الثلاثاء , يونيو 2 2020
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل محمود مُرسى

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل محمود مُرسى

هو ” عتريس السينما المصرية ” و ” الغول النبيل ” الفنان العملاق ” محمود محمد حسين مُرسى ” الشهير بمحمود مُرسى ذلك الفنان الرائع الذى ما أن تقع عيناك عليه ألا و تجد نفسك قد إرتعدت أوصالها من فرط الرعب حين تسمع صوته و هو يصرخ فى ” شئ من الخوف ” ؟ و لكن سُرعان مايتحول ذلك الرُعب إلى همسٍ من الدفئ و الحنين و الإجلال حين تلمحُه ناصحاً أقرباءه و معارفه برقة بالغة فى ” أبو العلا البشرى ” ! و هو أيضاً الفنان الذى تجد نفسك قد أصابها كُره شديدٌ تجاهِه فى بداية العمل ثُم يتحول ذلك الكُره إلى حُبٍ جارفٍ ! له فى نهايته تماماً كما حدث فى فيلم ” السِمان و الخريف ” فهو الفنان ” الغابة ” و هو اللقب الذى كان يعشق النُقاد الفنيين بأن ينعتوه به ذلك لأن محمود مُرسى بغموضه و رهبته و سِحره و بكثافته و استقلالِه و طابعه الخاص كان يذكرك بالغابة لأنه عالمٌ كاملٌ مُبهم و مُثير فقد يبدو ساكناً من الخارج لكن ما إن تتوغل فى أحراشه حتى تُفاجأ بأشكالاً و ألواناً من الأشجار و الكائنات بعضها مُسالم و هادئ و أليف و طيب و لطيف و بعضها الآخر عُدوانى و وحشى الطباع و بالغ الشراسة و مُفترس و مُثير للهلع و الرعب فى النفس و الحقُ يُقال أن محمود مُرسى بعينيه الفيروزيتين كان النموذج الذكورى من أسطورة ” ميدوسا ” فى الميثولوجيا الإغريقية فنظرة واحدة منه كانت كفيلة بتحويل الناس إلى حجارة علاوة على حُضوره الذى يُثير فى النفوس رعدة تمتزج بالإعجاب بهذا الغول فى الأداء و المهابة و هو ما حفر له مكانة راسخة فى تاريخ الفن و التمثيل بعد أن آثر ألا يكون صدى لأحد فصاغ لنفسه لحنـاً مُتفرداً أضحى به مُمثلاً مُتوهجاً خارج المنافسة و مُخرجاً مُتمكناً من أدواته لا مثيل له .. ولد محمود مرسى فى 7 / 6 / 1923م فى حى مُحرم بك بمُحافظة الأسكندرية وسط أسرة ميسورة الحال و التحق بالقسم الداخلى بالمدرسة الثانوية الإيطالية بالإسكندرية و بعد تخرجه منها التحق بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية قسم الفلسفة و بعد تخرجه من الجامعة عمل مُدرساً إلى أن استقال منه و قرر السفر إلى فرنسا ليدرس الإخراج السينمائى بمعهد الدراسات العُليا السينمائية ” ايديك ” بباريس و بعد أن أمضى خمسة أعوامٍ كاملة فى فرنسا حتى انتهت أمواله غادرها إلى لندن و عمل هُناك بهيئة الإذاعة البريطانية الـ ” بى بى سى ” و بعد سبعة شهور من تعيينه بها حدث العُدوان الثلاثى على مصر فخرج عبر أثيرها و قال ” لايُشرفنى العمل فى إذاعة دولة شاركت فى الإعتداء على بلادى ” و أنهى عقده معها بعد أن دفع الشرط الجزائى و قرر العودة إلى مصر ليلتحق بالبرنامج الثانى بالإذاعة المصرية كمُذيع ثُم عمل بعدها مُخرجاً بالتلفزيون المصرى و مُدرساً للتمثيل بالمعهد العالى للفنون المسرحية و فى عام 1962م بدأ بالعمل السينمائى فى فيلم ” أنا الهارب ” للمُخرج نيازى مصطفى كما أخرج عدد من المسرحيات و الأفلام منها مسرحية الخاطبة و يبدو أن الصبى و الشاب محمود مرسى قد تأثر كثيراً بالمناخ المُنفتح الذى كانت تتسربل به عروس البحر الأبيض المُتوسط فى النصف الأول من القرن العشرين فعشق المسرح و السينما و أتقن اللُغتين الإنجليزية و الفرنسية بطلاقة و حين شاهد ” جورج أبيض ” على المسرح عام 1938م فافتتن بأدائه الآسر وحُضوره الطاغى فقرر أن يكون تلميذاً نجيباً له و كان له ما أراد و حقق نجاحاً مُدهشاً فيما بعد مما دفع المُخرجين و المنتجين إلى ملاحقته ليستعينوا به فى أفلامهم لكنه لا يختار سوى ما يتفق و قناعاته بوصفه مُمثلاً غير عادى يتكئ على ثقافة عريضة و فهم عميق للشخصية التى يؤديها و لنا مثال على ذلك فى أول مشهد فنى فى بداية فيلم ” شيئ من الخوف ” يوضح بجلاء الأداء العبقرى للفنان الراحل العظيم محمود مرسى و يتلخص فى الآتى :- الجد “عتريس” مُلقى على الأرض بعد أن صادته طلقات نارية من أحد كارهيه و هو يُحاول أن يفتدى حفيده ” عتريس ” الذى انكفأ فوق جده المُحتضر ليستمع إلى نصيحته الأخيرة فيصرخ الجد مُطالباً حفيده بالإنتقام من كل أهل القرية الأوباش الذين تجرؤوا على ملكوته و سطوته آمراً إياه بأن يقسم بذلك هاتفًا بصوت مُبلل بحشرجة الموت ” احلف.. احلف يا عتريس ” و هنا تنتقل الكاميرا بين ملامح الجد القاسى الذى تفصله عن الموت ثوان معدودات و بين وجه الشاب المُسالم الذى وجد نفسه فجأة مطالباً بالقتل ثأراً لجده ! و هما ليس شخصين بل شخصُ واحدٌ ” الجد و الحفيد ” و بالرغم من أسلوب الأداء و إيقاع الصوت و ارتعاشة النبرة كل ذلك يختلف اختلافاً جذريّاً بين الشخصيتين إلا أننا لم نشعُر أبداً أنهُما شخصٌ واحد ! فهو لم يعتمد على ذلك الأداء المُنتشر آنذاك بين مُعظم الفنانين الذين كانوا يقومون بأدوار الشر الذى يتلخص فى رفع الحاجب الأيسر أو جحوظ العينين أو التواء الفم فى أثناء مُمارسته البطش بالضعفاء أو التآمر على الأقوياء و إنما استولد لنفسه أداءاً مُغايراً يتفهم جيداً طبيعة كل شخصية يتقمص حالتها حتى لا يتورط فى أداء ساذج و مُسطح أو يستسلم لتقاليد بالية فى فن التمثيل رسخها مُمثلون ظهروا قبله فنجده فى فيلم ” الليلة الأخيرة ” يبرع فى تجسيد شخصية الرجل المُخادع الذى يزوّر فى أوراق رسمية مُستغلاً حالة فُقدان الذاكرة التى انتابت شقيقة زوجته وعندما تحوم الشكوك حوله يسعى جاهداً من خلال نظرات مُرتبكة و تقطيب الحاجبين للحيلولة دون افتضاح أمره و دون إسرافٍ فى المشاعر بغير داع و لا خطابية فى الأداء أو الحركة أما فى فيلم ” الخائنة ” فقد أبهر مُرسى جمهوره و هو يؤدى شخصية مُحامٍ ناجح يكتشف خيانة زوجته لكنه عجز عن يعرف من هو العشيق ؟ فكاد يجن حيث أصبحنا نرى نظرة الخذلان فى عينيه و ارتعاشة شفتيه نظراً لموقفه المُهين و يظل دوره فى فيلم ” ليل و قضبان ” مثالاً ناصعاً للمُمثل المُثقف الذى يتكئ على معارف جمة تعاونه على اصطياد الحالة النفسية و الوجدانية لمأمور سجن غليظ القلب محروم من نعمة الرحمة ولا يتردد لحظة فى التخلص من المساجين المُشاغبين و فجأة يكتشف أن زوجته -سميرة أحمد تخونه مع أحد نُزلاء السجن فتتفجر طاقاته التمثيلية إلى أقصى حُدودها و نراه هدفاً لمشاعر شتى تتلاعب فى عينيه و وجنتيه و شفتيه خاصة أن من اكتشف الخيانة مرؤوسه الصول ” توفيق الدقن ” أما إبداعات مرسى فى الدراما التليفزيونية فكان لها نصيبٌ عامر فمن ينسى مُسلسل ” العملاق ” الذى جسد فيه شخصية ” العقاد ” و مُسلسلات ” أبو العلا البشرى ” و ” عصفور النار ” و ” سفر الأحلام ” و ” بين القصرين ” و ” قصر الشوق ” و ” لما التعلب فات ” و ” بنات أفكارى ” و غيرها و كلها مُسلسلات أتاحت لمحمود مرسى مساحات أوسع ليُفجر طاقاته التمثلية لأبعد مدى ما جعله يستحق أن يُوضع ضمن قائمة أفضل مُمثلين عرب على مر التاريخ إن لم يكن أفضلهم من وجهة نظرى .. حصُل مُرسى على العديد من الجوائز و التكريمات كان أبرزها ” جائزة الدولة التقديرية ” فى عام 2000م تتويجاً لمشواره الفنى الطويل كما كرمته وزارة الثقافة عن جُهوده كأستاذ لمادة الإخراج بالمعهد العالى للفنون المسرحية و كرمه كل من مهرجان القاهرة السينمائى الدولى و مهرجان الإذاعة و التلفزيون و تم تكريمه أيضاً فى مهرجان الفيلم الروائى عام 1998م .. تزوج مُرسى من تلميذته عملاقة المسرح المصرى و العربى الفنانة القديرة ” سميحة أيوب ” و أنجب منها نجلهُما الوحيد ” علاء ” و لم يستمر الزواج مُدة طويلة بسبب الغيرة و تم الإنفصال و ظل مُرسى بعدها دون زواج .. قبل وفاته بـ 5 سنوات داهمته أمراض الشيخوخة بشكلٍ ملحوظ و لكنه لم يستسلم لها مُطلقاً فظل يُمتعنا بفنه الجميل و أعماله المُتميزة حتى جاءت النهاية فى 24 / 4 / 2004م و صعدت روحه إلى بارئها إثر أزمة قلبية حادة عن عُمرٍ يُناهز على الـ 81 عاماً فى مدينة الأسكندرية أثناء تصوير مُسلسل وهج الصيف ليخسر الفن المصرى و العربى فناناً عِملاقاً من الصعبِ أن يجود الزمان به بعد أن عاش حياته على « حد السيف » ثم رحل فى « وهج الصيف » .. فى حوار مع جريدة « الأهرام » قالت عنه زوجته الوحيدة سميحة أيوب « كان نموذجـاً لن يتكرر فنيـاً و أخلاقيـاً و ثقافيـاً و كان زاهداً و عازفـاً عن ضجيج المُجتمع و طبوله الجوفاء كما أنه كان خليطـاً من عزة النفس و الكبرياء و التواضع الشديد أمام العلم و المعرفة » .. رحم الله محمود مُرسى و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: