الإثنين , يونيو 1 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / د. نيفين عبد الجواد تكتب :الطامة الصغرى                                                                          

د. نيفين عبد الجواد تكتب :الطامة الصغرى                                                                          

لقد ظننا خطأ أن بلادنا العربية لن تنجو من التمزيق والتقاتل والنهب والسلب والتدمير، وكثيرٌ منا كانوا يتألمون في صمتٍ حزنًا على ذلك المشهد الدامي، وخوفًا من أن يصيبنا مثل ما أصاب أشقاءنا من قتلٍ أو تهجير، فإذا بنا الآن نهرع دون صمتٍ للاحتماء من الموت الذي قد يسببه لنا فيروس واحد دقيق هو أحد فيروسات لا حصر لها تحيط بنا في كل مكان ولا نكترث بوجودها. فلماذا لم نهب بنفس القوة لإنقاذ كل مظلوم؟! ولماذا لم نقف بشجاعة وبسالة أمام كل فاسدٍ وظالم ومفسدٍ في الأرض؟! لماذا رضينا لأنفسنا ذلك الاستضعاف الذي جعل منا ريشة في مهب الريح تقذف بنا كيفما شاءت؟! وهل ما زال يرهبنا الخوف من القتل في سبيل الحق بعد أن أصبح الموت يتربص بنا على يد أدق المخلوقات؟! وهل ما زالت كلمة الحق ثقيلة على ألسنتنا بعدما أصبحنا على شفا حفرة القبر بين لحظة وأخرى؟!

أهو خوفنا من الموت الذي جعلنا نخشى من مفارقة الحياة فزعًا من مواجهة الموت؟ أم أن خوفنا من الحياة الحقيقية وانبهارنا وانخداعنا بالحياة الزائفة وزينتها الزائلة جعلنا نهاب من الموت والحياة معًا؟

ولكن الحياة قدر والموت قادم لا محالة ليلاقيه كل من كان قدره الحياة، فلماذا إذًا الخوف من الحياة الحقيقية؟ ولماذا إذًا مهابة الموت؟

إن الحياة الحقيقية تحتضن في حائها الكبرى الكثير من الحاءات مثل حاء الحرية، وحاء الحب، وحاء الحنان، وحاء الحماس، وإذا لم تحتضن حياة أي منا معنًى واحدًا من معاني تلك الكلمات، فهو للأسف لم يدرك بعد المعنى الحقيقي للحياة؟

وأول ما يحول بين الإنسان وبين إدراك المعنى من الحياة هو الخوف، الذي معه يظل أسيرًا مكبلًا بالقيود، والذي بدونه يعلن انتصاره كل يوم في الحياة. فالخوف من الفقر يجعلنا غالبًا في تلهف على جمع المال وفي شغف بالاستهلاك، والخوف من المرض وما يسببه من ألم يصيبنا أحيانًا بالفزع من كل آفة ووباء، والخوف من الوعي والتفكير يجعلنا نفضل التبعية والانقياد وعدم الاستقلال، والخوف من الحب يجعلنا نفقد أعمارنا قبل أن نذوق طعم أهم دقة من دقات القلب، والخوف من الحرية يتسبب في استسلامنا لطينيتنا الأرضية غافلين عن إمكانية تحليقنا في الفضاء.

ويظل الخوف هو طامة الإنسان الخفية في الدنيا، والتي لا يمكن أن يتحرر منها إلا ذاتيًا فقط، فإذا لم يتمكن طوال حياته من التغلب عليها فلن يجد أمامه سوى الطامة الكبرى الحقيقية في الآخرة والتي لن ينجيه من فزعها سوى عمله الصالح بحق وإيمانه اليقيني غير القابل للشك.

إن المواجهة التي تقهر الخوف تتطلب قدرًا كبيرًا من الشجاعة وقوة العزيمة النابعتين من قوة الإرادة، والتي لن تكون قوية كفاية إلا إذا كانت حرة بحق. وما دام الخوف ليس قدرًا حتميًا كما يصوره لنا المنتفعون بخوفنا، فلنعلن إذًا أننا قادرون على أن نقهر خوفنا وأننا نستحق الحياة بكل ما فيها من حرية وحب وحنان وحماس.

وليكن قرارنا الآن هو قهر المرض بعدم الخوف منه ومن آلامه، ولنقهر البغضاء والشحناء بعدم التفريط في الحب، وبالعطاء الودود والإحسان الحنون، ولنقهر الفساد والطغيان برفضنا للتبعية والخنوع والصمت أمام كل طغيان وفساد وظلم وجور. أو لم ندرك بعد أن المفسدين والطغاة لن يستمروا في طغيانهم وإفسادهم إلى الأبد دون رادعٍ حاسمٍ وسريع يباغتهم على غفلة منهم؟ أم لم نتأكد بعد أن كل مستضعفٍ رضي بالمذلة والمهانة والتبعية لن يجد أمامه إلا البحث عن متبوع جديد بعد زوال متبوعه القديم ليظل دائمًا خارج خريطة القوة بلا معالم وجودية واضحة تدعو إلى الاكتراث به وعدم امتهانه

أو أكل حقوقه؟

إن القوات الباغية التي ارتدت قناع التحالف الدولي ستغرب كاملة عن أراضينا إذا استطعنا أن نهزم خوفنا من الحرية والاستقلال، وعندئذٍ سنستعيد هيبتنا وأمجاد ماضينا وسنكون قادرين على تحرير أقصانا، ولن يتمكن قادتنا من ذلك إلا إذا هزم كل منا خوفه من التحرر، والذي لا يمكن أن يولد فجأة وبلا مقدمات، بل علينا أن نبدأ من الآن فصاعدًا معركتنا ضد الخوف بكل أنواعه، والترهيب بكل أشكاله، بعزيمة وإقدام وبسالة وإصرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: