الخميس , يونيو 4 2020
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل سيد مكاوى

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل سيد مكاوى

 هو ” شيخ المُلحنين ” و ” سُلطان الطرب ” و ” مذاق الموسيقى الجميلة  ” الموسيقار العملاق ” سيد محمد سيد مكاوى ” الشهير بسيد مكاوى و هو الفنان الرائع الذى أثرى الغناء المصرى و العربى بألحان عظيمة تميزت بالدفئ و العذوبة علاوة على طربيتها الجميلة و هو المُبدع الذى تميزت ألحانه بإضفاء البهجة و التفاؤل على المُستمعين و بكسب مُطربيه نكهة خاصة لا مثيل لها استطاع أن يترك بها بصمة لا تمحى فى التُراث الفنى المصرى إذ تميز بأسلوب فريد لم ينافسه فيه مُطرب آخر على الرغم من أنه عاصر عمالقة فى مجال التلحين و الغناء إلا أنه احتفظ بنكهته الخاصة التى جعلت من رحيله خسارة حقيقة بكل ما تُعنيه الكلمة من معانى و الحق يُقال أن مكاوى كان من أمهر المُلحنين فى تاريخ مصر بعد أن انعكست شخصيتُه المرحة على ألحانه فأكسبتها طعماً خاص لم و لن ينتهى على مر السنين .. وُلد مكاوى فى الثامن من مايو عام 1927م فى حارة قبودان بحى السيدة زينب بمُحافظة القاهرة لأسرة مُتوسطة الحال عنيت بنشأته الدينية حيث وجهته لحفظ القرآن الكريم و لم يولد ضريراً لكن لفقدانه البصر قصة روتها والدته حيث كشفت عن أنه تميز منذ طفولته بأن ” دموعه قريبة ” و كان يحب والده بدرجة جنونية حتى أنه عندما كان يتغيب عن المنزل لفترة كان يستمر فى البُكاء و عند وفاته ظل يبكى طويلاً بلا توقف حتى فقد بصره و لم يفلح الأطباء فى إنقاذ الموقف ! و لم تكُن تملك الأسرة ما يكفى للذهاب به إلى طبيب العيون و كان كف بصره عاملاً أساسياً فى اتجاه أسرته إلى دفعه للطريق الدينى بتحفيظه القرآن الكريم فكان يقرأ القرآن و يؤذن للصلاة فى مسجد أبو طبل و مسجد الحنفى بحي الناصرية ثُم تطور الأمر بمكاوى بعد ذلك فى مرحلة الشباب ليقتحم مجال الإنشاد الدينى و ظهرت لديه ذاكرة موسيقية جبارة رشحته لدخول مجال الموسيقى الذى سُرعان ما بدأ فيه أولى خطواته بعد أن تعرف على الشقيقين ” إسماعيل رأفت ” و ” محمود رأفت ” و كانا من أبناء الأثرياء و من هواة الموسيقى و كان أحدهما يعزف على آله القانون و الثانى على آلة الكمان حيثُ كان لديهما فى المنزل آلاف الاسطوانات القديمة و الحديثة آنذاك من تُراث الموسيقى الشرقية لمُلحنى العصر أمثال داوود حسنى و محمد عُثمان و عبد الحى حلمى و الشيخ درويش الحريرى و كامل الخُلعى و ظل سيد مكاوى و صديقيه يسمعون يومياً عشرات الإسطوانات من أدوار و موشحات و طقاطيق و يحفظونها عن ظهر قلب و يقومون بغنائها ثم بعد ذلك توجه مكاوى إلى الإذاعة المصرية و بعد أن اعتمدته للعمل كمُطرب بها فى بداية خمسينيات القرن الماضى لغناء تُراث الموسيقى الشرقية و الموشحات بدأت الإذاعة فى التعاون معه كمُلحن أيضاً مع استمرار التعاون معه كمُطرب و كان لمكاوى الفضل الأول فى وضع أساس للحن خاص لتقديم ” المسحراتى ” و كان له أيضا الفضل فى وضع أساس لتقديم الأغانى الجماعية بالإذاعة حيث كان أول من لحن أغانى المجاميع فقدم للشاعر محمود حسن إسماعيل أغنية جماعية هى ” آمين آمين يا رب الناس “و يُعد اللحن الذى قدمه للمطربة ” شريفة فاضل ” هو بداية انطلاقة مكاوى الفنية نحو شهرة أوسع و هو لحن أغنية ” مبروك عليك يا معجبانى يا غالى ” و كذلك اللحن الشهير الذى قدمه لمحمد عبد المطلب لأغنية ” اسأل مرة عليا ” ثم بدأ أكبر مُطربى مصر و العالم العربى فى التهافُت على التعاون معه و قد لحن عدد كبير من الألحان التى غناها عدد كبير منهُم كان أبرزها ” يا مسهرنى ” التى شدت بها كوكب الشرق أم كلثوم بعد أن طلبت منه أن يقدم لها لحناً كى تُغنيه فى أحدث حفلاتها إلا أنه أخبرها أنه يملك لحن بالفعل كان سيقوم هو بغنائه و عرض عليها الأغنية و التى تعتبر حتى هذه اللحظة واحدة من أشهر الأغنيات التى كتبها الشاعر الراحل أحمد رامى و غنتها كوكب الشرق عام 1972م بالإضافة إلى ” أوقاتى بتحلو ” و التى كان القدر أسرع من أن تتعاون أم كلثوم مع مكاوى مرة أخرى حيث كان اللحن مُعداً خصيصاً لكوكب الشرق إلا أن وفاتها جعلت الأغنية لسنوات فى طى النسيان حتى غنتها الفنانة الكبيرة وردة و التى نجحت نجاحاً كبيراً و ما لا يعرفه الكثير من الجمهور أن أغنية ” يا مسهرنى ” لم تكن بداية تعاون مكاوى مع أم كلثوم لأنها اتصلت به ليُلحن لها أغنية ” أنساك ” و بعد أن قام مكاوى بتلحين المُقدمة سألها ” هاخد كام على اللحن ده ” فردت عليه بتهكُم “يكفيك فخراً انى هاغنى من ألحانك ” ! فقال لها ساخراً و غاضباً ” لا مَش هيكفينى لأن البقال اللى تحت بيتنا مَش هيكفيه فخراً انى آخد منه علبة سلمون و أديله اللحن بتاعى .. و بعدين أنا مش مُلحن مغمور و لا نُص لبة عشان تردى عليه الرد الجارح ده ) ! و كانت القطيعة بينه و بينها التى استمرت لعدة سنوات قبل أن يقوم صلاح جاهين بالصُلح بيهمُا فى إحدى المُناسبات .. كان أوبريت ” الليلة الكبيرة ” من علامات مكاوى حيثُ يُعد من أشهر الأوبريتات التى يعتبرها المصريون تراثاً فنياً عظيماً حيث شارك في غنائها عدد كبير من نجوم الغناء إلى جوار مُلحنها سيد مكاوى و منهم ” حُورية حسن ” و ” عبده السروجى ” و ” إسماعيل شبانة ” و ” صلاح جاهين ” و الذى كتب كلماتها أيضاً و عُرضت بمسرح العرائس للمرة الأولى عام 1961م أما أغنية ” أنا هنا يا ابن الحلال ” و التى غنتها الفنانة صباح من خلال أحداث فيلم ” العتبة الخضرا ” عام 1959م فتُعتبر من أشهر أغانى النجمة اللبنانية و هى من كلمات صديقه الصدوق الشاعر الكبير صلاح جاهين و من أشهر ألحان مكاوى أيضاً ” قال إيه بيسألونى ” التى غنتها الفنانة وردة فى عام 1980م و كتبها الشاعر الكبير عبد الوهاب محمد بالإضافة إلى ” تفرق كتير ” التى غنتها الفنانة نجاة الصغيرة عام 1982م من كلمات الشاعر عبد الوهاب محمد و ” إسأل مرة عليا ” و التى تُعد من أشهر الأغانى للمُطرب الكبير محمد عبد المطلب من كلمات الشاعر على السوهاجى بالإضافة لأغنية ” حكايتنا إحنا الاتنين ” لليلى مُراد و ” غيرك أنت ما ليش ” لشهرزاد بالإضافة لعشرات المُقدمات الغنائية لمُسلسلات شهيرة للفنان أمين الهنيدى و محمد رضا و صفاء أبو السعود مثل مُسلسل شنطة حمزة و رضا بوند و عمارة شطارة و حكايات حارتنا و غيرها و أغنية ” الدرس انتهى لموا الكراريس التى كتبها الشاعر الكبير صلاح جاهين عقب قيام اسرائيل بغارة جوية استهدفت “مدرسة بحر البقر” عام 1970م و راح ضحية الغارة عدد 46 طفل من تلاميذ المدرسة الابتدائية و اتصل بمكاوى بعد تلك الغارة بساعة و لحنها الأخير بعد انتهاء المُكالمة بساعة واحدة ! و غنتها الفنانة الكبيرة شادية و هذا بالإضافة للأغانى العديدة التى لحنها و غناها مكاوى بنفسة مثل ” حلوين من يومنا و الله ” و ” ليلة إمبارح ماجنيش نوم ” و ” وجياتك ياحبيبى ” و ” بقى هية دى المحبة ” و ” المسحراتى ” و غيرها .. يروى المُنتج الفنى الشهير مُحسن جابر أحد المواقف الطريفة التى حدثت بينه و بين مكاوى أثناء التحضير لإحدى الأغنيات الجديد للمُطربة فايزة أحمد بعنوان ” مش كتير على قلبى يفرح ” و التى كان يُلحنها لها سيد مكاوى فعندما ذهب محسن لمكاوى ليستمع إلى ألحان الأغنية الجديدة قرر مكاوى أن يمزح معه بطريقة مُبتكرة حيثُ كانت كلمات أحد مقاطع الأغنية تقول ” يا قلبى صدق فرحتك و عيش حلاوة دُنيتك بعد اللى كان جالك زمان تفرح بقى ” فبدلاً من أن يغنى مكاوى كلمة ” بقى ” باللهجة المصرية ” بأى” تعمد أدائها بحرف القاف و كأنها فى قصيدة باللهجة الفُصحى لخداع محسن جابر الذى أحرج أن يراجع مكاوى فى حديثه بل أنه عندما ذهب لفايزة أحمد ليلقى عليها كلمات الأغنية أداها بنفس الطريق التى سمعها من مكاوى ما دفع فايز أحمد للسُخرية بشدة من مُحسن جابر .. واجه مكاوى اتهاماتٍ لاحصر لها بسبب تلحين أسماء الله الحسنى بأن ما يفعله ضد الإسلام و تلقى رسالة خلال فترة صغرها من أحد المشايخ مضمونها ” لم أكن أعلم أنك ضرير القلب أيضا ” ! لكن مكاوى كان على يقين بما يفعله فتحدى كُل مُنتقديه و بدأ تلحينها بأصوات المشايخ و نجحت نجاحاً مُبهراً .. تقلد مكاوى عدة أوسمة كان أبرزها ” وسام العلوم و الفنون من الدرجة الأولى و تزوج بسيدة من خارج الوسط الفنى أنجبت نجلتيه السفيرة ” إيناس ” رئيسة إدارة المرأة و الأسرة والطفولة بجامعة الدول العربية و ” أميرة ” الكاتبة الصحفية بمجلة روزا اليوسف و من المُفارقات العجيبة للقدر أن يتوفى سيد مكاوى فى نفس يوم وفاة صديقه و رفيق كفاحه صلاح جاهين حيث توفى الأخير فى مثل هذا اليوم من عام 1986م بينما توفى مكاوى فى عام 1997م بعد رحلة طويلة مع الفن الأصيل بعد أن ترك لمكتبة الموسيقى العربية كنوزاً رائعة سواء بصوته أو بتلحينه و بأصوات عُظماء الغناء العربى و ستظل ألحانه العذبة و ترانيم صوته الجميل فى مسامعنا و إلى يوم يُبعثون .. رحم الله سيد مكاوى و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: