رؤى ومقالات

د. نيفين عبد الجواد تكتب :ما بعد الهدنة

 

عندما يعم الصمت ويسود الهدوء في كل مكان فلا يكون هناك مكان للضوضاء أو الصخب أو التزاحم، علينا انتهاز الفرصة واغتنام بعض الوقت للتأمل والتفكير، فربما تكون تلك الهدنة هي الهدنة الأخيرة.

إن ما يحدث الآن في العالم ليس عاديًا، ولا يجب أن يمر علينا مرور الكرام وكأنه لم يكن. فالإنسان منا إما أن يكون متلقيًا وتابعًا طوال الوقت، أو أن يكون إنسانًا واعيًا متمتعًا بإرادة حرة وقادرًا على التفكير الحر المستقل. وبالرغم من أنه ليس هناك ما هو أصعب على الإنسان الحر من تحمل تبعات حريته، إلا أن الحرية تستحق ما قد نتكبده من أجلها من مشقات.

إنه من السهل علينا الآن أن نغرق في تضييع تلك الهدنة في كل ما يسلينا ويلهينا ويزيد من غفلتنا وسهونا ورقدتنا، ومن السهل أيضًا أن نصب وابل اللعنات على ما أصابنا من خسائر واقعة أو محتملة، وفي كلتا الحالتين سيظل الخوف مرافقًا لنا ومسيطرًا على أفكارنا مهما حاولنا الهروب منه. فهل من الصواب أن نسلم عقولنا لكل فيديو ورسالة تصل إلينا لمجرد أنها الأكثر انتشارًا ورواجًا؟ أم علينا أن نتأنى لنمعن التفكير في كل ما نسمعه ونشاهده ونقرؤه؟

إنه من الطبيعي أن نخاف من كل مجهول، وأن نهاب من الألم ونخشى الموت، ولكن ليس من العقل أن نكمل بقية حياتنا في خوفٍ وترقب. إننا إذا أعملنا عقولنا قليلًا سنجد أن كل مجهول يحيط بنا أكثر بكثير من كل ما هو معلوم لدينا. وإذا كان الحذر لا يمنع القدر، وإذا كان ما يجب أن نحذر منه هو آلاف بل ملايين الفيروسات والبكتريا والملوثات المحيطة بنا والتي قد يسبب واحد منها فقط، إذا ما تمكن منا، حرماننا من الحياة، فسوف نكمل ما بقي لنا من أعمار بطريقة وسواسية مريضة مكرسين كل جهودنا في إجراءات الوقاية غير المنتهية كي نحمي أنفسنا من كائنات دقيقة لا نهائية.

فهل بوسعنا إذًا التوقف عمَّا يجب علينا الالتزام به من إجراءات احترازية؟ أم من الأفضل الاستمرار فيها بكل حرصٍ ودأب؟

إن التزامنا الوقائي لا يجب أن يتحول إلى رُهاب (أو فوبيا) من كل شيء فتتحول حياتنا إلى جحيم نخاف فيها من كل شيء وأي شيء، ونظل طوال الوقت في انتظار ما يستجد من تعليمات نتلقاها وكأننا جنود ليس عليهم طوال الوقت سوى السمع والطاعة. إن الحروب تستلزم بلا شك السمع والطاعة، ولكن هل نحن فى حرب معلنة أم خفية؟ وهل نعلم بحق كنه أعدائنا في هذه الحرب؟ وهل ندرك غايتنا ومآربنا من دخولها؟ أم أننا اكتفينا بأن نكون ذلك القطيع الذي يستقبل فقط ولا يرسل، والذي يلبي الأوامر فقط ولا يملك حق السؤال أو رفاهية الحصول على إجابة واضحة وصريحة وصادقة؟

إن المحن الكبرى والأزمات العالمية التي تباغتنا بلا أية مقدمات ربما تستدعي منا الانقياد لما هو سائد، ولكن هل معنى ذلك أن يكون هذا الانقياد هو سمتنا التي لا يمكننا التخلص منها طوال حياتنا؟ هل أدركنا أنه قبل صدمتنا بهذا الذي أطلقوا عليه وباءً عالميًا وجائحة فتاكة، كان يسود منطقتنا هذه، بل والكثير من دول العالم، الظلم والفساد والطغيان والاستغلال والاستبداد ونهب ثروات البلاد وسفك دماء الأبرياء بلا أي سبب أو داعٍ؟ ومع ذلك ساد الصمت بيننا، واستمرت بنا الحياة وكأن شيئًا لم يكن. إن كل ما سبق لم يدفعنا للانتفاض من على الكراسي التي نسترخي عليها بمنتهى الأريحية واللامبالاة ونحن نتابع أبشع الجرائم التي ترتكب في حق الإنسانية بلا رادع. وللأسف أقصى ما كان يؤرقنا هو سماع صوت أي احتجاج خافت يصدر من أية قلة قليلة على استحياء خشية من توقف عجلة الأرزاق عن الدوران. وها هي عجلة الأرزاق تكاد تتوقف عن الدوران الآن رغمًا عنا، وليس بسبب أية احتجاجات، فهل حقًا ما قد يصيبنا من إهلاك هو جزاء عادل يستحقه كل مستضعف دون أن يثير إهلاكه هذا أي خوف أوحزن عليه؟ أم أنه ما زالت أمامنا فرصة أخرى علينا أن ننتهزها كي نعيد التفكير فيما اقترفناه في حق أنفسنا ومدى ظلمنا لها بانجرافنا في دنيا فانية أقبلت علينا بغير حساب فظننا أننا لن نتكبد ثمن ما قدمناه في سبيلها من تنازلات؟

لقد آن الأوان كي نصمد أمام ذلك التيار الجارف قبل أن يبتلعنا فنبدأ بالإصغاء إلى صوت الضمير الذي دفناه حيًا من أجل أن نقف بصمود نُصرةً للحق ودفاعًا عن كل مظلوم في وجه الطغاة المتجبرين مثلما نصطف للصلاة في صفوف بلا اعوجاج، مدركين أن سجودنا لرب السماء لن يكون صادقًا أو مقبولًا ما دمنا قد انحنينا فى خنوع لمن هو دونه تاركين رقابنا في قبضته ومقدراتنا في يده.

وخلال تلك الهدنة علينا أن نعي أن أولئك الذين استحلوا دماء الأبرياء خارج أوطانهم لن يتحرك ضميرهم أمام هلاك العجزة والمسنين داخل أوطانهم لأن المال عندهم أهم من الإنسان –أيًا ما كانت جنسيته وأيًا ما كان عمره. كما علينا أن نوقن أن إيماننا بالدين لن يتم إلا إذا أقمنا العدل، وما دمنا قد تخلينا عن إقامته بأيدينا، فلا يجب أن نجزع بعد تلك الهدنة إذا أقامه الإله العدل على غفلة منا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى