كتاب وشعراء

تحوّل الشعراء الى روائيين.. لماذا؟: سعد الساعدي يكتب :ديناميكية النمط التجديدي وفشل التلقي

أدّى الانفتاح العالمي المتسارع بداية الألفية الجديدة الى تسارع كمي غزير في النتاج الأدبي، لاسيما الشعري منه على وجه التحديد؛ أكثر تحديداً بعد ظهور الفيسبوك على الشبكة العنكبوتية. هذا التسارع الى أين وصل، وما هي أم مميزاته بشكل موجز؟

أن أهم ما يميز الديناميكية الشعرية لما بعد الحداثة التي نميل أكثر لتسميتها بـ (الحداثة التجديدية )، وما يحتاجه الناقد التجديدي اليوم، هو الوقوف على استكناه دواخل الجمال الفني والأدبي، وتحركات النصّ البنيوية بعمومياتها وجميع مضامينها وبؤرها الفرعية، وصولاً الى المضمون العام التحليلي كظاهرة جديدة راصدة لأهم التطورات في الغرض الشعري. لكن أين تكمن الأغراض الشعرية اليوم، وضمن أية خانة لونية تتربع اذا عرفنا أن حركية النص أخذت صراعاً جدلياً يقف عند متغيرات شتّى؟

سمحت حرية الفوضى الثقافية بعيداً عن رقابة السلطات الديكتاتورية ضمن فراغات شاسعة اليوم بالانطلاق استسهالاً وتقليداً لكتابة الشعر بنمط يكاد يكون متشابهاً في البلدان العربية لاسيما المغرب، تونس، الجزائر مروراً بمصر ولبنان وسوريا وانتهاءً بالعراق الأكثر ضخّاً بعد عام 2003 والى الآن، والأسباب واضحة، أهمها الاختناق الجماعي لكثير من الأدباء بسبب ما كان عليه الوضع قبل ذلك العام، كمن فُتحت شهيته أمام وجبة طعام هي المفضلّة لديه، ومن حقهم بكل تأكيد، لكنَّ افرازات وضوح النضج لم تكتمل وتتضح لدى الكثير من الشعراء والروائيين نتيجة الاشتغال العشوائي، وسرعة الكتابة من أجل تعويض النقص الماضي، وانكسار مقص الرقيب، ولابدّية إخراج كتاب للعلن يحمل اسم صاحبه أسوة بالغير متناسين أن الانتاج الأدبي بهذا الشكل لا يتولّد منه الأبداع أبداً، لاسيما بعض الشباب المتحمسين للنجومية مع كبار غيرهم.

الكثير من هؤلاء الكبار اتخذوا منهجاً آخر يختلف، معتمدين فقط وفقط على غرض واحد من الشعر وهو الغزل، كمن يتأسف على أيام شبابه الضائعة بلا صبابة عشق متصابين أو متخيلين الساحات الأدبية هي مرتع الفن والجمال فيما لو بقوا على هذا الأسلوب الكتابي الذي ساعد في تشظي الكتابة الشعرية الى حدٍّ بعيد وفق قالب لا يتغير (الغزل)، ومن الاسباب الأخرى ربما العقلية الشرقية الفقيرة النازحة صوب المرأة والكبت النفسي والحرمان لشتى الأشياء، حتى بتنا لا نسمع إلاّ من قلة قليلة بعض قصائد الرثاء أو الحماسة، والقصائد التنويرية أيام ثورة الربيع العربي وبعدها. ومنهم من اختار نهجاً فلسفياً تاريخياً تميز به نتيجة غزارة خلفيته الثقافية وتجاربه الحياتية الكثيرة وربما المرارات المتتالية أمثال الشاعر العراقي عبد الجبار الفياض ضمّنه الكثير من أسماء الماضين في عمق التاريخ البعيد من عهد الاغريق والبابليين وغيرهم كأيديولوجيا ميثيولوجية ربما بدلالات فنية كتابية اختارها وسار عليها، لكنه أبدع في الوصف والتشكيل والايحاءات المشيرة مضامينها المضمرة أحياناً الى شيء واقعي نقدي مرمِّزاً تشكيلاته بتلك الكلمات، ونحن لسنا هنا بنقد الشاعر بقدر الاشارة اليه كأنموذج واقعي حيّ مختلف.

يكاد المتلقي اليوم لا يرى غرضاً شعرياً متجدداً غير الغزل أينما ذهب، وأنى حلّت راحلة ذائقته، وربما السبب عدم قدرة بعض التجديديين أو الكثير منهم على كتابة غيره إن صحّت التسمية عليهم بالتجديديين، كون ما يكتبونه خارج الانساق المعهودة من السوريالية وغيرها، غير معروفة المضامين، أو مشتتة المضامين التطويرية والوظيفية المفتقدة للرؤيا الحركية الفاعلة حتى نجد انعدام المقاربة المغذية للروح والعقل.

يتضح ذلك كثيراً عند كثيرين ممن يكتبون بهذا الشكل، وعند اجابتهم عن السبب يقولون: لا نبغي (وجع الرأس فلقد سئمنا السياسة) ظنًّاً أن الحل الناجع هو الابتعاد عن الواقع والعيش في تصوّر جمال المحبوبة والمعشوقة، الحقيقية أو المتخيلة (الانطباق يشمل الشواعر والشعراء) فنتجت كتابات خاوية المعنى، هزيلة التوظيف النوعي، تتعكز على التزويق اللفظي والتلاعب بالألفاظ ديناميكيتها مجهولة الهوية، فكثرت مثلاً الآيروسية البنائية – بما تحمل من وصف –  بوجودية عمياء أكثر مما تكون مرشدة محللة لطبيعة ماهيّة الجمال وأسراره لمجرد انشاء تخييل فوضوي غارق في لا شيء، حتى انعكس ذلك لاحقاً الى الرواية التي انخذلت ببعض من يكتبها رغم صمودها العنيف كجنس أدبي هو الأول الى الآن في عموم الساحة الادبية العامة.

أكثر تلك المشاهدات نراها لدينا نحن العرب، و يجدها المتلقي كل يوم حتى أصابه الملل، وبدأ يتحول الى قراءة الرواية مهما كانت، ليُلطّف روحه بمتعة يحتاجها فعلاً. بينما المراقب للساحة الأدبية العالمية يجد شعراً نوعياً منتقى بديناميكية منفعلة وجودياً بما تنفثه واقعية التجديد بكامل الصور البلاغية التي تفتقر اليها فيما لو قُورنت ببلاغة العربية. حاول بعض الشعراء العرب التجديديين (ما بعد الحداثويين) تقليدهم فوقعوا في فخ التقليد الأعمى، وحين حاول بعضهم النهوض لم يجدوا غير التوجه للفراغ المليء بتيهان لا يُعرف له قرار فتسبب تدريجياً بتخلي القارئ عن متابعة الشعر والتحول الى الرواية وكتب البحوث الجديدة المتنوعة لاسيما ما يهتم منها بالتنمية البشرية ، فن السلوك، العلاقات العامة، الخيال العلمي والفنتازيا، حتى بتنا حين نلتقي في بعض التجمعات الثقافية نسمع من شاعر لشاعر قوله سأتحول لكتابة الروايات والقصص لأنها أكثر شعبية ومطلوبة. وفعلاً اتجه الكثير من الشعراء لكتابة الروايات، صاحبهم الكثير من النقاد الذين هم أكثر من غيرهم من توجه للشعر في ظل الحداثة التجديدية أو زمن (العولمة) وأكثر سبب لذلك هو اثارة الاهتمام بأنًّ الناقد هو ليس بكاتب فاشل، ودرء تلك الشبهة التي اُلصقت بهم جميعاً من بعض الباحثين الأكاديميين، فكتبوا بلغة عالية بعيدة عن الواقع، مع ما تحمله من جمال لم تواكب ذائقة المتلقي الى حدّ بعيد، وثمة من حاول تقليدهم أيضاً فنتجت مرة أخرى حالات فوضوية نكهتها فقط التغزل بالحبيبة وجسد الأنثى!

كل هذه التداعيات تسببت بالتحول مرة جديدة الى المنتج العالمي الكلاسيكي أو المعاصر من غير الشعر والروايات حتى، والبحث عن الجديد المختلف في الفنون والتصانيف الأخرى العلمية والانسانية الثقافية، حتى وصلت مبيعات بعض الكتب الى ملايين النسخ، بينما لم نجد هذا في السوق الثقافي العربي. هذه الحركة التغييرية من أين أتت؟

أبسط دافع لذلك هو انتشار شعر مبتذل مقطوع الجناحين، وكما يصف بعض الباحثين أن القصيدة تطير بجناحين، أحدهما الإيقاع الموسيقي، والثاني ربما الجمال، لكنَّ الشعر الحقيقي هو المعنى؛ فاذا لم يجد المتلقي المعنى المنشود فماذا يصنع؟ سيقرر ويتحول بالتأكيد الى غير ما يراه من شعر اليوم بهذه الكيفية. حسبما اعتقد أن الشعر الغزلي هو جزء واحد من أجزاء كثيرة تغذي العاطفة وتُغْنيها بمتعة التصور والادراك، وليس هو جميع الاجزاء.

هنا الحديث عما يسمى قصيدة النثر التجديدية التي احتلّت بقوة مكانتها على الساحة الأدبية، وليس عن الشعر العمودي الذي هو الآخر بات شائخاً بسب من ينتمي اليه رغم براعته الفنية، لكن الكثير منه أصبح خالياً من مضامين بيانية، يترّنح فقط بموسيقاه والقافية والوزن.

إن القصيدة الحداثوية التجديدية الحقيقية المنفعلة في خوض الصراعات الكثيرة بانتمائها للبيئة والبشر والمعاناة بما تحمل من مضامين وأفكار هي من تجعل المتلقي يسير معها مغمض العينين يقرأ ويسمع بقلبه وروحه. نجد لذلك مثالاً في أشعار محمد الماغوط، ومحمود درويش رغم انهما لم يعودا اليوم في الزمن التجديدي. ونجد أيضاً محمد شلش الربيعي، جواد الحطاب، وجد الروح، عامر الساعدي، وفاء عبد الرزاق، وغيرهم؛ حتى غزلياتهم تختلف لأنها من واقع حقيقي وليس من خيال محض؛ تصف وتفكك وتحلل، ثم تبني من جديد وفق خطة مدروسة، وليس وفق هوس الشعر كي يقال عن فلان أنه شاعر صدر له العدد كذا من الدواوين، فنجد الكثير ممن يكتبون الشعر اليوم لم ينشروا ديواناً واحداً ربما سوى النشر عبر مواقع التواصل، والصحف المحلية والعالمية، لكن لا يمكن وصفهم بعدم الشعرية لأن الضوء أغفل  بصيصاً منه على منجز شعريّ لهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى