الخميس , يونيو 4 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / د. عيدروس نصر يكتب :وداعا أيها القائد الحكيم

د. عيدروس نصر يكتب :وداعا أيها القائد الحكيم

غادر عالمنا الفاني يوم أمس الخميس الثاني والعشرين من شهر مايو 2020م واحد من أبرز القادة العسكريين وحكماء السياسة والعمل العسكري في الجنوب، . . . إنه القائد العسكري والشخصية الوطنية والاجتماعية المعروفة اللواء محسن صالح العبادي المناضل بصمت والحكيم بصبر ومثابرة، المعروف بنكران ذاته وإيثاره الخير لسواه.
وهكذا فإن هامة أخرى من الهامات الوطنية الجنوبية تغادر مسرح الحياة لتنتقل إلى عوالم الخلود، تاركةً للأجيال إرثاً نضالياً خالداً يمثل موسوعةً في المواقف الوطنية والقيم الإنسانية والمثل الأخلاقية اللائقة بمن هم امثال هذا المناضل الأبي.
لم يكن المناضل محسن العبادي قط تحت الأضواء ولم يثرثر كثيراً بل كان زاهدتً في التظاهر والظهور، وحتى في ذروة عطائه وتبوئه المهمات القيادية العسكرية والسياسية لم يكن ميالاً للاستعراض والتباهي، بل ظل يحمل الوطن بين جوانحه ويصرف كل طاقته من أجل الشعب والوطن والمستقبل فقط.
لا يمكن الادعاء بالإلمام بكل مراحل حياة المناضل العبادي ومواقفه الوطنية والسياسية ووقفاته العسكرية في صيرورة المسيرة السياسية والعسكرية في الجنوب منذ انخراطه المبكر في العمل العسكري وتدرجه حتى وصل رتبة لواء (متقاعد بطبيعة الحال) فسيرة الرجل الحافلة بالعطاء والبطولة والكفاح لا تتسع لها الأسطر والصفحات، لكن ما يتوارد إلى الذاكرة هي تلك الرحلة المضنية التي قضاها الفقيد العبادي في سجون صنعاء إثر تعرضه للأسر وتسليمه لجهاز الامن الوطني.
كنت قد سمعت عن سيرته هذه عبر، الفقيد هيثم منصر الشراب الله يرحمه احد الجنود في كتيبته العسكرية الكتيبة السابعة ، وعندما التقيته في مدينة جدة في العام ٢٠٠٠م وكان نازحا ضمن آلاف النازحين، قبيل توقيع اتفاقية الحدود، روى لي جزءً من تفاصيل تلك القصة.
فقد تعرض الفقيد للأسر في إحدى المواجهات العسكرية على الحدود وسُلِّم لجهاز الأمن الوطني الذي كان يرأسه صاحب السمعة السيئة المقدم محمد خميس.
تعرض الفقيد للتحقيق التعذيب عدة مرات على أيدي جلاوزة أمن صنعاء وكان محمد خميس شخصيا يستدعيه ويستمتع برؤيته تحت التعذيب بما عرف عنه من سادية مرضية لازمت كل مسار حياته.
في إحدى المرات كان المحقق معه شخص غريب عن اللهجة والفيزونوميا اليمنية المألوفة، وكان التحقيق صعباً كالعادة لأن المحقق لا يبحث عن حقيقة وإنما يدبر مبررا لوجبة تعذيب مرسومة مسبقاً، حينها قال الفقيد للضابط المحقق: أنت لا يحق لك أن تحقق معي؟
قال له : لماذا؟
قال : الذي يحقق معي يجب أن يكون يمنياً
وطبعا لم يكن النقاش يهذا الهدوء الذي أصوره فقد كان مصحوبا بالصراخ والتهديد والوعيد لكن المحقق عاد ليسأل الفقيد محسن العبادي: كيف عرفت أنني لست يمنياً.؟
فرد عليه بأن طريقة وضعه للخاتم تبين أنه من البلد الفلاني.
وذهل الضابط المذكور لكن الأسر استمر واستمرت معه عمليات التحقيق المخابراتية المعروفة أكثر من عام حتى تم الإفراج عن المناضل العبادي بناء على طلب الرئيس الشهيد سالمين إلى الرئيس الحمدي بعد انقلابه على الرئيس الإرياني,
حاز الفقيد محسن صالح العبادي على دورة قادة في كلية القادة الملكية الأردنية في نهاية العام 1966م وتبوأ قيادة الكتيبة 17 التي كانت تضم عدداً من القادة البارزين منهم أركان الكتيبة الرائد حينها (عبد ربه منصور هادي).
في منفاه الإجباري في مدينة شيكاغو الأمريكية لعب الفقيد دورا كبيرا في لملمة الجالية الجنوبية هناك وقدم الكثير من المبادرات لرص صفوف الجنوبيين وتفعيل عمل الجاليات الجنوبية في عموم أمريكا في سبيل نصرة القضية الجنوبية.
سامحنا أيها المناضل العزيز أبا نبيل!!!
لقد قصرنا معك وأنت على قيد الحياة ولم نعطِك حقك في الوفاء بسبب التشتت والتباعد ومحدودية القدرات، وما زلنا نقصر في حقك الكبير علينا وأنت تغادرنا، في زمن الكورونا الذي لم يعد بمقدور المرء فيه أن يواري عزيزا اختاره الله الثرى.
لك الخلود في سفر التاريخ الجنوبي المجيد ولذكراك المجد والخلود في ذاكرة الوطن وأجيال المستقبل.
اعزي نفسي أولاً كما أتقدم بصادق مشاعر العزاء والمواساة إلى نجيب محسن العبادي وإخوانه وأفراد أسرهم الكريمة وأولادهم وكل آل العبادي في يافع وعدن والسعودية وأميركا وبريطانيا وحيثما حلوا.
وأتضرع إلى الله أن يتغمد الفقيد برحمته الواسعة وأن يسكنه فسيح جناته وأن يلهم أهله وكل محبيه الصبر والسلوان
إنا لله وإنا إليه راجعون
* ملاحظة
ــــــــــــ
1. كل المعلومات الواردة عن الفقيد وتدرجه الوظيفي وعملية الأسر وتفاصيلها كتبتها من الذاكرة وبناء على ما تبقى فيها من الرواية الشفوية على لسان الفقيد وأتمنى ممن لديه أي تفاصيل عن حياة الفقيد أن يزودني بها سواء للتصويب أو للمساهمة في كتابة السيرة الذاتية لفقيدنا الكبير عليه رحمة الله
عادل العامري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: