الخميس , يوليو 2 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / صعلوك عاشق../ بقلم : حسين سدخان/

صعلوك عاشق../ بقلم : حسين سدخان/

صعلوك عاشق

كانت الريح محملة بالامطار السوداء التي تبدو و كأنها شويت على النار و رائحة الشؤم تملئ الشارع الطويل الذي أندفع به محسن وحيداً ثملا، أندفع حاسر الرأس في ذلك الشارع الكئيب و راسه يميل هنا و هناك كما لو انه تلقصى صفعة .. كان يرتدي قبعة سوداء مرقعة و ثياب متهرأة لا يمكنها أن تقاوم البرد القارص الذي يلسع العظام و يجمد المفاصل، متجها الى منزل صديقه الذي كان يشارف على الإغلاق بعدما أحيت به ليلة لم يكن يعرف غايتها، كان جثة ثقيلة و متثاقلة لم يكن قادرا على المشي حتى آلته الموسيقية (الناي) كانت تتخبط على جذعيه، و لذلك بدأ يخاطب الهواء المجنون لكي يحرض قدميه من أجل الوصول.
وصل أخيرا لكنه صدم بصدفة خروج ذلك الغليظ الملتحي و معه ثلاث رجال مرتدين عبائات و عمائم سوداء، و ظهر خلفهم زميله أحمد بنفس الزي لكنه جميل الملامح، ذو لحية بيضاء مسترسلة الى الاسفل … توقف عن السير و بقي ينظر اليهم وفي يده كأس الخمر، وقال :
-أريد المكوث هنا، فأنا متعب !
سخروا من سطحية تفكيره مشبهينها بمشاعر الساذج، و قال أحدهم :
-إرحل من هنا يا فاسق
نظر محسن اليه من تحت حاجبين كثّين و قال :
-أتعلم إني أرغب في التغوط عليك !! أحس بأن معدتي ستنفجر،
-أقسم إني لو لم أكن امام بيت الله ﻷبرحتك ضربا يا كافر !

تكلم أحمد وكان يحب محسن حباً شديدا، قائلا :
– كفاكم شجارا، محسن اتمنى أن تقضي هذه الليلة في منزلي، و هناك سأجعلك تستحم و تغير ملابسك ..
كان محسن لايجرؤ على الكلام مع أحمد لشدة إحساسه بطهارة أحمد، و حينما أنهى أحمد كلامه بدأ و كان عصا غرست في مؤخرات البقية، و لذلك وقف احدهم على أطراف اصابعه قائلا :
– حقا تريد ان تأخذ هذا الكافر معك؟!، في الصباح يجمع الناس من حوله بالعزف و يلهيهم عن عبادة الله، و ما يجمعه من مال يشتري به خمراً في الليل، الح أقول: إن الرجم قليل بحق هذا الرجل، عليه اللعنة !!

دنى محسن ليسأل أحمد و لايزال كأس الخمر في يده، بصوت يذيب الصخر :
-يا احمد أشك بهؤلاء لا يحبون صديقي ! …
إبتسم احمد و أراد ان يتكلم لكن محسن سارع في الكلام صارخا بوجوههم، كاسرا جعة الخمر : خذوا ربكم المجرم، خذوا ربكم المفخخ، إتركوا لي صديقي أنا أعلم بانه يستاء قليلا حينما أعاقر الخمر، لكني احبه كثيرا و عندما أراه يستاء احاول تقبيله على جبينه و اخيرا أراه يبتسم لي ! … أتفهمون أنه يبتسم لي

ثم رفع رأسه قاذقا بصقة مدوية غطت وجوههم و هرب راكضا بأقصى ما يستطيع إلى أن تمزق طرف حذاءه المهتري فدنى إليه بوجه منكسر و التقطها و قذفها بقوة نحوهم و لسوء الحظ لم تصل ..
كان يشهق و يبكي بطريقة محزنة و مزرية كإسفنجة تعصرها، بدت الدموع تسيل من عينه و انفه و فمه، سار وحيدا مرة أخرى مع الليل هذا الضيف البائس، كفاسق مسكين، كنهد معذب لعاهرة محترفة، مقاربا للنهر الذي كان يشق مدينته و يتلوى كأفعى بين ضواحيها، سار مخمورا بالعشق الالهي متأملا ذلك الوجه الحنون الذي يبتسم اليه مرارا، و لكن قطع ذلك التأمل صوت يمتزج بروح الغنج و كأنه سوط فرم مخيلة محسن، من حسناء ملتهبة :
– تذكر يا محسن منزلي مفتوح لك دوما !
صوب أسهم نظراته الشبقة الى نهديها المتدليان، و قال:
– لكن ليس لدي مال
إبتسمت بغنج ﻷنها تدرك كم هي فاتنة، و قالت :
– لكني رأيت الناس في الصباح تعطيك المال مقابل إبحارك نحو ديار ممزقة بنأيك المتهرِئ
– نعم كانت لدي لكني أعطيتها لفتاة كانت تفترش عفتها كمزاد مقابل حفنة نقود لمتبضعين حاولوا أن يشموا زهرتها، أما الاغنى منهم فحاول تفجير ميسم تلك الزهرة
– ولم؟
– لانها محتاجة لذلك المال لشراء دواء لوالدتها …
نعم لقد اعطيتها جميع نقودي و نظر صوب الشاطئ و اكمل :
و سأعطيها ما سأملك كل يوم ! .. و لن أشتري حذاء من جديد إلا و جعلت الحياة تدب في ذلك الكائن الجميل مرة أخرى، و ربما سأعطيها مالي الذي أدخره للخمر، أو أهجر الخمر !
– كفاك ياثرثار، هيا أدخل لا أريد مالك

بدأ محسن في تلك الليلة موسيقار عظيم يحسن العمل على كمان الاجساد المتعطشة … و في نهايتها إنتابته حالة من جلد الذات فأغمض عينيه و إبتسم و كأنه يرى صديقه معه و لاحاجة له أن يرفع راسه نحو النافذة التي كانت مفتوحة للسماء في تلك الغرفة و قال :
إسمح لي يا ريحانتي هذه الليلة فقط ! .. و أعدك إني غدا سأدخل الى منزلك و انام في حجرك و انت تمسح بيدك فوق شعري، أعدك ..

في الصباح تحول محسن الى جثة مخشبة !!
لهذا كانت الشمس تتهيأ لتقذف نفسها خلف تلك البلدة معلنة انتحارها، و هاجرت العصافير بأجمعها الا عصفور كان يشير لحبيبته أمام النافذة التي خمد فيها محسن و قال:
يا ملاكي هنا مات عاشق كان يروينا بلحنه صباحا، و قطع جميع فزاعات الحقول لكي ننعم بالحب لا بالخوف
ثم طوقها بجناحيه ومضى أخرج محسن من غرفة عتيقة وسط أبنية متهدمة و اخرى مبنية من طين، و انتصبت نساء عاريات على عتبات تلك الابنية بأيديهن مرايا يعملن على أغواء حتى الشياطين، حينها تواجدت ثلة قليلة لحمله وحدهم بعدما رفضت مجاميع من الناس الخروج بجنازته و اعترضوهم حينما أرادو أن يدخلوا جثمانه لمنزل صديقه، بينما كان رفيقه أحمد في مقدمة تلك الجنازة و بدأ حزنه يتصاعد كأمواج البحر في نفسه و ينحسر عند فوهة فمه مخفيا دموعه ﻹستلامه رسالة من نساء تلك البلدة وجدوها في جيوب محسن الفارغة …

و لكن هنالك فتاة صغيرة كانت تنظر لهذه الحادثة من وراء ثقب حائط ممزق بوجه ممتعض حزين، اخذت تذرف الدموع بصمت كئيب و عاد مرة اخرى الجوع ليفترسها بأنيابه الحادة، لكنها هربت لتسرح شعرها، لتستبدل ثوبها بآخر اكثر عريا، لتطلي شفتيها، لتدلق قليلا من العطر على رقبتها … و اخيرا جاءها الظلام و ابتلعها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: