كتب ومكتبات

الديوان الإسبرطي ” لعبد الوهاب عيساوي مفخرة السرد الروائي الجزائري -بقلم الدكتور مشري بن خليفة- الجزائر

الدكتور مشري بن خليفة :
رواية ” الديوان الإسبرطي ” لعبد الوهاب عيساوي هي مفخرة السرد الروائي الجزائري

إن فوز الروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي في تقديري لم يأت بمحض الصدفة ، وإنما كان نتيجة جهود مضنية في كتابة العديد من النصوص السردية والتي حازت على جوائز قبل حصوله على جائزة البوكر ، حيث نجد أن روايته سينما جاكوب قد فازت بجائزة الشهيد الفنان علي معاشي وهي جائزة رئيس الجمهورية وذلك سنة 2012 ، و تحصل سنتي 2014 و 2015 على جائزتين عن روايته سييرا دي مويرتي في المسابقة الوطنية للرواية القصيرة المنظمة من قبل الرابطة الولائية للفكر والإبداع بولاية الوادي ، وجائزة آسيا جبار للرواية والتي تعد أكبر جائزة للرواية في الجزائر ، وحاز سنة 20017 على جائزة كتارا للرواية المخطوطة ، فهذا المسار من الجهد في كتابة الرواية ، هو الذي حفز عبد الوهاب عيساوي على الاشتغال على التاريخ وإعادة كتابته رواية وفق منظور مغايرة للرواية التاريخية المتعارف عليها ، واختار موضوعا عويصا وصعب المراس ، ويحتاج إلى قراءة معمقة ووعي وفهم وإدراك للفترة التي اختارها ، وقد نجح في كتابة رواية لها ابعادها التاريخية والسياسية والاجتماعية .
رواية الديوان الإسبرطي ، رواية لا تقع في فخ التاريخ وتطوره الزمني وأحداثه ، حيث أثث عبد الوهاب عيساوي روايته داخل الإطار التاريخي 1815 إلى 1833 وفي مدينة المحروسة الجزائر وهو الإطار المكاني ، وأتاح للقارئ أن يقرأ تاريخ حقبة تاريخية ولكن بطريقة سردية ، أتقن لعبتها عبد الوهاب عيساوي ، هذه الرواية تتميز بتقنيات عالية وقدرة على تشكيل الأحداث والشخوص و الأزمنة والأمكنة في بوتقة سردية متقنة ، لأنها ترصد حيوات خمس شخصيات متداخلة في عوالمها وصراعها وتاريخها داخل فضاء سردي متشابك ، يكشف عن قدرة الروائي عيساوي في تناول مجمل القضايا التي أراد طرحها ضمن سياق رؤية أوسع ، تتجاوز الأحداث التاريخية ، وإنما تعمل على بناء خطاب سردي متعدد الأصوات وبأسلوب ولغة انسيابية ومدهشة ، لقد استطاع عبد الوهاب عيساوي أن يكتب مرحلة من تاريخ الجزائر نهاية الفترة العثمانية وبداية احتلال الجزائر من قبل الاستعمار الفرنسي ، وهي مرحلة حرجة ودقيقة ، تحتاج إلى روائي قادر على بناء رواية من دون أن يقع في ملابسات التاريخ وإشكالاته ، ولهذا عند قراءة رواية الديوان الإسبرطي ، ستجد نفسك تواجه عملا سرديا ضخما وممتعا بل ملحمة روائية تعرك التاريخ بالواقع ، تسرد مآلات شخصياته الخمس التي أختارها بعناية فائقة ، فهو لا يعود إلى الماضي لكي يسكن فيه ، ولا يجعل الماضي حاضرا ، وإنما يستنطق التاريخ والماضي و يسائله من أجل معرفة وتجاوز الحاضر وبناء المستقبل .
و من الضروري التأكيد على أن الرواية الجزائرية لها رصيد سردي كبير ، سواء باللغة الفرنسية أو اللغة العربية ، لدينا كتاب كبار فرضوا وجودهم عربيا وعالميا ، منهم كاتب ياسين ومحمد ديب ومالك حداد ورشيد بوجدرة وياسمينة خضرة وبالعربية الطاهروطار عبد الحميد بن هدوقة و واسيني الأعرج وأمين الزاوي والحبيب السايح و مرزاق بقطاش ، وجاء جيل الروائيين الشباب الذين تمكنوا من افتكاك مكانة مرموقة لهم فضاء في الرواية العربية ، أذكر منهم عبد الوهاب عيساوي و بشير مفتي و إسماعيل يبرير وسعيد خطيبي وسمير قسيمي وناصر سالمي وميلود يبرير و عزالدين جلاوجي ، وهذه الأسماء وغيرها هي التي تمثل الجيل الجديد في الرواية العربية بالجزائر ، ولهذا نجد العديد من الروائيين الشباب قد حازوا على جوائز عربية لها مكانتها ، ووصلوا إلى القاتمة الطويلة والقصيرة لجائزة البوكر العالمية والعربية ، وهؤلاء الروائيين الشباب لهم مكانة في السردية الجزائرية والعربية ، وسوف يفوزون في قادم السنوات بالبوكر .
أبارك في الختام للروائي الصديق عبد الوهاب عيساوي ،على تتويجه بجائزة البوكر 2020 ، وهو يستحق هذا التتويج كما ذكرت سابقا ، لأنه روائي في كل عمل سردي نجده يطور أدوات الكتابة والرؤية الإبداعية ووعيه بالتاريخ ، وقد مكنه كل ذلك من الفوز بالجائزة ، و تختار روايته الديوان الإسبرطي أفضل عمل روائي من قبل لجنة تحكيم البوكر ، والأمر ليس هينا فالأعمال الأخرى الروائية ، سواء في القائمة الطويلة أو القصيرة ، أعمال جديرة بالاحترام ولها مكانتها الفنية . و أعتقد أن فوز عبد الوهاب عيساوي هو في حقيقة أمره فوز لكل الروائيين الجزائريين ، وإضافة نوعية للسردية الجزائرية والعربية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى