الخميس , مايو 28 2020

الرئيسية / كتب ومكتبات / “الوجدان الشعري” من كتاب “مكامن الإبداع” للأديب الناقد / عبد الله جمعة

“الوجدان الشعري” من كتاب “مكامن الإبداع” للأديب الناقد / عبد الله جمعة

(١)
من كتابي”مكامنُ الإبداع” ج١

* الوجدان الشعري

عَبَّرتُ في محاضرات كثيرة من على منصَّات النقد الشعري و في كواليس الجدل الشعري أن الوجدان هو سيِّدُ التجربة و ما كل عناصر النصِّ سوى خُدَّامٍ تعملُ على حمل ذلك الوجدان إلى المتلقي ، و هذا الوجدان يمثل تلك الفترة التي يمرُّ بها الشاعر منذ بدء الاهتزاز النفسي متأثِّرًا بمثير ما سقط على سطح ذلك الوجدان سواء أكان – ذلك المثير – داخليًّا أم خارجيًّا مارًّا بالفكر الشعري مُتَّجِهًا إلى الممرَّاتِ التعبيرية التي ستحمله للمتلقي .
و الوجدان الشعري نوعان ؛ (الأول) خفيف ذو سطح رقيق سريع التأثر لأقل المثيرات التي تسقط على سطحه – بنظرية توتر السطوح – فالماء مثلاً سائل سريع التوتر لأقل المثيرات التي تسقط عليه ، و هذا النوع من الوجدان يماثل الماء في سرعة اهتزاز جزيئاته لأقل المثيرات التي تشافه سطحه .
و ذلك الوجدان حقيقة هو معيار الحكم على الموهبة الصحيحة و مقياس الفطرة الشعرية السليمة فحين نستمع لشاعر ناشئ جاء يتعلم أصول الشعر لا نملك من مقاييس للحكم على شاعريته سوى الوقوف على ذلك الوجدان الفطري حيث إن عناصر التجربة المتعلمة لا تكون قد ظهرت آثارها على منتوجه الشعري و من ثم نقف على ما شغل وجدانه و حرك دوافعه من تفاصيل الحدث الذي يعبر عنه في تجربته البدائية و درجة استجابته لدقائق الحدث الذي يعبر عنه كما سيأتي تفصيله في حينه .
و هو ما يدفعني إلى القول بحكم لا يقبل الجدل إننا نحكم على صدق و نقاء الموهبة من خلال صدق و نقاء الوجدان و قدرته على التقاط أدق المثيرات لا بقدرته على التأثر بالمثيرات ذات الصدى العنيف أو القوي … فالوجدان الذي ينفعل لأقل المثيرات التي قد ترى تافهة حين يتعرض لمثير من العيار الثقيل فإنه لقادر على إحداث أعاصير شعرية حين يقف على أصول الشعر و مهاراته المتعلَّمَة ، فدرجة الانشغال بالجزئيات هنا هام جدا للحكم على نقاء الفطرة و صفائها أكثر من النظر إلى درجة الانشغال بالكليات .
و لكي نكون موضوعيين سأضرب مثالا على ذلك النوع من الوجدان الشعري لشاعر يعد شاعر الفطرة الأول بل هو سيد الفطرة النقية عبر تاريخ الشعر العربي … عنترة بن شداد .
لقد تأثر عنترة بالذباب و هو مثير تافه قليل الشأن – للإنسان العادي – لا تلتفت إليه القريحة غير الشعرية بل قل القريحة الشعرية عند غير عنترة إلا أن الوجدان الشعري عند عنترة أبى إلا أن يتأثر بهذا المثير فيخرج لنا واحدة من أروع صور الشعر العربي .

و خلا الذبابُ بها فليس ببارح
غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك جناحه بجناحه
قدح المُكِبِّ على الزناد الأجذم

فلنتصور رجلاً مبتور الذراعين يمسك بعصاة تتأرجح بين عضديه فلا يستطيع لها تثبيتًا ، فالذباب الذي يحُكُّ جناحيه ببعضهما البعض إنما هو يشبه ذلك الرجل مبتور الذراعين و صوته كصوت السكران الذي يترنم بكلام غير مفهوم .
و حقيقة الأمر فالوجدان القادر على التقاط ذلك المثير حين يتعرض لمثير قوي فلن ينفعل له انفعالا قويا فحسب و إنما سيكون قادرًا أيضًا على التقاط أدق تفاصيل الحدث الشعري و نسجها و وضعها داخل الإطار التعبيري بما يخدم دقة الصورة الشعرية .

يتبع ؛

(عبد الله جمعة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: