الإثنين , يوليو 6 2020
الرئيسية / ثقافة وفنون / المِلاحَةُ فى بُحُورِ مُضطَرِبَة .. فصول من كتاب الدكتور محسن عبدالخالق .. (2) كِتَابَة الكُتب ..

المِلاحَةُ فى بُحُورِ مُضطَرِبَة .. فصول من كتاب الدكتور محسن عبدالخالق .. (2) كِتَابَة الكُتب ..

عَادَة ما أعُود إلى قرَاءة التَاريخ وأنا أكتُب حِرصًا على فائدة تُؤكد قيمَة ما مأكتُبه وأنا أمشِى به من مِنطقَةِ ” الرّوَايَة ” إلى مِنطقَةِ ” الدّرَايَة ” عند النَّظر بِعمق فى الوقَائع والأحدَاث .
إن هذا القَلم لا يزعُم لنفسه إختصَاصًا فى كتَابة التَاريخ ، ولكنَّه يعرف فى نفسه إهتمامًا بقراءَته ، ذلك أن التَاريخ ليس عِلمُ المَاضِى وحده وإنما هو – عن طريق إستقرَاء قَوانِينه – عِلمُ الحَاضِر والمستَقبل أيضًا ،
أى أنه عِلمُ ما كان وما هو كائِنُ وما سَوفَ يكون ، ولقد تكرَّمت المَقَادير ومَنَحَتنِى وعيًّا مُبَكِرًا أن أتتلمذ على التاريخ ،
لقد عَلمنى التَاريخ أنه لا يلتفت إلى الوَرَاء ، وهو ليس شُعَاعًا يَستدِير إلى الأمسِ لكى يَعرِفَ قِصَّته ، وإنما هو شُعَاعُ يَتجِه إلى الغَدِ لكى يَكتشِف أبعَاده .

فى الأفقِ البَعيد لهذا العنى يَلمع بَرقًا فى خَواطرى عِبَارة ثَمِينة ظل مَغزَاها يُلازِمُنى طوال شَطر كبير من حَيَاتِى لأحد الذين تَركُوا فى هذه الدنيا أثَرًا وذِكرى ، صديقى المفكر الموسوعى السيد يسين – رحمه الله – ذلك عَقِبَ إنتهَائِه من كتَابتهِ مُقدمة كتابى ” فى فَلسَفةِ النَّقد ” يقول فيها :

الآن تَقَع عليك وحدك مسئولية هَدر هذه الطاقة الخلاقة المُختزنة لديك التى نحن شُهود عليها ، إن هذه القُدرة الهائلة والثقافة الرفيعة والكتابة بأسلوب لا يُبَارَى تَجعلك مسئولًا مسئولية كاملة عن تبديدهَا بالكِتَابةً على ” ورق الصحف ” أو على شاشة التواصل الإجتماعى كما سمعت . ثم يواصل أستاذُنا وعالمنا الجليل حديثه قائِلًا :

” بعد هذا الذى قرأته لك أرى أن ما تكتبه أصبح لا يخصّك وحدك الآن ، صحيح أنك ” أسَاس شَرعِيته ” ، لكن الأصَح – أيضًا – أن الناس هم ” سَند مِلكيته ” الآن . ثم سكت عَالِمُنَا الجَليل لثوانى سَكتَة مُفَكّرة قال بعدهَا :
” إن الكاتبَ يفقِد سُلطته على عمله فور الإنتهاء منه ، ويؤسِفنى أن أقول أن هذه الُّلغة شِبه غَائبَة ” ، فإذا بى أشعر بخجل إذا أنا أضَفت قَولًا بعده ، بعد أستاذ جيلى والأجيال التى بعده ، ومُعلم لا يظهر عادة إلا فى عصور الإنتقال عندما تسقط الحواجز بين المعرفة والحياة ، كان هادىء الطبع ، مُتَوَقّد الذّهن ، إذا تَكلم فكل كلمة تُسهِم فى عَودة الوعى وإيقاظه وخَلقه ، وإذغ كتبَ فكل كلمة أو عِبَارة تَرُدّ للعَقلِ إعتباره .

أستاذنا الجليل ، اليوم أفتقد رؤيتك الكونية ، وإبتسامتك المُنعِشة ، ومكالماتنا اليومية الهاتفيًا الشَّاهد عليها نجلكم البار الصديق الأستاذ ” عَمر يسين ” حفظه الله ، الذى غَالبًا ما كان معنا على الخط يسمع ما تقول ، وسأظل أحتفظ برقم هاتفك هذا ” 01223179221 ” يا أستاذنا ولن يستطيع الزمن أن يمشى بالنسيان على ذاكرتى ليمحُوهُ ، وإذا كان الإتصال قد إنقطع بيننا عن ” طريق الهاتف ” ، فإن الوَصل لم ينقطع أبدا عن ” طريق الدُّعَاء ” إلى الله أحيانا الصمت وأحيانا أخرى بالسَّهوم ، أفتقد وجودى معك فى مكتبك يا أستاذنا غَارِقًا وسط تلال الكتب والمراجع والرسائل العلمية التى إختلط بعضها ببعض لتعطى ” تركيبة ” نادرة من العطر المميز .

أستاذ السيد يسين ، مثل كُثُر غيرى بلا عدد أفتقك ، لكنها إرادة الله سبحانه وتعالى .
تذكّرت ذلك وفى خواطرى ذلك القول المأثور عن ” رولان بارت ” :
” إن مَوتَ ” المؤلف ” يعنى حياة ” القَارىء ” ! .

ولما كنا دائِمًا فى حاجة إلى إعادة النظر ثم إعادة النظر فى إعادة النظر ، فقد رأيت أن أعود إلى كتابة ” الكُتب ” بِوصفِهَا أكفَأ ” خَزائن الأفكار ” ، ومُحققًا صحيح رأى أستاذ جليل ترك فى هذه الدنيا أثرا وذكرى ، ذلك أن الكتاب وحده هو الذى يَبقَى وأما الكتابة للصحف فهى خَط على رَملِ تَذرُوهُ ريَاحُ اليوم التالى ، كما أن الكتابة للإذاعة هى خط على الهواء عَبرَ الأثير لا يُعثر له على أثرِ فى أعقاب اللفظ به ، فالكتابة على ورق الصُّحف تُصبح إلى جانب كونها خطا على الرمل ، هى محاولة لإستقرء الرَّمل نفسه ، أيضًا !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: