السبت , يوليو 4 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / ثقب في الذاكرة /احتراق من الدرجة الثالثة إلى التي عشش في وريدها الألم وتخثر في عيونها الدمع: سامية البحري

ثقب في الذاكرة /احتراق من الدرجة الثالثة إلى التي عشش في وريدها الألم وتخثر في عيونها الدمع: سامية البحري

23 mai, 16:59
لايسعني الا أن أتقدم بأسمى آيات الشكر والامتنان إلى الأديبة والناقدة الأكاديمية، الأستاذة سامية البحري على قراءتها الباذخة لنصّي المتواضع ( ثقب في الذاكرة )

الإهداء
إلى التي عشش في وريدها الألم وتخثر في عيونها الدمع
إلى المرأة التي تسكن في جوف الوجع
إلى الكاتبة ليلى المراني

ثقب في الذاكرة /احتراق من الدرجة الثالثة
إلى التي عشش في وريدها الألم وتخثر في عيونها الدمع
_______
نص يدمي القلب
علي أن أجمع كل قوتي
وأنزع كل جوارحي وأخفيها في صندوق
حتى أتمكن من الاقتراب منه
علي أن أنزع كل أنوثتي
كل ما يتعلق بقلبي ..كل مشاعري
وأقف أمامه بكل جرأة وشجاعة وشراسة لألج عالمه
عندما يكون الحرف نارا يكوي منا الوريد
علينا أن نكون ماء علنا نطفئ ألسنة اللهب تلك التي تلتهمنا ..
ما أصعب أن أمشي على الجمر !!
وهذه الكاتبة العجيبة ليلى المراني تمتلك القدرة العجيبة على أن ترغمنا على المشي على الجمر
هذه الكاتبة احترقت ..اكتوت ..
انتفضت ..من تحت الرماد كطائر الفينيق. .لتبعث من جديد
حلقت في عالم السرديات الحديثة
واتخذت لنفسها ركنا تعزف من خلاله أعذب الأشجان
ذاك الركن هام في السرديات الحديثة ..إنه الوصف الموغل في صميم الشخصية
إذ يصبح القلم أداة تصوير ..كاميرا مراقبة بأكثر من بعد ..
تتعمق في صميم الوجدان لتنقل تفاصيل لا تحدث إلا في ذاك العالم الباطن الذي يخفيه الوعي ويقف عليه رقيبا..
تلك اللحظة تسقط الوعي ..وتبطش به ..فيتولى “اللاوعي ” الدور ..
وفي تلك المنطقة تكمن الحقيقة
ويمكن أن نرى ذواتنا ..نقف عراة إلا من صورتنا التي نظل نهرب منها ..ونتوارى بعيدا عندما تقترب منا ..
نقف في لحظة مفارقة لنرى أنفسنا للمرة الأولى. .
فنكتشف كم كنا غرباء عن ذواتنا قبل الآخرين. …!!
وقد حققت تناغما بين الأنماط عجيب ..
وجعلت كل نمط يشد بخيوط الآخر لحياكة النص السردي برمته
وهذا التواشج مطلوب اليوم في عالم السرديات الحديثة ما بعد الحداثة ..
وهو ما يفتح المجال لإنتاج لعبة التبئير الحديثة في النص السردي العربي الحديث …!!
ولنا وجهة نظر مفصلة في هذا الباب الكبير. ..
هكذا انطلقت رحلتي في “ثقب في الذاكرة ”
وهكذا تسربت في ذاك الثقب ..
وسأقول ما لم يجرؤ على قوله النقد الحديث حول النص السردي الحديث ..
ذلك النص الذي مازال مرتهنا لنظريات البنوية والشكلانية وغيرها
ذلك النقد الذي لا يتحرك إلا تحت راية بارط أو تودوروف أو غيرهما
وكأن تلك النظريات تحرك النص السردي عموما
ذلك النص الذي يراهن على السارد العليم ويؤمن بما يقول
وما علم أن ذلك السارد العليم يتوارى خلف رؤية أخرى تختفي بدورها في عمق تلك اللعبة الأكبر
لعبة الأنماط وكيفية انتظامها ..
**وضع البداية :
_خذ هذه الأحجار حبيبي،ارمها خلف السيارة حين تتحرك الواحدة بعد الأخرى ”
هكذا انطلقت هذه القصة بمقول موجه إلى شخصية غائبة المعالم لا نعرف عنها سوى العلاقة الحميمية التي تربط بين المتكلم والمخاطب
متجاوزة كل ضوابط القصة القصيرة في التصور الكلاسيكي ..
وهو مجال للبحث يمكن أن يثير جدلا حول هذه الإمكانية
وهذا ليس بالأمر المربك باعتبار أن كل نص يمكن أن يطرح رؤية جديدة في التناول ..
وليس بالضرورة أن يسقط في التنميط والتقليد. .
**وضعية التحول :
ثم يستلم الراوي زمام السرد لينقل لنا كل ما يتعلق بتلك الشخصية باطنا وظاهرا..
وتكون “العين ” هي البؤرة التي تلتقط من خلالها كل تلك البواطن ..
ويتواصل حضور الراوي العليم الذي يسيطر على كل تمفصلات النص متنقلا بين باطنه وباطن الشخصية التي يتعامل معها واللحظة التي تجري فيها الأحداث. .
وهذا ما يجعل الواقع يلتبس بالحلم في عمق تطور النص وتحول الشخصية من مكان إلى آخر
هذا التحول ينتج ما يسمى بالتمزق الروحي /الوجداني الذي سينعكس على النص ..
باعتبار أن النص لا يحدث في الزمن الموضوعي بل هو يحدث في زمن الذاكرة ..
فهو قد انتهى في زمن الخبر وأصبح في باب الذكرى التي علقت بالروح قبل العقل ..
لكنه يصحو في زمن الخطاب لتلهب كل تلك الجوارح من جديد ..
وهو ما يؤكد أن بعض الذكريات لا تموت بفعل الزمن بل تزداد حياة كلما مر عليها زمن ..
كأنها تقتات من عقارب الوقت الجاثم على صدورنا ..
وهنا يطرح السؤال نفسه من الذي يتولى الرواية ؟
من يروي لنا هذا الوجع ؟
ماهي هويته ؟
من الأقوى على تخزين الذكريات المؤلمة ؟
هل هو العقل الذكوري أم عقل الأنثى. .؟
ومن هو بطل هذا “الثقب ” ؟
نشرع لأنفسنا هذا الطرح باعتبار أن النص يحركه العالم الباطن أولا ثم يديره اللاوعي …
_في هوية الراوي /السارد
بتجميع جملة من الدوال نذكر بعضها على سبيل الاستدلال
(حبيبي / أحتضنه وأطبع قبلة تعتذر على خده /تفر مني شجاعتي./ خائبة مكسورة /تنهمر ادمعي ساخنة تغرق وجهي .)
نقر أن السارد هي الأم المكلومة
الشخصية تعلم كل الأحداث ما خفي وما بطن ..
وهذا يتفاعل مع طبيعة الحدث ومكان الحدث ..
ولحظة التبئير هنا لا يمكن أن تكون كما تجلت ..فالشخصية تغوص في باطنها والمشاعر تشتعل كالنار
واللاوعي يكشف اللثام عن وجهه ليكشف تفاصيل ربما لو خضت لرقابة الوعي لن تطفو إلى السطح ..
_البطل /الساكن المتحرك
علامات عديدة كشفت أن البطل في هذا الثقب هو الطفل الصغير الذي مورس عليه من طرف الأم أبشع أنواع القهر ..من حيث تدري ولا تدري ..وهذا ما عمق المأساة في باطن هذه الأم حتى أن هذا الثقب ظل مفتوحا ولم يغلق ابدا
ما يستوقفنا في الجانب الفني هو كيفية صناعة البطل الساكن في الظاهر ..المتحرك في الباطن المسيطر منذ لحظة الانطلاق حتى الانغلاق ..
(ينظر بعينين دامعتين../يهز رأسه / يركض/يرمي الحجارة وهو يبكي /بروز طيفه بين الأطفال / يطل وجهه بين الغيوم باكيا معاتبا/ رأسه مطمئن فوق صدري )
نلحظ شدة التلاطم الداخلي في وجدان طفل صغير تنفصل عنه أمه في حركة قهرية وتطلب منه أن يرمي تلك الحجارة وراءها بما تحمله من رمزية على تمني اللاعودة ..!!
هناك تجارب يجب أن تخلد
نهديها لأجيال قادمة
ليتعلموا ويعلموا أن الحياة ليست سهلة أبدا
وأنها تضرب في الصميم كل من مشى بقلب سليم وروح نقي
تضربه بكل السياط فتدمي منه القلب والروح والعقل والمقل
لكن يقف أمامها بكل جرأة وتحد ليقول لها
لن أنكسر..لن أهزم..لن أحيد
مادامت الروح في البدن
هكذا نفقأ عيون الشيطان
هكذا ننشر السلام والحب والخير في عيون الطفولة ..وفي مقل الفجر
هكذا نكون أو لا نكون ..!!
_ لحظة الانغلاق :
“أريد أن أعود. .أريد أن أعود ”
أفز مذعورة أمد يدي رأس صغيري مطمئن فوق صدري أنفاسه دافئة تخترق رئتي..”
يمتزج الحلم بالواقع
حتى تسيطر لحظة الحلم
فيتراءى لها أن صغيرها يغفو فوق صدرها ..وتشعر بأنفاسه تخترق رئتيها..
هذا ما يفسر أن النص برمته ينمو ويترعرع في بواطن هذه الأم التي اكتوت امومتها بفعل هذا التمزق الذي تعيشه لحظة انتزاعها لكل مشاعرها والعض بأنياب من حديد على مشاعرها حين وقفت أمام ابنها وطلبت منه أن يرمي تلك الحجارة وراءها بما تحمله من رمزية عالية
وفي ذلك قد مارست عليه أقوى أنواع العذاب من حيث تعلم ولا تعلم وهو ما يفسر القهر الذي عاشته هذه الأم. ….
فتتمنى أن لا تعود أبدا إلى ذاك المكان الذي تحمله في الذاكرة كالوشم ..وهو وشم في الذاكرة
ثم لحظة الانغلاق تحيل على لحظة الولادة ..عود على بدء ..
الأم تفارق ابنها بطريقة قهرية
لكن تحمله في وجدانها من جديد
وتعيش كل مراحل الحمل خلال تلك الرحلة …
كما تعيش مخاض الولادة من جديدة ..
فإذا كانت الولادة الأولى الطبيعية قد حملته في بطنها كرها ثم وضعته كرها ..
فإن الولادة الثانية /القهرية قد حملته في الذاكرة حبا وشغفا ولوعة ووضعته حرقة وندما وشجنا وتمزقا وشوقا وأنينا…
وفي عمق الوجع ..عمق التذكر ..عمق الألم. .تستفيق مذعورة فترى رأس صغيرها فوق صدرها مطمئنا ..
وأنفاسه الحارقة فوق صدرها ..تخترق رئتيها
كلها دوال توظف لمدلولات على لحظة الولادة التي تعيشها الأم من جديد كوسيلة للتعويض عن تلك اللحظات القاسية حين أنتزع القدر منها ابنها بسلطة قهرية ..
وحين ساعدته على ذلك عبر رمزية الحجارة ..
النهاية لوحة فنية مؤلمة ..سريالية عجيبة ..
لحظة تصور المفهوم الوجودي للأمومة. .
الولادة التي تعطي للأم هذه الصفة
فتتحول بفعل قوى باطنية خفية إلى كائن مختلف يحمل مشاعر مختلفة ..
كما يتحول هذا الكائن إلى نهر عذب من المشاعر الممزوجة بأنفاس ذاك الكائن الصغير الذي خرج من جوفها ..
تلك الأنفاس تظل تلاحقها حتى ولو عبرت إلى السموات السبع ..
فلن تؤثر تلك الأحجار السبعة في هذه العلاقة الروحية المقدسة ..
النهاية مفتوحة ..حارقة ..تثير أكثر من احتمال ..وتشعل روح كل امرأة انخرطت في هذا النص انخراطا روحيا شعوريا ..
لذلك نرى أن الأنثى هي الأكثر قدرة على تخزين الألم في الذاكرة من الرجل
وهي قادرة على تذكر كل التفاصيل المتعلقة بحدث ما أكثر من الرجل
وهو يعود إلى طبيعة تكوين كل منهما ..ليس من باب المفاضلة بل من باب الخصوصية ..
القصة في مجملها قامت على تقاطعات في مناطق عديدة من السرد ..
وهذا يوظف في خدمة هذه المأساة الحقيقية
فعندما نكتب من العمق وبكل ما نملك من شجن وشغف
ثمة مناطق تهرب منا ونهرب منها
نتوارى عنها ..تلاحقنا..
تشعل ألسنة النار في كل زاوية من زوايا القلب الذي أدمته الرزايا
وما أصعب أن نطل من ثقب في الذاكرة على عالم مكتض بالجروح في داخلنا
حتى أن كل جرح يعوي من جرحه الجرح ..
وتشتد الأصوات داخلنا ..يمزقنا ذاك الشجن ويحرقنا الأنين
فيرسل القلب برعوده فتمطر العين ..
علها تطفئ بعض الحريق ……!!
بعيدا عن نقد الكتابة الفنية المتخصصة في تحليل القصة من خلال تقنيات الكتابة والبناء الفني
وإيمانا منا أن القصة القصيرة تعيش تحولات كبيرة وبحضور هذا الزخم الرهيب في مستوى التجنيس الأدبي اليوم ( ق.ق/ق.ق.ج/ القصة الومضة ….الخ)
تبقى القصة هي الحاضنة لذاكرة الشعوب والأفراد والأمم. .
ويبقى للرواية المساحات الشاسعة لقول كل ما نريد قوله
ولما يتيحه السرد من إمكانات للدخول إلى مناطق عميقة داخل النفس البشرية لاستخراج ما لا يقال واكتشاف الوجه الآخر
الوجه الذي نخفيه حتى على أنفسنا ثم نصطدم به كمن يصدم بغريب لا يعرفه ..
لذلك أدعوك من هذا المنبر إلى ضرورة خوض هذه التجربة بكل جرأة وشجاعة. .
ستشعرين بالخوف ..وأنت تغوصين في ذاتك ..وأنت تبحثين عنك وعن كل ما ناضلت في سبيله ..
ستلتقين وجوه مألوفة وأخرى غريبة
ستحترقين في كل خطو ..
لكن ستولدين من جديد ….
الكتابة لحظة احتراق ..ثم ننتفض من جديد كطائر الفينيق
الناقدة سامية البحري

النص
=========
ثقبٌ في الذاكرة…/. قصة قصيرة
ليلى عبدالواحد المرّاني

– خذ هذه الأحجار حبيبي، ارمها خلف السيارة حين تتحرّك، الواحدة بعد الأخرى…
ينظر إليّ بعينين دامعتين تستجديان تفسيراً، وهو يراني أضع حقيبتي الصغيرة في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة التي ستقلّني إلى المطار، أحتضنه وأطبع قبلةً تعتذر على خدّه. تفرّ منّي شجاعتي أمام صمته ودموعه الصامتة، ويمرّ أمامي شريط سينمائيّ مفزع لذلك اليوم الذي عدت به خائبةً مكسورة، حين فشلت التجربة الأولى وأعادونا من المطار صبيحة اليوم الثاني بعد أن قضينا ليلة مرعبة على كراسٍ خشبية، نجهل ماذا ينتظرنا حين نعود خائبين… كنت أخشى أن أعيد تلك التجربة المريرة…
يوم بارد مطير وكئيب كان في شهر شباط، زاده كآبةً ذلك الخوف البغيض الذي لم يغادرني، رغم نظرات الرجاء والثقة التي يحاول أبنائي زرعها في قلبي، وبإصرار مخادعٍ كاد يخذلني، قلت وأنا أشعر بعزيمتي تفرّ منّي،” يجب أن أحاول ثانيةً، من أجلهم سأجازف…”
أخذت مقعدي في سيارة الأجرة، فتحت النافذة وهتفت، ” سأعود من جديد كي آخذك معي، هل فهمت حبيبي؟ ”
عيناه الغارقتان تشيان بعجزه عن الفهم، ولكنه يهزّ رأسه باستسلامٍ عجيب…
– الآن حبيبي، ارمِ الأحجار….
السيارة تتحرّك ببطء، كما طلبت من السائق، أراقب صغيري من الزجاج الخلفي، يركض ويرمي الأحجار؛ الواحدة بعد الاخرى وهو يبكي… تنهمر أدمعي ساخنةً تغرق وجهي حين جثا على الأرض منتحباً… كدتُ أن… ولكن أختي تلقّفته بحضنها.
للمرّة الثانية أدخل ذلك المطار وحيدةً، ووجيب قلبي يسبقني، عيناي تدوران بقلق، أفتّش عن رفيقتي في الرحلة إلى المجهول، كلّ ما أعرفه عنها، أنها طويلة وضخمة الجسم، شعرها طويل، وتحمل كيساً أزرق، ولم ينسَ صاحب مكتب التهريب أن يوصيني بحمل كيس أزرق أنا الأخرى، ” وكلّ شيء رتّبناه مع أمن المطار…”، أضاف حين انغرس خوفي في وجهه…
أحسّ بالضياع وسط مئات المسافرين، أرتجف، أشعر بدمي يبكي في شراييني حين أرى الصغار سعداء يتقافزون مع ذويهم، وددت لو أتحوّل إلى خفقة ريحٍ تطير إليه، أحتضنه بكلِّ أمومتي الموجوعة، ” لن أتركك حبيبي…”، سأقول له…
ما أن وجدت نفسي عائمةً في الفضاء، حتى انهارت مقاومتي، أخذت أنشج بصوتٍ خفيض، تحوّل إلى شهقاتٍ تخنقني، فزعةً جحظت عيناي، فتّشت عن صوتي كي أستغيث، فلم أجده… وحين عثرت عليه، كان ضبابيّاً، آتياً من وراء الحياة، أنظر من خلال النافذة الصغيرة، أجدني أعوم في غابةٍ من الغيوم البيضاء بلون الثلج، يطلّ من بينها وجه صغيري باكياً، معاتباً وهو يركض ويرمي الأحجار السبعة، ثم يسقط من غيمةٍ بيضاء كبيرة، أفزّ من اغفاءتي مذعورة، أستمطر ذاكرتي، أين أنا؟ أفركُ عينيّ كي استيقظ من ذلك الكابوس اللعين، ليس غير الصمت والحزن، ولوعة عميقة كالموت تزلزل كياني؛ فأبكي، صوت زجاجيّ بارد يخترق سمعي
– ماذا بك؟
أنظر إليها… سلحفاة ضخمة تملأ مقعدها، كتفها الأيمن يفيض ويحتلّ نصف كتفي الأيسر، وأنا منزوية، ألتصق بالنافذة الصغيرة… هائلة هيئتها، أو هكذا صوّرها لي خوفي، وابتسامة بلهاء تفترس وجهها… ابتلع ريقي مرّا، جافّاً كخيبتي…
– أين نحن؟ …. أتساءل ببلاهةٍ مفرطة
– في طريقنا إلى الهدف… تقول هازئة
– أيّ هدف؟
– أتمنى أن تعودي إلى إغفاءتك… تقول بضيق
وتخرج قطعة شيكولاتة من حقيبتها، تقضمها بتلذّذ، أغمض عينيّ ثانيةً؛ فأغوص قي ذاكرتي، تتزاحم الصور، تتكاثف، تتداخل ببعضها، والأحجار السبعة يقذفها صغيري، الواحدة تلو الاخرى تصطدم بنافذتي التي ألوذ بها؛ فأبكي… بحرقةٍ أبكي…
– ماذا تفعلين بحقّ السماء؟ ستثيرين من حولنا الشكوك…
تهتف بذعر رفيقة دربي التي لا أعرف عنها شيئاً ، سوى أنها ستلحق بخطيبها في ألمانيا…
” أريد أن أعود… أريد ان أعود…” ، أفزّ مذعورةً، أمدّ يدي، رأس صغيري مطمئنٌ فوق صدري، أنفاسه دافئةً تخترق رئتيّ…
==================================
ملاحظة: من تقاليدنا الموروثة في العراق، أننا نسكب الماء خلف مسافر عزيز نتمنى عودته سالماً، ونرمي سبعة أحجارٍ خلف ضيف ثقيل أو مسافر لا نرغب بعودته…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: