الخميس , يونيو 4 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / أحمد العش يكتب : التاء والميم فى فضائل بنى تميم

أحمد العش يكتب : التاء والميم فى فضائل بنى تميم

توغلت الدهور مهلاً ، فعبرت الجسور سهلاً ، فدنوت من الأعاظم قرباً ، فمقلت عيناى بهم جمعاً ، أولئك الأفاخر نسباً ، والأكابر حسباً ، والجواهر خُلقاً ، والسرائر طيباً والضمائر نبلاً ، فغدوت فى معيتهم من السعداء حظاً ، أيُما طالت بى مقادير الزمان أمداً ، عن الصحابة أتحدث جهراً أو همساً ، بكل فخر فذلكم الأنبل حقاً ، والأفضل صدقاً ، والأجمل سمتاً ، والأشمل مجداً ، فيا قلمى أطعنى إن كنت لى وافياً ، لنخط المداد عن الأصحاب فهم لى أحبابٌ وإن كنت نائياً ، فطاوعنى قلمى مع القلب والعقل مصدقاً ، فسطرنا السطور لبنى تميم متمماً ، ذلكم القوم الذين وفدوا على رسول الله يجادلونه تجادلاً ويمارونه تمارواً ،ويبارونه تبارياً ، ويشاعرونه تشاعراً ، ويفاخرونه تفاخراً ، ألا إنهم قد منيوا الهزائم تهازماً ، فصدعوا للإسلام صغائراً ، فعدلهم رسول الله تعديلاً كاملاً ، فانقلبوا بنعمة من الله وفداً مؤمناً ، سلام على بنى تميم كباراً كراماً ، أبراراً أعلاماً ، أبطالاً عظاماً ، سلام على الذين زينوا ساحات التاريخ بأمجادٍ ناصعة ، سلام عليهم فهم بالعشرات فى كل عقدٍ ومرحلة ، وحسبك ويوم القادسية إنه كان مشهوداً ، فيه بزغ زهرة بن الحوية التميمى ، أحد أشراف مكة وشجعانها المُقدمين ، أحد فرسان المسلمين فى يوم القادسية المُبين ، ذاك يوم قُتل فيه الجالينوس أعظم قواد الفرس ، وفى القادسية سطع سنا برق القعقاع بن عمرو ، ذلكم الصنديد المغوار والبطل المدرار، الذى قال عنه أبو بكر ( لصوت القعقاع فى الجيش خير من ألف رجل ) ، وهذا أخوه بلبان أمه عاصم بن عمرو التميمى داهية القادسية أيضاً ، لما أرسله سعد بن أبى وقاص إلى كسرى مع بعض الوجهاء المسلمين ، وعندما لقى كسرى الرسل أراد أن يهينهم ويرسل إلى سعد كيس ملىء بالتراب ، فلما حمل عاصم الكيس وانطلق به نحو جيش المسلمين قال لهم ( أبشروا فوالله قد أسلموكم أرضهم )،،،
ولله دَر رجال بنى تميم حقاً وصدقاً يوم القادسية نعتاً ، فذاك آخر يدعى هلال بن علفه التميمى غريب هو الرجل عن المسامع ، لكنه القريب بعدما قتل قائد الفرس الكبير رستم فرخزاد ، وتفجرت يوم القادسية الخالد التالد فى أروقة الدهر ، عبقرية الدبلوماسى خالد الذكر ، ربعى بن عامر التميمى ، الذى أصعق بعذوبة لسانه وليونة بيانه وقوة بنيانه رستم فزلزله زلزالاً عظيماً ،،،
قل هل أنبئكم بالأعظمين من بنى تميم أعمالاً ، خباب بن الأرت موحداً قديماً عذب فى الله أليماً ، لكنه ظل صابراً عظيماً فنال عند ربه أجراً كبيراً ، ومن الأقدمين من بنى تميم اسلاماً ، واقد بن عبدالله التميمى ، ويُعزى له فخراً أنه أول من قتل من المسلمين أحداً من قريش وحلفائها ، وذلك فى سرية عبدالله بن جحش رضى الله عنه ، ففى سرية نخلة قتل عمرو بن الحضرمى ، فأنشد عمر بن الخطاب يومئذ ( سقينا من ابن الحضرمى رماحنا – بنخلة لما أوقد الحرب واقد ) ،،،
ما أفخر الأرحام التى حملت عظماء الصحابة من تميم ، فهذا الأسلع بن شريك التميمى خادم الرسول وصاحب راحلته ، وذاك حنظلة بن الربيع التميمى الملقب بالكاتب ، اذ هو أحد الصحابة الذين كتبوا لرسول الاسلام ، ومن كتبة الوحى ومن شهداء القادسية عياناً ومن أبطالها ومنتصريها انتصاراً ، نعم القبيلة أيتها العظيمة تميم ، فمن رحمها تجلت العبقرية الجامعة الجامحة ، فى الرجل قيس بن عاصم التميمى ، إنه الرجل الذى كان من رؤوس بنى تميم فى الوفادة على رسول الله ، فلما كان يومئذ قال له صلى الله عليه وسلم ( هذا سيد أهل الوبر ) ، ومما يخبر عن قيس كذلك ، أنه حرم على نفسه الخمر فى الجاهلية ، بعد أن كان منهمكاً فيها ومسرفاً فى وأد البنات ، فلما أسلم جاء إلى رسول الله وقال يا رسول الله ( إنى قد وأدت بنات فى الجاهلية ) فقال الرحمة المهداه صلى الله عليه وسلم ( أعتق عن كل واحدة منهن رقبة ) فنزلت فى الحين ( وإذا الموءودة سئلت – بأى ذنب قتلت ) ، وختامه مسك مع سيد بنى تميم قدراً إنه الأقرع بن حابس التميمى ، كان على رأس قومه يجادل رسول الله والصحابة ، فانتفض له ثابت بن قيس خطيب الرسول فأكبته رداً ، ثم حسان بن ثابت شاعر الرسول فمحقه لفظاً ( بنى دارم لا تفخروا إن فخركم يعود وبالاً عند ذكر المكارم – هبلتم علينا تفخرون وأنتم لنا خول بين ظئر وخادم ) ، أسلم الأقرع من حين المناظرة وحسن اسلامه ، وكان من المؤلفة قلوبهم ومن الذين صالوا وجالوا فى ميدان الدعوة الرحب الرطب ، ولم يرتدوا بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم ، على أدبارهم قيد أنمله ،،،
ولا غرو أن تلقى قبيلة تميم العتيقة بفلذات أكبادها فى جل الفروع والميادين ، بعطاء غير مجذوذ فى كل الدهر المكنون ، فقد كان لها قصب السبق والقدح المعلى فى إنجاب النابغين والنابهين ، فى الجاهلية والإسلام كل فى فلك يسبحون ، وتالله لو جاءت كل قبائل العرب بنابهيها ، فى الحكمة والفطنة والخطابة والشعر والفروسية ، وجاءت بنى تميم بابنٍ واحدٍ لها فى كل فرع ، لرجحت بهم قولاً واحداً ،،،
فاجتمعت فى نواحى تميم كل أشتات التألق وملكات التأنق ، وليس هذا إلا لتميم ، فعندها الخطيب الُمصقع ، والشاعر المفلق ، والحكيم الألمعى ، والنحرير اللوذعى
ففى الجاهلية ، كانت تفاخر بأكثم بن صيفى الأسيدى التميمى ، الذى كان بحراً فى الحكمة لا تكدره الدلاء ، ولا يباريه الغرماء ، ولا يُجله غير الشرفاء ، فحبذا أن سموه فى الحكمة نسيج وحده ( حكيم العرب )
ولا جرم أنه أسلم وأوصى قومه بالاسلام ، وباتباع النبى صلى الله عليه وسلم ، فلما وافته المنية قبل المسير إلى رسول الله ليَمثُل بين يديه بالتوحيد لله رب العالمين ، نزل فيه قرآن يتلى إلى يوم الدين ( ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الأرض مراغماً كثيراً وسعة ، ومن يخرج من بيته مهاجراً ألى الله ثم يدركه الموت ، فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً )
ولعظم شجرة تميم باسقة وارفة ، فقد كانت تلقحُ ذاتها بذاتها ، حتى تخرج أجمل ثمراتها ، فعلى منوال أكثم ولدت البراعة واليراعة فى حفيده يحيى بن أكثم التميمى ، الذى كان له شأواً كبيراً خلال برهة فسيحة من عصر بنى العباس ،،،
ثم تفاخر تميم كل العرب بحليمها المتوقد وعقيلها فى السؤدد الأحنف بن قيس ، مضرب العرب والتاريخ فى الحلم ، فلم ينازعه فى ذلك رجلاً ،،،
كذلك زين التاريخ أيما زينة ، بشاعرين مفلقين اثنين ، من بطن تميم بالحق المبين ، جاس كل منهما فى دروب الشعر منذ ملاعب صباهما ، وسبرا غور صنعة الشعر فخراً ومدحاً وهجاء ، بروح وثابة وهمة قعساء ، أفى الناس من لا يعرف جريراً والفرزدق على السواء ؟ فلعَمرى إن كل مجدهما فى ميدان الشعر قد سطره الفرزدق فى هذا البيت البديع ( أولئك آبائى فجئنى بمثلهم – إذا جمعتنا يا جرير المجامع ) —
وها هى تميم دون سواها ، تخرج من عبقها الرائق الفائق ، اسحاق بن راهوية ، شيخ البخارى ومسلم والترمذى والنسائى ، وتلميذ الشافعى ، الذى قضى فى علم الحديث وطراً بعيداً بديعاً ،،،
طوبى لقبيلة بنى تميم منزل العزة والحظوة ، ثم طوبى فطوبى لبنى تميم مبلغ القمة والرفعة ، ثم طوبى فطوبى ثم طوبى لبنى تميم لما نعتهم رسول الاسلام العظيم بأبلغ وسمٍ ووصفٍ من حديث أبى هريرة رضى الله عنه فى البخارى ( قال أبو هريرة لا أزال أحب بنى تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله هم أشد أمتى على الدجال ، قال وجاءت صدقاتهم فقال النبى صلى الله عليه وسلم هذه صدقات قومنا ، وكانت سبيةً منهم عند عائشة ، فقال صلى الله عليه وسلم اعتقيها فإنها من ولد اسماعيل )
كذلك من سمو قبيلة تميم ، وشرفها الباذخ ومجدها الناصع ، أن نعتها الكرام العظام ، بحروف سامقة رائقة فى ثوب قشيب ، قال عنها على رضى الله عنه ( إن بنى تميم لم يغب لهم نجم إلا طلع لهم آخر ، وإنهم لم يسبقوا بوغم فى جاهلية ولا اسلام ، وإن لهم بنا رحماً وحماسة وقرابة خاصة ، نحن مأجورون على صلتها ومأزورون على قطيعتها ) ، وقال عنهم معاوية ( لقد أوتيت تميم الحكمة مع رقة حواش الكلم ) ، ولما سأل معاوية جروة بنت مرة قالت ( هم أكثر الناس عدداً وأوسعه بلداً وأبعده أمدًا ، هم الذهب الأحمر والحسب الأفخر فقال صدقتى )
وقالت عنهم ليلى الأخيلية ( إذا كنت من مضر فكاثر بتميم )
وسأل معاوية رضى الله عنه دغفل الشيبانى عن تميم فقال له( كانوا أعز العرب قديماً ، وأكثرها عظيماً ، وأمنعها حريماً )
رضوان الله العظيم على الصحابة وبنى تميم —-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: