الإثنين , يوليو 6 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / د. نيفين عبد الجواد تكتب :ماذا نريد؟! 

د. نيفين عبد الجواد تكتب :ماذا نريد؟! 

                                                                                          

إن السؤال الأصعب على الكثيرين منا هو:”ماذا نريد؟”، ليس لأننا لا نعرف إجابة ذلك السؤال؛ ولكن لأننا غالبًا ما نتجاهل أن نطرحه على أنفسنا من الأساس. فها نحن قد أدينا ما فُرِض علينا من عبادات وحاولنا أن نُتم كل الطقوس التعبدية بقدر المستطاع إلى أن أنهينا ما قد بدأناه وواظبنا عليه طوال أيام معدودات، واعتقدنا بذلك أن مهمتنا قد انتهت، فلماذا إذًا لا نعود من جديد إلى ما كنا عليه واشتقنا إلى مزاولته بعدما انقطعنا عنه لفترة محدودة؟!

هل أحببنا حقًا شهر الصيام وما اكتسبناه طوال أيامه من تعودٍ على الصبر والحرمان، ومن اعتياد على الامتناع عن اللغو واللهو والعبث، والإسراف فى إضاعة الوقت، وكثرة الأكل، وبذخ الإنفاق؟! ام اصطبغ رمضان بما ألفناه طوال العام من إسراف في كل ما نملكه وتسطيح لما يجب أن نهتم به؟! هل حقًا اقتربنا من الفقراء والمساكين والمحتاجين الحقيقيين وشعرنا بمدى فاقتهم وقسوة معاناتهم؟ أم اكتفينا بإخراج الزكاة والصدقات لأي متسول احترف السؤال بإلحاح ولو بدون حاجة إلى العطاء؟ وتكاسلنا عن البحث عن المتعففين غير المحترفين للتسول وذل السؤال والراغبين فى عطاء الغني الكريم؟

هل سألنا أنفسنا لماذا يحل رمضان علينا ضيفًا ثم لا يلبث أن يغيب عنا وتغيب معه بركاته وتختفى في طياته نفحاته؟ هل حقًا تمسكنا برمضان بعد انتهائه أم سارعنا إلى التخلص من كل ما يُذكرنا به وبأيامه؟ إن ما واظبنا عليه في رمضان من الممكن أن نستأنف المواظبة عليه بعد رمضان إن أردنا نحن ذلك، فلماذا إذًا لا نريد استبقاء رمضان في حياتنا بعد انتهاء أيامه؟

إن من خُلِق عجولًا من الطبيعي أن يتعلق بالعاجلة، ومن الصعب عليه أن يستبدل حبه لها بحب الآجلة، التى هي غيب بالنسبة له؛ ولكن إذا ما ذاق الإنسان لذة القرب واستمتع بها ولمست كل كيانه، فسيشتاق إليها دومًا ولن يقوى على مفارقتها ولن يكون لديه ما هو أهم منها، وهذا هو الحب. إنه الحب الذي يغيرنا إلى خلاف ما نحن عليه باستسلام تام منا وكأننا بلا أية إرادة. فهل ذقنا طعم الحب الحقيقي؟ هل اغترفنا منه فروانا؟ وهل ارتوينا منه فكفانا عن كل ما سواه؟! أم ما زلنا نلملم شعثنا فى صحراء الحياة القاحلة التي نأمل منها كل خير فلا نجد فيها إلا كل شر؟

إن تعلقنا بالدنيا الفانية هو ما يحجبنا عن سر النفحات الباقية، بينما إن تركنا الفرصة لعقولنا المفكرة فسترشدنا إلى زوال الدنيا الآتية مثلما مضت كل السنوات السابقة وستمضي كل لحظة حالية. فكيف يمكننا أن نتعلق بالآجلة ونحن لا نرى بأعيننا إلا العاجلة؟!

إنها ليست فقط صحوة العقول بل يقظة الضمائر التي معها سندرك ماهية الحياة وماهية الموت، وسر العطاء والبسط وسر السلب والمنع. وما أن تتيقن عقولنا ما أبصرته من الحقيقة حتى نبدأ في البحث عمَّا هو باقٍ وعمَّا يمنحنا الطمأنينة بحق ويهبنا السكينة والسلام. إن لعنة الخوف من المجهول ستظل تطاردنا ما دمنا في منأى عن اليقين الحق، وما دمنا خائفين فسنظل في هم وقلق وحزن وألم. إن المعرفة تُبدد الخوف وتمنح الهدوء والثبات، ولا يمكن للمعرفة السليمة أن تتراكم بدون طلب للعلم النافع وسعي من أجل اكتشاف ما هو حق وصدق وعدل.

وكل حر فقط هو من يملك القدرة على الاختيار، وهو من يستطيع أن يبحث بحرية، فيؤمن ويعمل بحرية ووعي أو يكفر بحرية ووعي، ولكن الروح إذا كانت أسيرة في جسد مغموس في الشهوات والنزوات والأهواء، فلن تتمكن من أن يحررها العقل من أسر النفس الشهوانية كي تنطلق نحو السماء حيث الميزان العدل وإقامة الوزن بالقسط. وما أيسر الالتزام لبضع أيام دون فقه قلبي بسر الإلزام، وما أسهل العودة لما كان طالما كان هو الأقرب إلى النفس والأحب إليها، وما أصعب مشقة الوصول لما هو غير يسير، وما ألذ طعم النجاح إذا ما تم الصعود وإعلان نبأ الفوز بعد طول عناء. فهل من العقل أن تتقبل عقولنا فكرة الفوز بعد كدٍ ومثابرة فى مسائل الدنيا وترفض ذات الفكرة إذا ما تعلق الأمر بحياة خالدة بعد الموت؟!

وأيًا ما كان قدْر الحرية الذي نتمتع به أو الذى نقوى على التمسك به وعدم التفريط فيه، فإننا في جميع الأحوال نختار ما يشبهنا ويتطابق مع ذواتنا سواء أدركنا أننا نملك القدرة على الاختيار، أو رفضنا حقنا فى الاختيار، وسواء قمنا بالاختيار عن وعي وفهم وبعد تمحيص، أو فرضنا على أنفسنا ألا نختار وألا تكون لدينا الرغبة فى الاختيار، وسواء أقنعنا أنفسنا ليل نهار أننا كائنات مُسيَّرة وغير مُخيَّرة كي نهرب من فكرة الحساب ومن تحمل عبء العمل الذي سيكون عليه الثواب أو العقاب، أو سعينا إلى أن نبصر ونعرف ونفقه ونتعلم ونختار ونتحمل كل تبعات الاختيار.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: