الخميس , يوليو 9 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / قراءة في رواية ليلة سقوط صدام لرياض القاضي

قراءة في رواية ليلة سقوط صدام لرياض القاضي

زياد الأحمد

روايةُ ليلة سقوط صدام روايةٌ تتخذ من حياة الرئيس العراقي صدام حسين موضوعاً لها؛ منذ سعيه إلى استلام السلطة من سابقه أحمد حسن البكر، وحتى الليلة الأخيرة التي ألقي فيها القبض عليه من قبل القوات الأمريكية الغازية للعراق، ثم إعدامه صباح أول أيام عيد الأضحى عام 2006، فالرواية تؤرخ لحقبة حقيقيّة من تاريخ العراق الحديث. والسؤال: إلى أيّ مدى تكْمنُ الحقيقة التاريخيّة في هذا العمل، وما نسبة التخييل الروائي فيه؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال لابد من توضيح الفرق بين الرواية التاريخيّة ورواية التخييل التاريخيّ، فالأولى تعتمد التاريخ مرجعيّةً لها، ويمكن عَدّها وثيقةً للمرحلة التي تتناولها، مع وجود إطار سرديّ متخيل أحيانا لغرض التشويق، والحبكة السرديّة، لكنه لا يقلّلُ من قيمة الوثيقة التاريخية، أما رواية التخييل التاريخي كما يحدّدها الناقد العراقي عبد الله إبراهيم في كتابه التخييل التاريخيّ بأنها: نمطٌ سرديٌّ جديد؛ يتعذّر الفصلُ فيه بين المادة السرديّة والمادة التاريخيّة، فهو ذو هُويّة مغايرة للاثنين، كما أنه متصلٌ بهما؛ ومنفصلٌ عنهما في الوقت ذاتِه، ويرى أنه في هذا النوع الجديد تكون “المادّة التاريخيّة المتشكّلة بواسطة السرد، قد انقطعت عن وظيفتها التوثيقيّة، والوصفيّة، وأصبحت تؤدّي وظيفةً جماليّة ورمزيّة؛ فالتخيّل التاريخيّ، لا يُحيل على حقائق الماضي، ولا يقرّرها ولا يروّج لها، إنّما يستوحيها بوصفها ركائز مفسّرة لأحداثه ومؤوّلة لها.

الوثائقيّة في ليلة سقوط صدام:

من البداية تكشف لنا العتبات النصيّة للرواية أن كاتبها يسعى لتوثيق مرحلة تاريخية حقيقيّة، فبدءاً من العنوان الرئيس نقرأ اسم صدام حسين الرئيس العراقي السابق، ويؤكد حقيقة هذه الشخصية أسماءٌ كثيرة من عائلته وعشيرته وبِطانته، وهي أسماء معروفة في تاريخ العراق. ثم يأتي العنوان الفرعي ليؤكّد اعتماد الرواية على وثائقَ أمنيّة إذ يقول: من ملفات الأمن العام العراقي. وفي التمهيد الذي قدّم به الكاتب لروايته يصرح بتاريخيّتها في قوله: “قررتُ أن أبحثَ عمّا كان مخفيًّا عن الناس من حقائقَ عن أيّام هذا الرئيس، وذلك بالبحث في ملفات “جهاز الأمن العراقي” بمساعدة عددٍ من المصادر في جهاز الأمن العامّ السابق؛ من ضباط ومنتسبين مِمّن كانوا مسؤولين عن إدارة وتجنيد أشخاص، اندسّوا بصفة جواسيس داخل الأحزاب التي كانت توجد في إيران، ومن ثَمَّ اختلطوا بشكل مباشر مع مَن كانوا يُسمّون “المعارضة” وصاروا يحكمون العراق الآن”.

إضافة إلى الإهداء في الرواية الذي جاء خاصاً بمقدّم ورائد من ضباط جهاز الأمن العراقي لتعاونهما مع الكاتب.

ومن تصريح الروائي في قوله: (قررتُ أن أبحثَ عمّا كان مخفيًّا عن الناس من حقائقَ عن أيّام هذا الرئيس)؛ نتذكر ما جاء به أصحاب النظرية التاريخيّة في الرواية وعلى رأسهم جورج لوكاتش وخلاصته أن الرواية تكتب المسكوت عنه من التاريخ الرسمي أو ما يسقط منه، وهذا ما سعى إليه الكاتب على امتداد روايته.

بؤرة الرؤية السرديّة في الرواية:

تنصب الرؤى السرديّة أجمعُها في هذا العمل على بؤرة واحدة، تجيب عن سؤال واحد هو: كيف تحول العراق من دولة كانت على مشارف التحليق عن عالم الدول النامية والمتخلفة إلى دولة محتلة تتناهبها العصابات الإرهابية والطائفية، ويرزح مواطنوها تحت وطأة الحرب وتداعياتها من السلب والنهب والفقر والخراب والدمار، والموت الذي يتربص بهم كلّ لحظة؟

وتطرح الرواية أهم أسباب ذلك في النقاط التالية:

  • دكتاتورية القائد: وهو صدام حسين؛ حيث تقدم لنا حياته بدءاً من تقرّبه من أحمد حسن البكر، الذي كانت حقبته من الحقب المشرقة في تاريخ العراق وكاد أن يخرج به من مرتبة الدول النامية، إلى المتقدمة، ولكن مع وصول صدام ألغيت المؤسسات المدنية، لتتمثل في حكم فردي دكتاتوري مطلق؛ تصفه الرواية بقولها: “بظهوره بدأت التشكيلات الرسمية، والمدنية بالانهيار تدريجياً حتى انحسرت إلى حالة مزرية، ولم يبق معزَّزاً منها سوى أجهزة المخابرات المدنية، والعسكرية كأدوات لحماية نهجه الديكتاتوري”.

وتسهب الرواية في القرارات الخاطئة التي تصدر عن دكتاتورية القائد المتورم بنرجسيته، وغروره الشخصي، وأهمها الحرب العراقية الإيرانية التي دمرت البلاد دون مقابل، ثم غزوه للكويت الذي دمّر ما تبقى من العراق، وكان مدخلاً للوجود الأمريكي في المنطقة، والذي انتهى باحتلال العراق، وإعدام صدام نفسه، ومن ثمّ ضياع البلاد على أيدي حكومات طائفية استبدادية، أو لصوص ومرتزقة، جعلت الناس تترحم على أيام دكتاتورية صدام حسين.

  • البطانة الفاسدة التي اتخذها صدام من حوله معتمداً على عشيرته والمقربين منه، ولو كانوا أميين بعيداً عن أهل الكفاءات، والمقدرات العلمية، والإدارية، والسياسية؛ مما أدى إلى تشكيل عصابات تحكم بهواها، تقتل وتخطف، وتغتصب ما تشاء باسم الأب القائد، ومنها عصابة حسين كامل، ومدير مكتبه إبراهيم العواجي، وابن عمه علي حسن المجيد، وكذلك ولدا الرئيس عدي وقصي والجرائم التي ارتكباها بحق الشعب العراقي.
  • اعتماد النظام الجديد على القبضة الأمنية (المخابرات) التي خنقت البلاد والعباد، وكان همّها الدؤوب في الداخل والخارج قتل أي صوت معارض للنظام.
  • عمالة النظام السوري منذ أيام حافظ الأسد وتواطئه مع إيران ضد العراق والعروبة، منذ الحرب العراقية الإيرانية، وفي هذه النقطة استقراء مبكر للرواية لتبعية النظام السوري لإيران التي ظهرت نواياها بعد سقوط العراق، وثورات الربيع العربي، وخاصة ما ترتكبه عصاباتها اليوم بحق الشعب السوري مناصرة لنظام الأسد الإجرامي.

الروائي والراوي:

لم يخف الروائي بأنه هو الراوي، والعالم بأحداث الرواية كلّها، فلم يسع للاختباء وراء شخصيّة محددة، ويظهر ذلك منذ تمهيده لعمله، وحتى موقفه من كل ما حدث في الصفحة الأخيرة حين يقرّر (ومازال القتل جارياً)

ورغم محاولة الكاتب الوقوف على الحياد، ونقل الحدث بموضوعيّة؛ إلا أن غَيرته على وطنه الذي جرفه صدام من هاوية إلى أخرى أظهرته في صف المعارض لصدام حسين وحكمه، وخاصة حين يتحدث عن الأيام المشرقة من حكم حسن البكر، ورغم هذا نراه يتغلغل في الأعماق النفسية لصدام حسين؛ ليبرر له بأنه مصاب بداء الأنا فهو -أي صدام- لا يرى شخصاً جديراً بحكم العراق أكثر منه، بل ولا بديل له، ولهذا ابتعد حكمه عن المؤسساتيّة، ليكون نظاماً شمولياً مطلقاً، وإذا ما أبدى أحدهم رأياً كان جوابه (هل أنت تعرف أكثر مني؟)

ومن هذا الغوص في أعماق العقل الباطن لصدام حسين نقرأ ما جاء على لسانه في إحدى هلوساته:

“كلّ هذا القلق هو وسواسٌ من الشيطان، أنا أوّل من كتب القرآن بدمه، أنا عبد الله المؤمن، أنا من الأشراف، نعم أنا منهم فـ”علي بن أبي طالب جدّي”، واختارني الله لكي أغيّر واقع العرب، وأنا لها، الشعب العربي يحبُني لأنني قائد مسيرة النصر والسلام، ولأنني قائدٌ عظيم، فإني سأحرر فلسطين، ولن أتنازل، ولن أستسلم، أنا “صدام حسين الناصري”. ص190

أخيراً:

رواية “ليلة القبض على صدام حسين” رواية جريئة في تناولها موضوعا إشكالياً من تاريخ العراق، وجاءت إشكاليتُه من اختلاف الشارع العربي وإلى اليوم في شخصية صدام حسين ما بين مؤيد له يراه أسد العرب؛ وبين من يراه سبباً في دمار العراق أحد الركائز الأساسية لقوة الأمة العربية، لكن الرواية جاءت أقرب إلى الموضوعيّة باعتمادها وثائق مُسربة من ملفات أجهزة الأمن العراقي، كما أنها ابتعدت عن السطحيّة، وما طاف على السطح من أحداث العراق؛ لتتغلغل وراء الحدث، وصوره التي تتناقلها وسائل الإعلام الموجه، ومن ذلك مشهد إعدام صدام، والتنبيه إلى الهتافات الطائفية التي رافقته، كما أنها كانت تبحث فيما وراء الحدث، وترصد  تداعياته على الساحة العراقية؛ كغزو الكويت، وما يؤكد صدق تلك الرؤى التي تطرحها الرواية هو حالة العراق اليوم، وما آل إليه من دمار نتيجة تلك المرحلة من الحكم الدكتاتوري، والنظام الشمولي الجائر.

كما أنها ورغم طغيان الحدث السياسي المعروف لدى القارئ على الرواية، فإنّ الروائي تمكن ببراعة فائقة من نظمها بحبكة سردية شائقة، تمسك بعينيّ القارئ، وخاصة حين توغل في التفاصيل المسكوت عنها، وكأنها تقدم له حدثاً جديداً يسمعه لأول مرة.

*****

  • رياض القاضي: كاتب وصحفي عراقي، ولد في بغداد عام ١٩٧٤، ترك العراق عام 1999 لأسباب سياسية ولجأ الى بريطانيا، بعد أن حكم بالإعدام.

شارك في مسرحيات عديدة في أواخر الثمانينيات، وكتب قصصاً قصيرة للأطفال. عمل في الإعلام والتوجيه السياسي ومجلة الأمن القومي ١٩٩٤.

عمل صحفيا في جريدة البرقية التونسية، والمراسل المعتمد من لندن.

له أكثر من 2٤ إصداراً في الشعر والرواية والخاطرة. أهمها: في الشعر: الرماد والحريق، بغداد، كهرمانة والغزاة، رسالة لرجل في الأربعين. وفي الرواية أحدب بغداد -مرشحة لجائزة البوكر، مولانا السيد مرشحة لجائزة نجيب محفوظ، وبيت القاضي وبيارق على رقعة الشطرنج.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: