الثلاثاء , يونيو 2 2020
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل نعيمة عاكف

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل نعيمة عاكف

هى ” لهاليبو السينما المصرية ” و ” الشقية المَرِحة ” و ” تمر حنة الفن ” الراقصة و المُمثلة الإستعراضية و الفنانة الشاملة الكبيرة و القديرة نعيمة عاكف و التى تُعدُ واحدة من أشهر نجمات الإستعراض الغنائى فى السينما المصرية و العربية بعد أن استطاعت أن تجمع ببراعة فائقة بين فنون الرقص و الغناء و المونولوج و التمثيل التى إعتمدت على القوام الممشوق و الإيقاعات و التلوينات المُتعددة و نجحت فى أن تخلق لنفسها مكانة فنية مميزة و أن تحتل أفيشات السينما الاستعراضية مع عدد من نجوم عصرها مثل محمد فوزى و أنور وجدى و شكرى سرحان و رشدي أباظة كما كانت نعيمة ضمن أمهر لاعبات السيرك فى مصر و بالرغم من أدائها فى السينما الذى تميز بالهدوء و الإستقرار إلا أن ذلك كان على النقيض تماماً فى حياتها الحقيقة ! .. ولدت نعيمة عاكف يوم 7 أكتوبر عام 1929م فى مدينة طنطا بمُحافظة الغربية وسط حُزن شديد من عائلتها وقت ولادتها لأنهم كانوا يريدون ولداً بدلا منها و كان والدها شديد القسوة عليها حيثُ كان يقوم بإستغلالها فى السيرك الذى كان ملكاً له و يأخذ كل ما يجلبُه السيرك للذِهاب إلى مائدة القمار و لا ينفقه على أسرته ! و قد كان السيرك يقدم عُروضه خلال ليالى الإحتفال بمولد السيد البدوى و لذلك فقد تربت نعيمة وسط الحيوانات و الألعاب البهلوانية حتى تعلمت مبادئ الأكروبات و أصبحت النجمة الأولى للفرقة و هى لم تتجاوز الخامسة من عُمرها ! و عندما بلغت عامها العاشر تزوج والدها من أخرى غير والدتها التى إضطرت إلى الإنتقال مع أولادها لتستقر بشقة بسيطة فى شارع محمد على و خلال تلك الفترة كانت نعيمة هى المُنقذ الذى أبعد شبح الجوع عن الأسرة فكُنَ يسِرنَ فى الشوارع و يعملن أكروبات رائعة ليكسبنَ بعض الملاليم ! و كانت الأنظار تُتابع حركاتها البهلوانية بشغف حتى ذاع صيت هذه البهلوانية بخفة دمها و استعراضاتها المُبهرة ملئ السمع حتى طلب منها الفنان ” على الكسار ” أن تعمل هى و شقيقاتها فى فرقته كما انضمت بعد ذلك إلى فرقة ” بديعة مصابنى ” و قدمت معها لأول مرة رقصة ” الكلاكيت ” التى عكفت على تعلُمها بنفسها بعد أن فشلت فى الذهاب لمُدرب الرقص الذى بالغ فى الأجر حتى أبهرت الجمهور فى الصالة .. اقتحمت نعيمة عالم السينما عندما إنتقلت إلى ملهى ” الكيت كات ” الذى كان يرتاده مُعظم مُخرجى السينما فالتقطها المُخرج ” أحمد كامل مرسى ” و قدمها لأول مرة كراقصة فى فيلم ” ست البيت ” و منه إختارها المُخرج ” حسين فوزى ” لتُشارك فى بطولة فيلم ” العيش و الملح ” عام 1949م و من هنا كانت الإنطلاقة الفنية للنجمة الإستعراضية الأولى فعقب نجاح الفيلم تعاقد معها حسين فوزى على إحتكار وجودها فى الأفلام التى يُخرجها لحساب ” نحاس فيلم ” و قامت بأول بطولة سينمائية لها من خلال فيلم “ لهاليبو” و على الرغم من فارق السن الكبير بينهما فقد تزوجها فوزى فى عام 1953م و نقلها إلى فيلا فى حى مصر الجديدة و شعرت بأنها لم تحصُل على قسط كاف من التعليم فاستعانت بمُدرسين تلقت منهم دروساً فى العربية و الإنجليزية و الفرنسية و بذلك أصبحت تتحدث ثلاث لغات ! و بعد أن لمع نجم نعيمة عاكف فى الوسط الفنى إختارها العِملاق المسرحى “ زكى طُليمات ” فى عام 1956م كبطلة لفرقة الفنون الشعبية فى أوبريت ” يا ليل يا عين ” كما سافرت فى العام نفسه مع البعثة المصرية إلى الصين لتقديم الأوبريت و فى العام التالى إلى موسكو لعرض ثلاث لوحات إستعراضية و فى 1958م حصُلت على لقب أحسن راقصة فى العالم من مهرجان الشباب العالمى بموسكو .. بلغ الرصيد الفنى لنعيمة عاكف خلال رحلتها الفنية القصيرة حوالى 25 فيلماً كان أبرزها “ جنة و نار” و” بابا عريس ” و” فُرجت ” و” فتاة السيرك ” و” يا حلاوة الحُب ” و” النمر” و” مليون جنيه ” و” أربع بنات و ضابط ” و” نور عيونى ” و” بحر الغرام ” و ” مدرسة البنات ” و ” عزيزة ” و” تمر حنة ” و” خُلخال حبيبى ” و” الزوج المُتشرد ” و ” بائعة الجرائد ” و ” أمير الدهاء ” و لكن تأتى الرياح دوماً بما لاتشتهيه السُفن بعد أن أضحى النجاح الذى حققته نعيمة فى مِشوارها الفنى سبباً فاعلاً فى فشل حياتها الشخصية بعد أن دبت الغيرة فى قلب زوجها مما أدى إلى تعثُر حياتهما الزوجية فوقع الطلاق بينهما عام 1958م فى هدوءٍ شديد و بعد قصة حُب دامت لعشر سنوات بعد أن أتفق الزوجان على الانفصال و استأجرت عاكف شقة بشارع أبى الفداء بالزمالك و اقتسم الزوجان أثاث البيت فخرجت عاكف بغرفة النوم و الصالون و الأنتريه و تركت لحسين فوزى غرفة نوم الضيوف و السفرة و البار الأمريكانى و عقب عام من الطلاق تزوجت نعيمة من المُحاسب القانونى “ صلاح الدين عبد العليم ” و أنجبت منه إبنها الوحيد “ محمد ” .. فى عام 1963م رقصت نعيمة كأنما تودع الرقص فى دور « الجارية زمردة » فى فيلم ” أمير الدهاء ” كذلك برعت فى أداء الدور بشكل أعادها إلى أذهان الجُمهور غير أنها و قبل أن تنتهى من التصوير عاودتها الآلام بشدة مرة أخرى لكنها كانت هذه المرة أكثر قوة و أشد شراسة فقد جاء الألم هذه المرة مصحوباً بنزيفٍ حاد فتم نقلها على الفور إلى المُستشفى غير أن التحاليل و الأشعة أكدت خلوها من أى مرض عضوى لكن حالتها تؤكد أن ثمة أمراً خطيراً غير ظاهر حتى ساقت لها الأقدار الدكتور ” محمد أبو الفتوح ” أستاذ جراحة الجهاز الهضمى الذى وقَّع الكشف عليها ثم أجرى جراحة حصل خلالها على عينة من الأمعاء لتأتى نتيجة تحليلها صادمة له قبل أن تكون صادمة لنعيمة و زوجها و كل من حولها فحاول أن يخص زوجها بحقيقة مرضها على أن يخفى عنها نتيجة تحليل العينة خوفاً عليها من صدمة قد تنهي حياتها قبل الآوان لكنها أصرت على أن يصارحها بحقيقة مرضها و حاول أن يهرب من نظرات عينيها و بدت على وجهه علامات الألم و الارتباك إلا أنها لم تتركه إلا بعد أن وضح لها حقيقة مرضها بأنها مُصابة بسرطان الرحِم و على الفور اتخذت نعيمة قرارها باعتزال الفن نهائياً لتجلس فى بيتها لتتفرغ لرعاية ابنها الوحيد ” محمد ” حتى تشبع منه قبل أن تفارقه إلى الأبد حتى إن عدداً من المُنتجين عرض عليها الكثير من السيناريوهات لأفلام جديدة إلا أنها لم تكن ترفضها بشكل مُباشر بل تقبل السيناريو و تطلب فرصة للقراءة ثم ترفض بحجة أن العمل ليس مُناسباً لها و ظن البعض أنها تتعمد ذلك لرفع أجرها الذى كان قد تراجع فى أفلامها الأخيرة فراح يرفعه حتى عاد إلى سابق ما كان عليه قبل التراجع بل و زاد عليه إلا أنها أيضاً كانت ترفض حتى باتت هذه العادة من الأمور التى تجلب لها جُزءاً من السعادة التى فقدتها بأن تعلم أن ثمة مُخرجاً أو مُنتجاً لا يزال يتذكرها و يطلبها و هى ترفُض و كانت نعيمة تذهب إلى المُستشفى لتتلقى جرعة العلاج و تمكث بالمستشفى يومين أو ثلاثة ثم تعود إلى بيتها تدخل إلى حُجرتها تتألم و تبكى و تكتم صرختها و آلامها حتى لا يسمعها زوجها أو ابنها حتى تصادف وجود أحد الصحفيين بالمُستشفى فلمحها أثناء نقلها بعد جلسة العلاج إلى غرفتها و لم يمُر أسبوع حتى نُشر خبر المرض فى الصُحف و هو مازاد من حالة نعيمة الصحية السيئة بعد أن كان لذلك وقع السوء الشديد على نفسيتها و ظلت تُصارع المرض على مدار 3 سنوات و صدر لها قرار جُمهورى بالعلاج على نفقة الدولة إلا أن السوء الشديد فى حالتها الصحية التى وصلت له آنذاك قد منعها من السفر لتلقى العلاج بالخارج و ظلت تتحدى المرض بكافة أشكاله حتى صَعدت روحها إلى بارئها فى 23 أبريل عام 1966م عن عُمرٍ يُناهز الـ 37 عاماً فقط ! و شُيعت جنازتها فى اليوم الذى قرر الأطباء أن تسافر فيه و خرج جُثمانها من بيتها كما أوصت وسط جماهيرٍ غفيرة التفت حول المنزل منذ الصباح الباكر و عدد كبير من الفنانين و مُحبيها فيما وقفت كوكب الشرق السيدة أم كلثوم فى شُرفة منزلها تلوح للجثمان بمنديلها و لم تستطع أن تُسيطر على دموعها لتكون فى وداع فنانة أحبتها كما أحبها الملايين و أسدل الستار على مُشوار سبعة عشر عاماً من الفن و التألق و الإبداع و هو مُدة العُمر الفنى لهذه الفنانة الرائعة التى من الصعب أن تتكرر مرة أخرى .. رحم الله نعيمة عاكف و تجاوز عن سيئاتها و أسكنها فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: