الجمعة , يوليو 3 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / د. نيفين عبد الجواد تكتب :العدوى المحمودة 

د. نيفين عبد الجواد تكتب :العدوى المحمودة 

إن شهر الصيام الذي يُفرَض في نهاره الامتناع عن الطعام والشراب، والذي يُحبَّذ في ليله التهجد والقيام، هو توقيت مناسب لانتقال العدوى المحمودة، ألا وهي عدوى العمل الصالح وفعل الخيرات.

فمن يُقبِل على الصيام بفهمٍ لأحكامه ووعي بحكمته، يدرِك أن الامتناع عن الطعام والشراب خلال فترة من المفترض أن يغلب عليها سمة السعي والعمل والإنتاج، لا يمكن أن يُمضي نهار الصيام في نوم وكسل وتثاؤب، أما من فرض على نفسه الصيام كي لا يشذ عن قافلة الصائمين فسيجتهد في إضاعة وقت الصيام كي يتخلص من ذلك العبء الذي لا يزيحه عن كاهله إلا مدفع الإفطار، والذي معه يصمت ضجيج أحشائه المتضررة جوعًا والتي تصرخ بداخله في صمت فلا يسمعها سواه ولا يشعر بإلحاحها عليه غيره.

ومتى أدرك الصائم الحكمة من الصيام أقبل عليه للانتفاع منه، وذاك هو شأن كل عاقل يسعى إلى الحكمة ويطلب المنفعة، ولكن العقل وطلب الحكمة وحدهما غير كافيين للالتزام بالصيام بحب. فكيف يمكن أن يلتزم الصائم بالصيام بعد أن يدرك الحكمة منه؟

إن الصيام لا شك فيه حرمان، والحرمان يسبب قطعًا الألم النفسي، ولا يساعد على التخلص من ذلك الشعور بالألم إلا امتلاء النفس بشعور الرضا عن ذلك الحرمان وعدم الضجر من حدوثه، وهذا لا يتحقق نفسيًا إلا إذا كان هناك عوضًا مُرضيًا عن حرمان النفس وألمها يمنحها القدرة على التصبر عليه. لذلك كانت مثوبة الصيام هي من أهم الدوافع التي تدفع إلى الالتزام به سرًا وجهرًا، ولذلك كان جزاء الصيام لا يعلمه إلا الخالق الذي فرضه على عباده المؤمنين به والذي يُرجَى منه تحقق التقوى.

ولأن الصيام عبادة للخالق أي أنها تكليف فيه الكثير من المشقة لفترة طويلة، فإنه بالضرورة يشتمل على فترات متقطعة من السرية التي يخلو فيها العبد بنفسه، فإن كان موقنًا أن الله معه ويراه، فسيستحي أن يفسد صيامه حتى ولو لم يره أحد من الناس، أما إن كان غير عابئ برضا خالقه وغير مكترثٍ بمراقبته له، فسيختلس الأوقات التي تمكنه من التهرب من عبء الصيام وإلقائه بعيدًا عن كاهله ولو لبضع دقائق سواء علنًا أو سرًا.

لذلك كل صائم هو مَن يصنع مِن الصوم سجنًا له، وهو أيضًا من يغزل منه ثوب راحته. فإن كان صومه عملًا لا يقوم به عن طيب خاطر بل تم فرضه عليه قهرًا، فلن يجد فيه أية متعة، أما إن كان طاعة لخالقه الذي يحب طاعته ويسعى إلى مرضاته فسيقوم به بحب وإخلاص وصدق، ومن ثم سيكتشف خلال فترة صيامه كل ما يعينه على بذل الجهد، وسيبتعد طواعية عن كل ما يُفسد صالح أعماله.

وأولئك المقبلون على الصوم بحب وعن فهم ووعي هم من سيكون لهم شهر رمضان هو شهر الرحمات، التي لا تتنزل إلا على المخلصين المتقنين من الأتقياء، فتكون الرحمة مصاحبة لهم، والمودة مرافقة لخطواتهم، وفعل الخير هو أهم سمة في حياتهم. ويكون ما التزموا به من عبادات طوال شهر كامل قد أصبح من العادات التي لا ينقطعون عنها طوال العام، فلا يتفوهون إلا بما هو خير، ولا يبذلون إلا كل خير ، ولا تمشي أقدامهم إلا سعيًا في الخير، فيكون إمساكهم ليس فقط عن الطعام والشراب بل عن كل شر.

وما أن يُلزموا أنفسهم بالتقوى على مدار العام حتى يكون هذا الالتزام هو خير عدوى يمكن أن يقوموا بنقلها عن طيب خاطر ودون أدنى إحساس بالذنب إلى كل من حولهم، لأنه كان التزامًا حقيقيًا واعيًا وليس انقيادًا تقليديًا لا روح فيه ولا يحمل في طياته أي معنى. وهذا هو شأن كل التزام غير قائم على القهر والقسر، وذاك ما يجب أن تعيه كل سلطة تسعى لفرض الالتزام بالقوانين والقرارات دون أن تحرص على إعداد من يرغبون في التزامهم بها كي يكونوا على وعي بأهميتها وإدراكٍ لمنافعها، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا سبق الأمر بالإلزام توعية حرة أمينة بسر الالتزام، وإذا كانت هناك شفافية تمنح القدر الكافي من المصداقية والثقة، فيكون الأهم هو الفاعل الذي يُراد له الخير فيتحقق بنفسه من ذلك، وليس الفعل الذي يوحي ظاهريًا بالالتزام ونجاح الأمر بالإلزام ولكنه خالٍ من عدوى الالتزام الحقيقي المبني على الفهم والإدراك لمعنى المنفعة الجماعية والمصلحة المجتمعية اللتين تعبران بصدق عن حب الأوطان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: