الخميس , يونيو 4 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / يومياتي في الصعيد.. ليلة الحاج موسي … بقلم : السيد الحواتكي

يومياتي في الصعيد.. ليلة الحاج موسي … بقلم : السيد الحواتكي

يومياتي في الصعيد..
ليلة الحاج موسي. #

كانت هذه الليلة فعلا ليلة عمي الحاج موسي وكنا في البلدة القديمة وهي التي نأوي اليها عند قدوم الفيضان وهي مرتفعة عن الارض بحيث لا تصعد اليها المياه وبيتنا وكذلك بيوت العائلة اكثر اتساعا والتصاقا ببعضها ولكنها بيوت كأنها من الاثار فهي قديمة جدا… اما ماكينة المياه الضخمة فهي هناك وسط الحقول التي غطتها المياه..
البيوت تتراص في صفين متواجهين تفصل بينهما المقابر في منظر مهيب…
بدأت الحكاية كنوع من الهزل بين الحاج موسي واصدقائه العابثين وهي ان يتراهنوا معه علي ان يقضي ليلة وحده في المندرة….
ان المندرة موحشة ومرعبة بالنهار فما بالك بالليل… وهي تخص عائلتنا وجيراننا وهم من عائلات اخري… وهي بجوار بيتنا ولا يفصلها عنه الا بيت واحد فقط وهي َلا تفتح الا اذا حضر ضيوف من بلدات اخري فيجلسون في الحجرة الكبيرة وهي متسعة جدا ويفصلها عن الحجرة الاخري باب لا يفتح ابدا… فالحجرة الكبيرة تكفي لاكبر عدد من الضيوف واتذكر اني دخلتها مرة واحدة وذلك خلف جارنا قبيصي عبد الله الذي كان يمسك في يده جهاز راديو وقد دخلت خلفه البلدة كلها لتري هذا الجهاز العجيب وكان الزحام خانقا ولم استطع ان اري الراديو ولكن سمعت صوته…
كان اطفال الجيران يجلسون معي امام بيتنا كل مساء وكان احد جيراننا واسمه زيد ياتي ومعه ناي يعزف عليه فنستمع له في سعادة طفولية لكن ما كان يضايقنا هي طرقات عبد السلام داخل المندرة بصوت مقلق… فالصوت مرتفع جدا ويستمر طوال الليل وعندما سمعته اول مرة سألت فقالوا انه عبد السلام…
كانت المندرة هادئة وعادية جدا الي ان حدثت معركة كبري في البلدة…. وهي معركة اشتركت فيها كل العائلات… المزازكة…. الهباتلة…. الزنافلة… وعائلات اخري وفي اثناء المعركة احضروا رجلا مصابا بضربة فأس في رأسه وحاولوا علاجه بطريقة بدائية الا انه فارق الحياة..
من يومها والمندرة اصبحت مصدرا للخوف والرعب… طرقات شديدة بداخلها علي الباب الذي يفصل بين الحجرتين… فتح وغلق نوافذها بعنف دون ان يقترب منها احد… حتي انني ظننت ان نوافذها تحطمت ولما ذهبت في الصباح لاراها وجدتها سليمة فضحك جيراني من فعلي هذا…
في هذه الليلة وهذا الجو قرر الحاج موسي ان يقضي ليلته وحده في المندرة… فاحضر فانوسا وقلة مملوءة بالماء ودخل واغلقوا عليه الباب…. انه لن يستطيع الخروج فالنوافذ فيها حديد الي جانب الخشب… ولو هرب من الباب فسوف يخسر الرهان وسوف يقيمون له حفلة َمن الحكايات التي تتغني بخوفه وهروبه… فقد جلس علي باب المندرة اصدقاؤه الذين راهنوه وكذلك ابنه الذي كاد ان يموت خوفا علي والده…
مضي الليل في هدوء… الامن بعض الاحاديث المقطوعة للجالسين امام باب المندرةثم يمر الفجر والسكون هو سيد الموقف..
اخيرا فتحوا باب المندرة ووجدوا الحاج موسي ملقي علي الارض وفوقه الدكة التي كان ينام عليها وفي حالة اغماء تام… فحملوه الي بيته واخذوا يحاولون افاقته…
اخيرا استرد الحاج موسي وعيه فانهالت عليه الاسئلة…. ماذا رأي .. وماذا سَمع.. ومن الذي قلب فوقه الدكة….
لكن ظلت الاسئلة بلا اجوبة… فلا احد يعرف شيئا مما جري في تلك الليلة لكن ما نعرفه ان شخصية الحاج موسي قد تغيرت تماما… فاصبح قليل الكلام كثير الشرود واحيانا ينطق بكلمات لا نفهمها…
وكلنا نتفق علي ان حادث الَمندرة كان السبب فيما وصل اليه.. الا لعنة الله علي الرهان..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: