الرئيسية / رؤى ومقالات / قراءة انطباعية في نص حكايا شهرزاد الشاعرة ريم البياني بقلم أحمد إسماعيل

قراءة انطباعية في نص حكايا شهرزاد الشاعرة ريم البياني بقلم أحمد إسماعيل

قراءة انطباعية في نص حكايا شهرزاد للشاعرة السورية المبدعة ريم البياتي
نص الشاعرة
حكايا شهرذاد
_______

مرّ يومان ولم تخطر ببالي
أتصدّق..
إنني أنساك في غَمْرِ انشغالي
كيف ينسى الغصن ميقات الربيع ؟؟؟؟
لاتسلْ…
ينساه في جمْر الصقيعْ
كنت مغروراً…..
تظنّ الكون يمشي
عندما تمشي…
وإذْ ….
أبطأتَ…
َ فالكون صريعْ.
ياصديقي…
آه أخطأت النداء..
أنت من كنت حبيبي
أيُّ اسم صار من دنيا بعيدةْ
أظننتَ الحبّ صباراً سينمو
في بداوتك العتيدة
أيها البدْويّ خانتك الحصافةْ
لم تصدّق…..
إن شوك الورد يغدو
مثل نصلٍ…
عندما تُلقيه طعما للمسافةْ.
أيها المعجون من ليلٍ خرافيٍّ طويلْ
يغتذي أوهام مُلكٍ
ضاع في الصمت البليلْ
افتح العينين ذاك الليل ولىّ
وحكاياه سرابْ
راح مسعودٌ…
وجاء الصبح يسعى خلف بابْ .
ياصديقي..
كم ثقيلةْ..
تِركة الحبّ التي أورثتني
تفهمُ الحبّ ليالي شهريار…
وأنا أرجوه عصفوراً وأرجاء خميلةْ
كم هي الدنيا بخيلةْ
…ريم البياتي…

القراءة الانطباعية بقلمي أحمد اسماعيل / سورية
نص وجداني عميق باسلوب حواري ساحر
فهنا نلاحظ كيف تحلق مبدعتنا ببحر الرمل بأسلوب حداثي رائع من خلال الصورة الحركية المشبعة بالإحساس
و هنا أيضا نلاحظ كيف استطاعت مبدعتنا أن تضعنا في مسرح يروي شخصياته قصة من أجمل قصص ألف ليلة و ليلة بين بطلين عشق الجمهور حكاياتهما و حفظها عبر الأجيال
لكن الشاعرة لم تكتف بأن تجعل القصيدة ملحمة عشق درامية كالمعتاد بين شهريار و شهرزاد
لذلك أرادت أن يتقمص شهريار دور المستعمر و شهرزاد دور الوطن
لذلك استخلصت مبدعتنا لنفسها معجما دلاليا خاصا لا يكتفي بمنحنيات الحب العادية بل فوق ذلك يرسم الواقع بحرفية نساج حرير
مثال: ميقات الربيع… جمر الصقيع… تظن الكون يمشي… كنت حبيبي… خانتك الحصافة… المعجون من ليل خرافي…
و حتى ترسم إيقاعا مثاليا مليئا بالإحساس استعانت بأفعال مضارعة حركية كان لها دورها العميق في بعث الرشاقة بانزياحات مشاهد النص
مثال: ينسى الغصن… تلقيه طعما للمسافة… إلخ..
بالإضافة إلى التنويع في رسم الصور لجعل الحوار مليئا بالحيوية كاستخدام السؤال و النداء و….
وهذا ما أعطى النص رشاقة و جاذبية لايستطيع المتلقي معها إلا الاندماج في كل جزئياتها
و هذا ما نلاحظه من العتبة العنوانية فمبدعتنا اختارت عنوانا يشد المتلقي من اللحظة الأولى فالحكايا تشد الكبار و الصغار فكيف إذا كانت مرتبطة بقصص العشق و العبر التي ترويها شهرزاد
فالجمهور كشهريار ينتظر مضي ساعات النهار حتى يجلس لإتمام الحكايا ليلا
لذلك بدأت المطلع مغريا للمتلقي بقولها
مر يومان
و لم تأت ببالي
هنا لحظات يتنفس فيها شهريار كيان السلطة و الرجولة المصطنعة التي يخفي خلفها احاسيسه
لذلك كان السطر الثاني بصيغة السؤال المليء بالتشكيك.
أ تصدق…
أنني أنساك في غمر انشغالي

و بما أنه مصطنع وضعت مبدعتنا سؤالا آخر يتمتم به شهريار بداخله
كيف ينسى الغصن ميقات الربيع؟؟؟؟
هنا تكشف مبدعتنا من خلال هذه التمتمة نظرة شهريار كمستعمر ينتظر نضوج الربيع العربي ليحصد ثمار انتصاره
طبعا إشارات الاستفهام المتكررة في نهاية الجملة هي حتى ينتبه المتلقي إلى أنها ليست كقصص شهريار المعتادة
و ما يدل عليه أيضا استخدامها صيغة النهي بعدها بقولها
لا تسل
ينساه في جمر الصقيع
وهنا إشارة إلى أن جل تفكيره في أن يبقى الوطن أو شهرزاد في شتاء بارد يتجرع فيه مرار الصقيع
في المقطع الثاني نلاحظ أن مبدعتنا أرادت ان توصل رسالة في الحوار بأن لا شيء يبقى على حاله فشبهت المستعمر بالمغرور الذي لا ينتبه إلى خطواته و سرعتها و بحرفيتها رسمت انزياحا صارخا بقولها
كنت تظن الكون يمشي
عندما تمشي
وهنا أيضا نلاحظ كيف أن مبدعتنا تقمصت شخصية الحكواتي الذي يتبع طريقة التلوين في الصوت حتي تستقطب ذهن المتلقي باستمرار فالنقاط التي تضعها في نهاية كل انزياح هي دلالة على تغير الإيقاع و الصوت
لاحظوا كيف استطاعت حبس الأنفاس و الأنظار من خلال قولها
و إذ….
أبطأت…
فالكون صريع
هنا تشير إلى إنفلات الأمور من يد المستعمر و كيف أنه خسر الرهان وحتى تجعل مبدعتنا الحوار لذيذا أضافت عليه طابع السخرية فخاطبت شهريار بعيدا عن الحب بقولها
يا صديقي
آه أخطأت النداء
أنت من كنت حبيبي
أي اسم صار من دنيا بعيدة
تتابع مبدعتنا السخرية من تفكير المستعمر و هي تسأل
أ ظننت الحب صبارا سينمو
مشهد ساخر عميق جدا بالفعل هل ينمو حب شعب لمستعمر و لو بصبر طويل
وحتى تثقل واقع السخرية شبهت شهريار او المستعمر بالبدوي الذي خانته فراسته حين لم ينتبه للتاريخ و كيف أن شوك الورد حين يجرح يدمي وتجعله يدفع الثمن غاليا لمجرد أنه لامس غصن الورد اي الوطن أو شهرزاد
فمن يلقي الورد طعما للمسافة تكبر أشواكه و تصبح قاسية لذلك أظهرت مبدعتنا صحوةالوطن و هي تستهجن من المستعمر وتسخر منه وهو يغرق في شر أعماله بقولها
أيها المعجون من ليل خرافي طويل
يغتدي أوهام ملك
ضاع في الصمت البلل
بل لم تكتف بذلك و استعارت صورة تهز فيها جبروته المستعمر و جسد شهريار بقولها
افتح. عينيك
ذاك الليل ولى
و حكاياه سراب
لاحظوا جمال الانزياح و هو يرسم الصحوة
راح مسعود
و اسم مسعود مأخوذ من حكايا متوارثة تقسم أيام الشتاء
و هنا نلاحظ أيضا حنكة مبدعتنا فهي لم تقل بعد رحيل مسعود
جاء الربيع بل قالت جاء الصبح
فالربيع اسم مصطنع أهداه المستعمر لمعتنقي الجهل في الوطن
والصبح يأتي بعد فجر و ليل طويل يملأ الدنيا ضياء
ولذلك أرادت مبدعتنا أن تصنع مشهد الخاتمة قاسيا وهي تخاطب المستعمر وكأنها تضع قدمها فوق جثته في لحظات الانتصار
و ذلك من خلال ثقل ما قدمه الوطن من تضحيات و شهادة
فالثمن كان غاليا حتى يتعلم شهريار او المستعمر معنى الحب الحقيقي فمبدعتنا وكل من يحب الوطن تتمناه أن يبقى عصفورا مغردا يملأ أغنياته الأفق و جنة لا يطيب الخروج منها
لكن الدنيا بخيلة بطبعها و غدارة فكم دفعنا و سندفع في سبيل الوطن…
فلكل زمان شهريار و شهريار لن يترك شهرزاد بحالها و سيلاحقها عبر الزمن
هكذا المستعمر يتنتظر غفوتنا لينقض فحذار حذار من الغفوة

حقيقة نحن أمام نص مذهل بصياغته و أسلوبه و مهما تكلمنا عن المعاني وكيفية الصنعة الحوارية و المناورات التي استخدمتها تبقى للريم شهادة الإبداع
محبتي مدى الياسمين
بقلمي أحمد اسماعيل / سورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: