الثلاثاء , يوليو 14 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / بين الشعريّة والشاعريّة / بقلم د. نوال سيف

بين الشعريّة والشاعريّة / بقلم د. نوال سيف

الشعريّة والشاعريّة … مصطلحان مختلفان ، كثيرا ما يقع الخلط بينهما …
الشاعريّة تتناول الذات المبدعة وهي الشاعر وآليّة تخليق الشعر لديه والظروف والعوامل المؤثرة فيها ، ومراحل تطور قدراته الشعريّة وانعكاسات ذلك على النص المُنْتَج في كل من هذه المراحل .
والشاعريّة هي ملكة روحية تقوى وتضعف حسب حالة الشاعر الطبيعية من القوة والضعف ، هي هبة من هبات الطبيعة ، فطبيعي أن تكون الشاعرية التي ترتكز عليها هي الأخرى توهب بالفطرة ، وإذا لم تكن في الطبع فلن تستطيع أي وسيلة أن تخلقها .
أمّا الشعريّة فتتناول النص الأدبي أو الشعر ذاته ، وتضع الادوات والقوانين والنظريات كأدوات للحكم على هذا النص في ممارستها النقديّة على اختلاف أنواعها وتنوعات مذاهبها منذ النقد القديم وحتى المدارس المعاصرة . ويرجع مفهوم الشعريّة في الأصل لأرسطو ، فهو أول من استخدم المصطلح ، وحديثا يعود للشكلانيين الروس . فهو مصطلح قديم جديد شابه كثير من الغموض سواء على مستوى صياغته أو ترجمته أو تحديد المفهوم . ولذلك تعددت الدلالات لمصطلح الشعريّة من قِبَل النقاد وذلك نظرا لتعدد الصياغة المتبناة أصلا لهذا المصطلح . ويُعد المصطلح من أخصب المواضيع المطروحة في مجال الدراسات الأدبيّة والنقديّة المعاصرة .

الشاعريّة غير مغلقة زمنيّا ، يقولون أنّ الشاعريّة تأتي كزائر أو طيف عابث ، يضيء الشاعر ثم يغادره تاركا فوضاه نقشا على الورق .. يعرف باسم القصيدة .
بينما الشعريّة مغلقة زمنيّا على النص ، فالتعامل يكون مع النص الموضوعي وليس الذاتي الذي انتهى من ذاتيّته بإنتاج النص ، فلا تستمر الذاتيّة مع مرور الزمن ، فيكون التمسك بالممارسة النصّيّة فقط . فالزمن الأدبي يؤدي إلى أن يكون الذي بدأ ذاتيّا في أول النص سيظهر موضوعيّٰا في آخره .

الشاعريّة ، هي اللغة التي يغيب فيها المعنى لصالح الدلالة ، وتغيب فيها الدلالة المباشرة والصريحة لصالح الدلالة الإيحائيّة التحليليّة ، كما يتأكد اعتناؤها بالمقصديّة الواعية لدى مُنْتِج النص إلى مجاوزة الأساليب المعهودة أو السائدة . هي تؤكد على جموح مُنْتِج النص ( المبدع ) إلى إنجاز نص شعري أمثل ، متفوق على غيره من النصوص .
أما الشعريّة فتهتم بمحاولة البحث عن القوانين التي تحكم الخطاب الأدبي ، والهدف هو تأسيس علم الأدب … ومصطلح الشعريّة من أكثر المصطلحات شيوعا في مجال الدراسات الأدبيّة والنقديّة . وللشعريّة تعريفات كثيرة ومختلفة ، ولكنها تتفق بأنها قوانين الخطاب الأدبي ، هي وضع نظريّة عامة ومجرّدة تدرس الأدب دراسة علميّة محايثة للأدب بوصفه فنّا لفظيّا . وتختلف الشعريّات الحديثة باختلاف النقاد والمدارس النقديه المعاصرة .
فالشعرية عند جاكبسون _ مثلا _ لا تقتصر على الشعر وحده ، وإنما تشمل كافة انواع الخطاب اللغوية والأدبية . الشعرية دراسة الوظيفة الشعرية باعتبارها الوظيفة السائدة في الخطاب الأدبي مع وجود الوظائف الأخرى للغة .
بينما يرى تودوروف .. أنّ الشعريّة لا تهتم بالأدب بقدر ما تهتم بتلك الخصائص التي تميّزه عن كافة انواع الإبداع الأخرى ، كما أن هذه الخصائص هي التي تضبط قيام كل عمل أدبي ومن ثمة تكسبه صفة الأدبية .
والشعرية عند جون كوهن .. هي انحراف عن القواعد المعيارية المعمول بها في اللغة ، فتكتسب هذه اللغة سمات غير عادية تساهم في تمييز الشعر عن النثر ، تقوم على مبدأ الانزياحات الأسلوبية .
والشعريّة العربيّة لا تختلف من حيث مبادئها وغاياتها عن الشعريّة الغربيّة ، وإن كان بينهما فروق أساسيّة جوهريٰة تتعلّق أساسا بالطبيعة الثقافيّة والفلسفيّة والفنيّة والفكريّة المحيطة بكل منهما .. إضافة إلى اختلاف اللغة .
حاول النقاد العرب تحديد مفهوم الشعريّة وقوانينها تأثرا بالشعريّة الغربيّة الجديدة . وقد ثارت حول المصطلح إشكاليّة خلقت جدلا واسعا حوله ، نظرا لأنه مصطلح مترجم عن أصول أجنبيّة اختلف النقاد العرب في ترجمته .. فظهر كثير من المترادفات من مثل : بويطيقيا ، نظريّة الشعر ، فن الشعر ، علم الأدب ….. وغيرها .
هكذا ارتبطت الشعريّة العربيّة بشعريّة الغرب ، من جهة كونها وسّعت من مجال دراستها لتشمل أنواع الخطاب الأدبي ، في حين انحصرت الشعريّة العربيّة القديمة بدراسة صناعة الشعر وقوانينه . فكانت الشعريّة العربيّة الحديثة مغايرة للشعريّة العربيّة القديمة ……….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: