إسهامات القراء

 عقيل محمد المشاقبه يكتب :مدرسة الكورونا

 لم تملك مدرسة الكورونا طموحاتٍ ضخمة ولا حتى أحلاماً واسعة، لقناعتها بأنها مجرّد ڤيروسات بدائية لم ترقى في سلم الكائنات الحية بعد كي تفوز بلقب الكائن الحيّ، بسيطة أشدّ البساطة، الواحد منها ليس إلا معلومة من حمضٍ جيني يحيط به غشاء من البروتين، لذلك كان Alcohol ملك الموت في عالمها ..

لا وجود للحياة بدون مقاومة ، كما أنه ليس بالضرورة في لحظة تاريخية ما أن تكون المقاومة إنساناً، قد يكون مجرّد ڤيروس! تلك العبارة كانت مكتوبة أحدى جدران مدرسة كورونا، لقد تجمع حولها عدد غفير من الڤيروسات ، أما الدهشة فكانت تسيطر على عاملهم الحيويّ !

تجمّع إداريو المدرسة ثم أمروا بمحو ما كتبَ على الجدار ، كان أحدهم يريد تكرار ما فعله جدة SARS! لقد تعلمنا من تلك المقاومة بأننا ضعفاء بائسون، أقل رتبة وجودية، وبلا أيّ روح أو جسد، كيف يجرؤ هذا الأخير على المقاومة مجدداً؟ ..

انتشر بعد ذلك خبر في المدرسة يفيد بأنّ أحدهم انشق بعد أن غير حمضه النووي، ثم بعد التحقيق في الحادثة، شهد أحد زملائه أنه سمع الڤيروس المنشق يقول ذات مرّة، لو كان العالم ملكُ حمضي النووي لغيّرته، لا لشيء سوى لكسب المزيد من البروتين..

وبعدما اقتحمواالغرفة التي كان يسكنها من المدرسة ، وجدوا نقشاً لرأتيّ إنسان متفحمتين وعبارات منثورة هنا وهناك !
أستطيع الاستفادة من العولمة ..
‏Alcohol لن يدمر جداري البروتيني عندما أدخل جسد الإنسان، لن يستطيع الأخير ابتلاع Alcohol للقضاء عليّ ..
أما الخطر الحقيقي على هذا العصيان الذي أقوده يكمن في العلم، لأنه بشهادة التاريخ لم يعقد اتفاقيات مع أيّ ڤيروس !
والأهم أنني سأكون قادراً على التلاعب بخيارات البشر، ستدفعهم غريزة البقاء لإعادة التفكير في نمط حياتهم ..

لا شك بعد فترة من هذا العصيان، سيصل العلم إلى مضاد يدمرني، لكن حتى يحصل ذلك على الأقل استطعت أن أثبتلت للمدرسة بأنّ العصيان يستطيع خلق فارق ما في هذا العالم ..

هذا الڤيروس الذي لا يملك أهدافاً ولا رؤى مستقبلية ، ولا تملؤه أي أفكار أو أوهام، استطاع أن يملك غايةً ما لوجوده، الإنتشار والتمدد أفقياً في عقول الناس وحياتهم قبل أجسادهم ..

إلا أنه في الحقيقة لم يقصد أن يصل لما وصل إليه، بل إن أسباباً عديدة ساهمت في تنظيم غايته وتوجيهها، رغم أنه في خياله قد ظنّ أنه امتلك خياره هذا مدعوماً بإرادة من نوع ما، لكن الواقع يجزم بأن الظروف هي من اختارت له قدره وليس العكس، وهو بذلك ظلّ ڤيروساً لم يختر من حياته أو فنائه شيئاً، أي أنه بقدر ما يملك من حرية بقدر ما يملك من خيارات، أن تكون حراً معناه أن تختار وليس العكس ..

الحياة تلعب بنا لعبتها الدائرية، قد نظن في لحظة أنانية أو ثقة بأننا قادرون وفاعلون، لكن مع وقفة صغيرة وتأمل عميق ندرك بأنّ الظروف هي من توجهنا، ربما عندما نفهم هذه اللعبة الوجودية نستطيع إعادة تنظيم سيناريو وجودنا بصيغة أكثر فرديّة ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى