خطوات في ديار جليس …… بقلم : جليس الوعاظ

خطوات في ديار جليس …… بقلم : جليس الوعاظ

#خطوات_في_ديار_جليس

وقد عزمتُ أن أحمِل قدما إلى هناك، فأخذَتْ سيارة الأجرة الثالثة تطوي بنا صفحات الطريق حتى أوعَزتُ إلى السائق أن يركُن بي على جنب، فحَملَق فيَ الرجل قبل أن يدهس فرامِله وقال :

أحافظٌ أنت الطريق يا أخي وعلمتَ أي شوط من أشواطها وصلت ؟ فلا زالت تفصلنا عن أقرب القُرى إلينا فراسِخ !

أجبته سرا :

دعَكتُ هذه الطرقات بأقدامٍ حافية قبل أنت تفعل أنت بعجلات سيارتك .

ثم أجبته جهرا :

نعم،، أركن بي بارك الله فيك

أما طبيعة أهل القُرى المجبولة على الأزرِ مع المُسارعة والتَّعاضُد مع المُساعدة ثم الإلحاح رغم الممانعة، فتأبى على أصحابِها إلا أن يمُرَّ عليّ المارّ منهم فينزَوي إليَّ بما يركبه داعِيا إياي للركوب ، فأولهم كان رجلا مع زوجِه في سيارته ، فلما اعتذرتُ قال يا بني لا تخجل هذه زوجي أصغر أولادها يكبرك سنا فل تأخذ مكانك من مقاعِد الوراء ، أما لما أبيتُ عليه تعجَّب فمضى ، وآخرهم كان رجلا مع صغيره على دراجةٍ قد اكتسبت بالبداوة لونا غير لونِها وضخَّت منها صوتا غير صوتها، فلما اعتذرتُ قال يابني إن ابني هذا سيُصابِر ازدحام الإثنين على مكان الواحِد في سبيل أن نخفِّف عنك عناء الضرب بالأرجل على هذه الطريق المُستطيلة فلتتوكَّل ، فلما أبيتُ عليه تعجَّب ومضى، وما ارتبتُ قطّ أن كل أولاء الماضين قد تركوا معي منهم فلذة من قلوبهم حملوا بها همَّ الغريب…

عند الاعتذار لم أنبس مني إلا بجمع كلِماتٍ لابقاتٍ مألوفات، تجعل لموقفي أمام عقول الرجال موقِفا مقبولا، أما الإجابة فقد كتمتُها في نفسي فالنِّعمة إن دامَتْ على أهلِها جُهِلَت، فكيف سيفقهون وهم المُداوِمون على العبور من هذه الجرداء الصامتة أنها نعمة على من داوم التخبُّط بين سوادِ أزقة العُمران الصاخبة.

يعلم ربي أني ما خطوتُ الخطوة الأولى على تلك المُمتَدَّة إلا ورجوتُ ألا تنتهي، أما لما انتهت فما أحسستُ بطولها كيف انتهى، فلم أخطُ عليها إلا بضع خطوات، منهُنَّ التي رأيتُ منها لما كنت أعبر من هنا بدراجة هوائية لا أركبها إلا بعد أن أدفعها إلى ربوَةٍ مُرتفعة من الأرض، فأتسلَّق هذه أولا لأستعين بها على تلك بدُربة من التوازن عجيب، أما تلك فلم أركبها منفوخة الإطارات بالهواء بالقدر الذي ركبتها وهي مُفرغة منه إثر تسرُّبه من وخز الأشواك، كانت دراجة لم تكُن تُتِم عجلاتِها دورتها على الأرض بالقدر الذي كانت تُغرِّد وتُوَلوِل، ولَكم ضِقتُ بها ذات أُمسِياتٍ فأرميها عني أينما ضِقت، لأعود إليها بعد أن تُشرقَ فلا أجدها في مكانها أبدا، لكن أجدها حيث أُسنِدت من أحد العابرين إلى جذع شجرة أرگانٍ كما يليق بدراجة…

ومنهن التي رأيتُني فيها وقد أنقطِعُ منها إلى عرصاتٍ و بساتين أختلِس منها ثمر الكَرم والرُّمان، بعد أن هجرتُه في المنزل مبثوثا على الموائد فلا يطيب لي إلا هذا المُختَلَس، لحاجة تنمو فيها غريزة المُمتنع المرغوب، حتى ظفر بي صاحب الغلة ذات يوم ولم يظفر بغيري فدفَعتُ عنهم حقَّ الإتاوة بجلدي مُضاعفا، لِتفِدَ إلينا زوجته ليلتها رفقة صناديق فاكهة وثمر تحملُها الدابة يذهب في لونِها البصر يُمنة ويُسرة، طبطبت بها لنا عن الكدمات واعتذرت بها لنا عن أثر اللكمات، فقالت ما كنا قد جرَّمناكُم عن النهبِ قطّ لكن عن كسر الأغصان…

ومنهنَّ ما رأيتُني بها أتأثَّر أثر الطرائد المُستبطنة جوفَ الغَبراء و أتعقَّب تلوِّي الأطيار الذاهبة في الأجواء والمقلاع من هذه وتلك يتدلى مع عنقى تدلي الصليب في عنق القسيس …

وكأني من إحداهنَّ بهذه الطريق ما زالت كما هي لم تُبطَّح بعدُ بالحصى السوداء، بل ليس فيها من الطريق إلا ما شقَّتهُ العجلاتُ لِنفسها من مسلكين يتحاذيان كأنهما أثر ثُعبانيْنِ في صحراءٍ يتمايلان تمايُلا واحِدا ويصعدان صعودا واحد…

ومنهن كثير ، منها ما قصصنا عليكم وما لم نقصُص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: