الجمعة , يوليو 3 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / ياسر سليم يكتب :كيف زيّف سحر الصورة الناس ؟

ياسر سليم يكتب :كيف زيّف سحر الصورة الناس ؟

أنا عايزة من ده ياحزنبل، هذه العبارة الشهيرة في أغنية فيلم للممثلة الراحلة سعاد حسني، هي تلخيص لحال معظمنا الذين تأثر بسحر الصورة على الشاشة، فبات يريد ما تطرحه الشاشة الساحرة باعتباره الأمثل والأصح.
بات نموذج العلاقات الإنسانية المطروحة على الشاشة، هي المطلوبة لذاتها، فالفتيات تردن حباً مثلما يرين على الشاشة، والفتيان يريدون فتيات مثل اللاواتي يراهن على الشاشة.
بتنا نحب ونكره ونتفاعل معاً بالطريقة عينها المطروحة على الشاشة، فصارت الانفعالات باهتة، أشبه بأداء ممثلين فاشلين، لا سيما وأن معظم الممثلين فاشلون في الحقيقة في نقل الانفعالات والتعبير عنها، حتى المجيدون منهم، يمثلون أنفسهم وانفعالاتهم هم، التي لا تلزم بالضرورة غيرهم، بل ربما لا تكون انفعالات صحية، وغالبا ما يجري تقديمها بطريقة مسرحية، مفتعلة، مبالغ فيها.
المفترض أن الصورة انعكاس للأصل، لكن سحر السينما والدراما، أخلاها من صدقها وحقيقتها، وقدّم عناصر الإثارة والجاذبية على عناصر الواقعية والطبيعية، فعرض ما يريد الناس ان يروه من نماذج، لذلك تجد الأفلام التسجيلية، التي هي نقل واقعي للحياة الحقيقية، دون تزييف ولا تجميل، هي الأقل شهرة وانتشارا من مثيلاتها السينمائية.
ومع التقدم، بات كل انفعال استئنائي وغريب الأطوار، هو الأمثل، فأصبح الممثل الأكثر إغراقاً في عاطفيته تجاه فتاته، هو الأشد تأثيراً.
وصرنا نمجد نماذج شاذة، كالحبيب المتذلل المتصاغر، أو الحبيبة المتنازلة المتساهلة، أو الطيب ببلاهة، أو الشرير بوقاحة.
قديما قيل أعذب الشعر أكذبه، واليوم يمكن أن يقال أن أعذب الأداء أكذبه، غير أن القدماء لم يجعلوا كلمات الشعر الكاذبة هي النموذج المثالي للتعبير عن الانفعالات، أما اليوم فبتنا نقلد في انفعالاتنا تجاه بعضنا البعض، الممثلين الكاذبين، في انفعالاتهم المفتعلة على الشاشات.
النموذج الأبرز لتداعيات هذه الكارثة هو تزييف معنى الحب، الذي اختزل أمره كله في الحب بين فتى وفتاة، وأمست النماذج المقدمة، تقول للناس أن المعروض على الشاشة هي الطريقة المثلى له، بكل مبالغات الأداء وأكاذيبه، فأضحت الفتيات ترى أن من يقدم لها غير ذلك، لا يحبها في الحقيقة، مهما تفانى وأعطى ومنح وصان، لكنه في النهاية لم يغمض عينيه مثل حبيب السينما، ولم يتأوه مثله، ولم يتكسر تكسره.
لذلك أرى ان فشل كثير من حالات الارتباط الفعلي بعد مرحلة الحب السينمائي، تنتهي بالفشل، إذ يصطدم كلاهما واقعياً بصورة مغايرة لما رآه وتخيله وتوقعه من الطرف الآخر، حينما تلقي حقائق الحياة بنفسها عليهما.
كانت النساء قديمأ ترى في المتقدم لها للزواج محباً، فهو وإن لم يرها فقد أحب سمعتها، أو أحب أهلها، وبعدما يمضيان في الخطبة ويلتقيان ثم يقرران إتمام الارتباط، فإن ذلك هو اكتمال الحب، حب الذات للذات الأخرى، بعدما كان حباً للسمعة والأهل.
وحينما تتبدى وقائع الحياة، وبينما تراه ذاهلاً عنها ومنشغلاً بتوفير الاستقرار والسعادة للأسرة، فهي ترى أن ذلك حب لها ولأهلها الجدد ـ أبنائها ـ هذه المرة، دون أن تقارن كما يحدث اليوم بينه وبين أداء فلان ولا تنغصه بالقول حينما يجلسان أمام الشاشة فيمر مشهد عاطفي مفتعل “شايف الرجالة بتقول ايه” فيقول لها بنصف عين : وانت مش شايفة الستات اللي معاه اللي خلته يقول كده، وغالباً ما تنتهي هدنة القعدة الهادئة بعاصفة ربما تنتهي بالطلاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: