الجمعة , يوليو 3 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / د. نيفين عبد الجواد تكتب :الهِمَّة المأمولة 

د. نيفين عبد الجواد تكتب :الهِمَّة المأمولة 

 

عندما نفقد طاقتنا اللازمة للسعي بحماس والعمل بجِدٍّ واجتهاد، وعندما نجد أنفسنا غير قادرين على مواصلة الحياة بحيوية كافية، علينا أن نتوقف قليلًا كي نشحذ طاقتنا من جديد علَّنا نستعيد ابتسامة وجوهنا التي تعبر عن سلامنا الداخلي وعن رضانا عن أنفسنا وتقبلنا لواقعنا. وإذا كانت طاقتنا الإيجابية ذات مصادر متنوعة ومختلفة باختلاف طبيعة كل منا، فإن أحد مصادرها يدق باب بعضنا مرة كل عام كي يمنحنا ما قد نحتاجه من سلام وطمأنينة وهدوء وراحة بال، فهل انتبهنا لمن دق علينا الباب؟ وهل تسابقنا إلى فتح الأبواب؟ أم فضلنا ألا نحسن استقبال أي ضيف قد يكلفنا حُسن استقباله الكثير من المشقة والحرمان؟!

إنه رمضان –شهر الصيام– الذي يدق بابنا مرة كل عام ليحثنا على تقديم الطعام لغيرنا من المحرومين منه طوال العام، والذي يدعونا إلى الصبر ويدربنا على قوة التحمل، فهل وجدنا سعادتنا فيما يدعونا إليه، أم كنا أكثر تمسكًا براحتنا المُتوهَّمة وغفلتنا المُستحكِمَة؟!

لقد تصادف قدوم شهر رمضان هذا العام مع زيارة فيروس كورونا للكرة الأرضية، فحُرِمنا من التجمعات بكل أشكالها، ومن ثم لم يتمكن المصلون من إقامة شعائر سنة صلاة التراويح في المساجد، ولم يتمكن غيرهم من الاحتشاد فى الخيم الرمضانية التي يعوضون فيها ما أصابهم من الحرمان طوال نهار الصيام بالانغماس في كل المتعٍ التي تمثل للكثيرين منهم شغفهم الحقيقي بخلاف الصيام الذي يعتبرونه عبئًا يسعون إلى التخلص منه كلما أمكنهم ذلك.

وإذا كان كل عمل مخلص يحتاج إلى همة حقيقية، فعلى كل منا أن يستكشف حال همته في كل عمل يقوم به، وأن يتحرى أسباب إقباله وحماسه أو إعراضه وسأمه؛ وذلك إن أراد أن يكون صادقًا وأن يكون عمله مثمرًا. والهمم العظيمة المنطلقة من داخل النفس البشرية تحتاج بين وقتٍ وآخر أن تتلمس شعاعًا من نور يعيد لها ما قد فقدته من حماس إذا ما أصابها الخمول والفتور بسبب ما تعرضت له من محن على مدار العام. فالنفس لا يمكنها أن تبصر النور في ظلمتها إلا إذا انتهز صاحبها الفرصة التي تمنحه بعض الهدنة للتأمل والتدبر.

وهذا العام كانت لدينا فرصتان وليست فرصة واحدة كي نتأمل بهدوء ونفكر بإمعان. إنه “كورونا”  الذي حجبنا عن التجمعات الصاخبة فانتشلنا من وحول شهواتنا بالقوة، وفي نفس الوقت كان سببًا في أن يعرف المتعبدون قيمة الصلاة الجماعية وما كانت تمنحه لهم من شعور إيماني جماعي يضفي عليهم معنى الانسجام والاتحاد واللُحمة الواحدة، والذي كانوا لا يجدونه غالبًا إلا في صلاة الجماعة ثم يفتقدونه سريعًا فور الانتهاء منها.

لقد ساهمت وسائل الإعلام في نشر الوعي بفيروس كورونا داعية الجميع إلى التباعد الاجتماعي الذي اكتملت ملامحه في مجتمعات كانت اصلًا لا تعرف غير المعنى العميق للتباعد الاجتماعي والأسري بعدما ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي العنكبوتية على انفراد كل شخص بهاتفه الشخصي كي يرافقه في حياته كلها منذ استيقاظه وحتى نومه إلى أن تحين لحظة وفاته، مكتفيًا بما يكتبه أو يسجله، ليكون ما يرسله ويستقبله كافيًا عن أي تواصل اجتماعي حقيقي.

لقد اشتاق الآن الجميع إلى التلاحم الاجتماعي الحقيقي، وازداد الحنين إلى الصلوات الجماعية والدعاء الجماعي والهدف الجماعي والأمل الجماعي والحُلم الجماعي والحياة الجماعية الحقيقية الخالية من الخوف والترقب والتوجس والمليئة بالحنان والحماس والتعاون والحب.

إن كثيرًا من الشعوب التي تسارع الآن بكل همة إلى وضع الكمامات على وجوهها ما زالت في حاجة إلى عدم تكميم أفواهها، وما زالت في حاجة إلى استنهاض روح الحياة فيها، وإلى بعث روح الأمل بداخلها، وإلى استحضار روح الهمة في كل أعمالها، وإلى السعي إلى إقامة العدل في أوطانها، وإلى القضاء على الفساد والرشوة والمحسوبية والواسطة وعدم اتقان العمل، وإلى التخلص من الخوف الذي يمنع صاحبه من نصرة المظلوم ومن النطق بكلمة الحق ومن مخالفة السائد مهما كان سيئًا ومُهينًا. فهل نأمل بعد انتهاء زيارة رمضان لنا هذا العام وبعد انحسار الخطر الذي يسببه فيروس “كورونا” للإنسان، أن تكون لدى بعض الشعوب يومًا ما همة قوية تنقذهم من غفلتهم وتنتشلهم من رقدتهم؛ كي تكون لهم حياة حقيقية ذات معنى تستحق منهم أن يحافظوا عليها وأن يضحوا من أجلها؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: