الخميس , يوليو 2 2020
الرئيسية / ثقافة وفنون / “ناي من ورق” كتابٌ جديدٌ يعزفُ على فنّ منسيّ قديم

“ناي من ورق” كتابٌ جديدٌ يعزفُ على فنّ منسيّ قديم

زياد الأحمد

ناي من ورق كتاب جديد يفاجئنا بفن قديم كان له شان عظيم ودور كبير في إغناء المكتبة العربية بأمهات الكتب التي أصبحت مصادر في الأدب والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع وغيرها، فقد حمل الكتاب عنوان “ناي من ورق” وأُتبِع بتأطيره بعنوان فرعي (رسائل)، فما الذي أراده كاتبه أنس عبد الولي من العودة إلى هذا الفن الذي يكاد الغرض الذي عرف به أن ينسى؟

المعروف أنّ فن الرسائل واحد من الفنون الأدبية النثرية، التي كان لها وجودها البارز في تراثنا العربي جنباً إلى جنب مع الخطابة، والمقامة، والمناظرات، والسير والحكايات … وقد تعددت أنواع الرسائل بتعدد أغراضها فصنفت في تراثنا بالديوانيّة والإخوانيّة والأدبية.

ويمكننا تصنيفها اليوم بالرسمية والذاتية والأدبية. فالرسمية: هي تلك التي تتبادلها المؤسسات، والهيئات فيما بينها، أو مع الأفراد الذين يتعاملون معها، وأمّا الذاتية فهي التي يتبادلها الأشخاص لأغراض وجدانية أو حاجات شخصية. وقد اقتصرت اليوم تقريباً على وسائل التواصل الاجتماعي

ولعل النوع الأهم الذي اشتهر في تاريخنا الأدبيّ هو ما عرف بالرسائل الأدبية: وهي التي يرسلها أديب إلى آخر محاورة له، أو شهادة في مسألة ما.

ومنه ما خرج إلى باب التأليف وحينها تصبح تسميتها بالرسائل وسيلةً لنشرها لا أكثر، وقد عرفت بعدة أسماء منها: التوقيعات والترسّل أو المكاتبات.

ومن الرسائل الأدبية الهامة (رسالة التربيع والتدوير) للجاحظ التي يسخر فيها من أحد معاصريه؛ مستهزئاً بشكله المربع والمدور في آن معاً، وهي لا تبتعد كثيراً عن (رسالة الغفران) التي سَخِر فيها من ابن القارح. ومنها أيضاً (رسالة الزوابع والتوابع) لابن شُهيد، و(طوق الحمامة) لابن حزم الظاهريّ، ورسائل ابن زيدون القرشي لولادة بنت المستكفي.

وفي التصوف نقرأ (الرسالة القشيرية) التي صنفها في التصوف الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الشافعي.
وبعض المتصوفة نشروا رسائلهم تحت مسمى مكاتبات مثل: (مكاتبات الإمام الحداد)، و(مكاتبات عبد الله وطاهر حسين بن طاهر)، و(مكاتبات الحبيب علي بن محمد بن حسين الحبشي).

وأما ما كان أقرب الى غرض الرسائل الأساسيّ في عصرنا الحديث فنجده فيما دار بين غادة السمان وغسان كنفاني. والتي جمعتها غادة ونشرتها في عام 1993.

وكذلك كان للأديبة ميّ زيّادة رسائل أدبية موجهة لعدة أطراف منها القريب كالعقاد وأحمد لطفي السيد، ومنها البعيد كجبران خليل جبران؛ حيث تبادلا الرسائل لأكثر من عشرين عاماً دون أن يتقابلا فكانت مي التي أحبت جبران وأحبها على البعد تقول: (ذاك هو مصيبتي)، وفي كتاب (رسائل جبران التائهة) التي جمعها رياض حنين عام 1983 في بيروت قرابة مئتي رسالة بين جبران وآخرين وأخريات؛ منها 19 رسالة لم تنشر قبل ولادة الكتاب. تبادلها جبران مع شخصيات أدبية وسياسية.

ومن رسائل الأدب الثوري نجد ما كان يدور بين سميح القاسم ومحمود درويش حيث كتبا عن الحب، والمنفى والغربة والوطن السليب.

والسؤال أين يكمن تصنيف “ناي من ورق” الموسوم بكلمة رسائل من هذه الأنواع الذي ذكرناها؟

هذا الكتاب هو رسائل وجدانية تجمع ما بين الأدبية والذاتية، أي تحاول إحياء الفن الذي كاد ينقرض أمام مد وسائل التواصل الاجتماعي التي أدت إلى تغيير شكلي ومضموني فيه، ومن ثمّ فأول مزية له هي أنه ينفخ من روح كاتبه في رماد فن الرسائل لتأتلق من جديد.

ويبدو للوهلة الأولى أن هذه الرسائل مغرقة في الذاتيّة، والخصوصية التي لا تعني إلا المرسِل والمُرسَل إليه، وهما حبيبان لهما قصتهما الخاصة، ولكن ما إن نتغلغل في عبق بوح تلك الذاتية حتى تحلّق بنا نحو سماوات إنسانية يتوحد فيها البشر جميعاً، فهي تنطلق من الذاتي لتلامس المشترك الإنساني في الحب والالم والسعادة والشقاء، وانتهاءً برغبة الوجود وقلق الفناء.

وأول ما يلمح في اسلوبيّة تلك الرسائل تداخل أكثر من فنٍّ أدبيّ في صياغتها، فنلمح من الشعر لغته ومن القصة السرد والحوار والحبكة الشائقة، والسبب في ذلك أنّ المخاض الذي انبثقت منه هذه الرسائل هو الحب الذي عصف بذات كاتبها، فتناثرت لواعجه على الورق رسائلَ حتى كادت تحوّم في ملكوت قصيدة النثر أحيانا ملامسة شغاف الشعر كما يصرح في بداياتها بقوله:

رسائلي إليك هي جنوح شوق في فؤادي المعذب”.

ولعل أسمى أنواع الحب ذاك الذي يستعصي على التفسير والتأويل، ولذّتُه تكمنُ في ألمه، كما يقول بدوي الجبل:

ما فارقَ الريُّ قلباً أنت جذوته      ولا النعيمُ محباً أنتِ بلواهُ

غمرتِ قلبي بأسرارٍ مُعطّرةٍ        والحبُّ أملكُه للروح أخفاهُ

ويقترب الكاتب في إحدى رسائله من هذه المعاني في قوله:

“كيف يمكن أن أشرح لأحد معنى أن يقع في حبّ قطعةٍ موسيقية لم تعزف بعدُ .. في حبّ وردة خلف سياج بارد .. في حب الزغب اللطيف على وجنة القمر .. أن يقع في حبّ نتفة ثلج تائهة اختارت راحةَ كفّه لتذوب عليه .. كيف أشرح لأحد معنى أن أقع في حبكِ أنتِ ..

فالكاتب ينطلق من نفس تسكب الحب على كلّ ما حوله ليُكسبه جمالَه ووجودَه الذي سيغيب بغياب ذاك الحب، هي نفس تواقة إلى السمو نحو حبّ مطلق متعالٍ على العذاب والشكوى، نفس تتوق الى الحب توق الفراش إلى اللهب تذكرنا بقول البدوي مرة أخرى:

سما بحسنك عن شكواهُ تكرمةً  وراح يسمو عن الدنيا بشكواه

يريدُ بِدعاً من الأحزان مؤتلقاً   ومن شقاء الهوى يختار أقساه

فهذا السموّ الروحي فرض على الرسائل لغتها الشعرية التي تناغش الروح وتبتعد عن المباشرة والخطابية التي يتسمّ بها فنّ الرسائل.

وأما العناصر القصصية كالسرد والوصف، والحوار فقد فرضتها حكاية الحب التي أنجبت تلك الرسائل، والتي جاءت منظومةً بحبل سردي شائقٍ يمسك بعيني القارئ من أول الكتاب حتى نهايته.

ويتخلل تلك الرسائل عمق رؤيوي جاء خلاصة لتجربة الحب تلك، فترى نقداً وتمرّداً على العادات والأعراف التي تؤطر العلاقات والقيم الإنسانيّة، بل وتدفنها في مغاورها القديمة تحت ظلمة طحالبها العفنة كقولة في إحدى الرسائل:

“ولكي لا يلاحقنا عار القبيلة فإننا نفضل شنق العصافير المغردة خارج أسوار معتقداتنا حتى لو كان على حساب تحطيم قلوب أبنائنا وتمزيق أرواحهم .. يا للظلم !

وإضافة إلى نقد المجتمع نقرأ رؤى وجودية تتمثل في صراع الإنسان بينه وبين مشاعره وهيمنة تلك المشاعر على الوجود الإنساني كقوله:

إن داخل كل منا تسكن خيبة ما تتغلغل في قلبه تتغذى من روحه؛ حتى يظنّ مع مرور الوقت أنها تلاشت في جبّ الذاكرة؛ إلا أنها لا تزال تسري في دمه حتى تسيطر عليه بالكامل، إنك لا تَريْنَ أناساً في الطرقات، أنت ترين خيبات تمشي أمامك يا خيبتي الأخيرة.

خلاصة القول تلك الرسائل تثبت لنا من جديد أن الفنون لا تموت، فلكلّ فنّ خصوصيتُه التي تمدّه باستمراريته حين يتهيّأ له قلم مبدع حقيقيّ، وهذا ما أثبته أنس عبد الولي في رسائله التي أعادت لنا هذا الفن طليّاً مُؤتلقاً بما سكبه عليه من ماء روحه الشاعرة، وحكايته الإنسانيّة المؤلمة، ولا شك أن القارئ   سيجد فيها شيئاً من ظلال ذاته وبوحاً طالما تردد في جنبات صدره دون أن يصل إلى شفاهه أو قلمه

***************

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: