الإثنين , يوليو 13 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / هايل المذابي يكتب :قسوة التفكير ومشقته

هايل المذابي يكتب :قسوة التفكير ومشقته

إن قسوة التفكير ومشقته التي عانت منها الذهنية البشرية، منذ بدء الخليقة، وحتى هذه اللحظة قد فرضت على الإنسان الاتباع والتقليد للحيوانات في كل شيء، لقد ولد ليحب الراحة ويعيش في السكون.
إن التفكير في أسوأ حالاته ليس سوى تعبير عن القدرة على إقامة العلاقة بين المدركات أو أنها عملية إدراك للمختلف والمتشابه، وتعتبر هذه المرحلة هي مرحلة السكون تليها مرحلة أخرى هي مرحلة الحركة أو “المعرفة” وهي بطبيعتها تتخذ مسارين الأول هو تقليد تلك الحركة أي تقليد ما يدركه الإنسان من متشابهات ومختلفات، والثانية هي إنتاج معرفة أي خلقها. الأولى تفترض الاتباع، والثانية تفترض الإبداع. الأولى تقتضي حب الراحة الذهنية وتوهم بلوغ المعرفة الكاملة، والثانية تفترض الإنتقال إلى حالة عظمى من الراحة لكنها لن تبلغها إلا عبر قناة من المشقة والجهد.
حين أدرك الإنسان شيئا من المعرفة في سلوك الحيوانات التي رافقت مسيرته من النشأة الأولى إذ لم يجد بُداً من اتباعها وتقليدها لينتقل من حالة السكون إلى حالة أخرى هي مزيج بين المعرفة والسكون، وقد ظلت الأجيال تتوارث هذه الحالة من المعرفة والسكون بل إن ما تعيشه البشرية اليوم ليس سوى تعبير عن هذا السكون المعرفي.
لقد فشل الإنسان منذ البدء في تصميم عالمه وكما فشل لاحقا في إعادة الصياغة لدنياه، فقامت الحيوانات، من خلال عملية التقليد، بتصميم عالمه ودنياه التي يحيا فيها وفقا لسلوكها ودوافع أفعالها.
لقد أرهقتني الفكرة منذ وقت طويل حتى أنني اتخيل ما هو وضع البشرية الآن لو لم تكن الحيوانات التي اتبعها الإنسان وقلدها في سلوكها، إلى أي مدى كان يمكن أن تكون الحياة أكثر إشراقاً وأكثر عدالة؟
لقد فرضت عملية التقليد والتخلف عن التفكير أن يكون المجتمع حالة إمتداد لطبيعة عالم الحيوانات وقوانينها، فالصراع مستمر منذ بدء الخليقة بين توجهين الأول هو الخير والآخر هو الشر لولا ان هذا الصراع كان ليكون غير موجود لو لم تكن شريعة الغابة هي الشريعة التي احتكم لتقليدها الإنسان بكل ما فيها من صراعات، حتى أن هذه الغرائز لم تكن لتكن موجودة أصلا وهي تحث الإنسان دائما ليعيش حالة الصراع وتوجهه نحو فعل الحياة بكل ما تحمله من تناقضات وشهوات ونزوات، لكن تلك الغابة وتقليدها هي من فرض عليه ذلك فتصرفه ليس أكثر من تجسيد لمنطق الحيوان وسلوكه لكن في هيئة بشرية.
حتى أن الأديان لم توجد إلا بسبب ما تفرضه عملية التقليد تلك من تبعات، وتخفف من وطأتها، فالأديان في غاياتها لم تكن أكثر من تعبير واضح عن مكافحة لتلك الطبائع وشرورها، والتي قلدها الإنسان واكتسبها، لتنقذه من المشقة في التفكير والابتكار، من عوالم الحيوانات.
ولعل أدوات الصرف الصحي ليست سوى تعبير عن أرقى ابتكار اخترعه هذا الإنسان ليكون مختلفا به عما يحدث في عوالم الحيوانات، أما الحديث عن القنابل الذرية والهيدروجينية والسلاح النووي كأعظم ما توصلت إليه البشرية فليس سوى تعبير عميق وواضح جدا عن منطق الغابة ذاته الذي يفترض الاقتتال الدائم بين الحيوانات وسيطرة الأقوى على الأضعف.
إن كان لابد ان يكون ثمة اختلاف يتميز به الإنسان فإن الاختلاف هذا يجب أن يتجاوز كل مدرك وملموس سواء في اللون أو العرق او الجنس، أي أن اختلافه هو في قدرته على التفكير بعيداً عن منطق الحيوانات وسلوك القطيع.
لقد فرضت تبعات التقليد على الإنسان ألا يجد السلام أبداً لا في واقعه ولا في دواخله. إنه رهين الغابة وممارساتها ورغابتها وتشريعاتها وأينما ولى وجهه فلن يجد سوى ذلك الصراع على الدوام.
من يتأمل هذه الأنماط البدئية التي ظلت الذرية البشرية او ما يمكن تسميته بالنماذج العليا و اللامتغيرات البنيوية سيجد أنها تفترض وجود صراع أزلي كما وتفرض هذه الكاتلوجات الاجتماعية للشعوب والتي هي امتداد لقيم الأنماط البدئية تفترض على الإنسان أن يعيش هذا الصراع حتى ولو لم يرغب فيه. أي ان هذا الكاتلوج يحتوي على خطة هي مجموعة من القيم والعادات والتقليد بما في ذلك التقليد الديني وتفرض أن يعيشها الإنسان ويطوع حياته قسراً على ان تكون وفقا لطبيعة هذه الكاتلوجات، في حين انه يستطيع أن يفكر خارج هذا السياق المطلق في منطقه ويفترض نهجاً اكثر سلاماً مما تفرضه طبيعة هذه الكاتلوجات من تبعات ليست في أفضل حالاتها سوى تعبير عن منطق صراع الغابة الأزلي.
إن التفكير خارج سياق هذه المنظومة التي تفرضها الأنماط البدئية لا يعني إنحلال القيم التي تحملها ولكنه يفرض أن يكون للإنسان كاتلوجه الإنساني بعيدا عن أي فرضيات لوجود صراع وأنه مجبر على أن يعيشه فتستمر حياته حتى النهاية لا تعبر إلا عن تفاصيل هذا الصراع وداخل دائرة منظومته.
إن هذه الطريقة التي تعتمد على التفكير تفرض على الإنسان أن يكون حراً دائما، أي أن له حق الاختيار وحريته. فإن كان لا يريد سوى الاتباع والتقليد لنواميس لتلك الكاتلوجات فإنه يعلن بصراحة أنه يفضل العبودية والإتباع وأنه لا يريد أن يكون حراً لإن حريته حينها ستفرض عليه ولوج قناة من المشقة والصعوبات والجهد لينتقل من ثم إلى حالة تضمن له السلام والراحة وعدم وجود أي صراع هو مجبر ان يعيشه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: