كتاب وشعراء

العين بالعين و السن بالسن .. بقلم : السيد الحواتكي

يومياتي في الصعيد. 3 #

في ذلك العام جاء رمضان ومعه الفيضان وكل عائلة اسرعت في جمع محصولها من القطن واخرين محصولهم كان من السمسم… الكل يسرع ويتعاقد مع اصحاب الجمال ( الابل) لنقل محصوله…
جاءت الجمال وحملنا القطن المعبأ في زكايب وارسلناه الي بيتنا في البلدة القديمة المرتفعة فوق التل… ثم حملنا كمية كبيرة من حطب القطن لننشرها في الشمس فوق سطح البيت ونرشها بالماء كل يوم… وبعد فترة نجد لوزات القطن المغلقة تفتحت وخرج منها القطن الابيض انها فكرة عبقرية..
وانتقلت العائلة الي البيت القديم نصوم النهار ونأخذ حاجتنا من الماء من بئر قريبة من بيتنا وبجوارها مصلي صغير تصلي فيه عائلتنا والجيران..
وذات مساء طلبت مني والدتي ان اذهب معها الي بيت جدي وهو قريب من بيتنا وتفصلنا عنه المقابر المَمتدة في مساحة واسعة
حملت امي معها اناء العجن المصنوع من الفخار ويسمونه ( القعدية) وفيه كمية من الدقيق وسرنا معا الي بيت جدي وهناك اجتمعت نساء العائلة واخذن يتشاورن…. لقد قررن ان يعملن الليلة كنافة…
المكان الذي حددنه لعَملها هو البستان بجوار بيت جدي وهو مكان متسع محاط بسور مرتفع وفيه كميات هائلة من حطب القطن المنتظر ان تتفتح لوزاته.. فبنين كانونا مرتفع عن الارض حتي الوسط ومن فوقه قطعة من الصاج ( قعر برميل جاز من براميل ماكينة المياه) واشعلن النار بحطب القطن واحضرت لهن فانوسا من عند جدي واشعلته فأضاء المكان… اما رش عجين الكنافة فوق الصاج فكان باستخدام علبة ( سالمون) بعد تنظيفها وتخريمها بمسمار..
بدأن عمل الكنافة بالدور وكل واحدة بدورها المتفق عليه..
كانت ليلة جميلة حقا… فالبستان واسع والفانوس الساحر يضيء المكان بكرم والسماء صافية كأن نجومها نزلت لتشاهد ما يحدث عن قرب وحديث النسوة المرح يرتفع كانه موسيقي اوبرا تصدح في بهو فرعون ثم ان مياه الفيضان ملاصقة للبستان من خارج السور فتسمع صوت امواجها كالهمس..
واخيرا حملنا ما صنعته امي من كنافة الي بيتنا وفي السحور اضافت للكنافة السمن فقط فلا نعرف غيره… لا سكر ولا مكسرات… وتسحرنا ونمنا حتي الصباح
لكن في الصباح سمعت حديثا عن سرقة خروف من بيت جدي… لكن كيف… انهم ثلاثة بيوت متلاصقة جدي واثنان من الاعمام ولايوجد بيت احد غريب الا بيت يخص كمال القط وهو بعيد ولا توجد اي صلة بيننا وبينه لكن معروف عنه انه يده طويلة ( في السرقة طبعا) فحامت الشبهات حوله… لقد قام اللص بنقب الحائط ( عمل فتحة ) ودخل البستان من مكان بجواركانون الكنافة بعد الفجر والناس نيام وسرق خروفا وهرب… المشكلة ان هذه البيوت في اول البلدة ولا توجد بيوت غيرها لدرجة ان مياه الفيضان تكون ملاصقة لها وكَمال القط عنده مركب اما باقي البلدة فبيوتهم بعيدة فوق التل ومتلاصقة واللص سوف يرونه…
قررت عائلتي الانتقام من هذا اللص… العين بالعين والسن بالسن والسرقة بالسرقة…
المقابر تمتد امام بيت جدي لمسافة طويلة وَمن العجيب ان نري بعض الحيوانات تمرح نهارا في هذه المقابر… وَمن بينها اتان ( انثي حمار) وابنها وهي تخص كمال القط اذا لابد من سرقتها هي وابنها واخفائها في مكان بعيد…
فاقترح احد اعمامي ان يذهب شخصان بالاتان وابنها الي طهطا فرد عليه اخر بانه لايمكن بيعهما لان اهل البلدة يذهبون الي سوق الخميس بكثرة واحتمال ان يكون بينهم كمال القط فيراهما..
رد ثالث لن نبيعهما فثمنهما حرام….. نسرقهما وفي اول شارع من شوارع طهطا نطلق سراحهما فيكونا َمن نصيب الطهطاوية…
اعجب هذا الرأي عائلتي وفي صباح اليوم التالي خرج اثنان من شباب العائلة وقد تلثم كل واحد َمنهما بتلفيعة ضخمة مع ان الجو لم يكن باردا وامسكا بالأتان وابنها واخذا طريقهما الي طهطا عن طريق جسر ( يسمي جسر الصعايدة) والمسافة تطول جدا في هذا الطريق نظرا لان الطريق الاقرب غطته المياه…
كان اللثام مهما جدا لان اقاربنا قابلا عددا من الناس الذين يعرفونهما لكن اللثام منعهم من َمعرفتهما….حتي لا يصل الخبر الي كمال القط
وفي اول شارع في طهطا نزل اقاربنا وتركا الاتان وابنها وتوجها الي احد المحلات كأنهما يريدان شراء شئ ما… وتركا ركوبتيهما في الشارع فانطلقت الاتان وابنها الي غير رجعة
وعاد اقاربنا الي البيت ولديهم احساس بالغلبة والانتقام وفي اليوم التالي رأوا كمال القط يسأل عن حميره في البلدة لكنه لم يجرؤ علي ان يسأل احدا من عائلتنا عما فقده

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى