الخميس , يوليو 2 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / كلنا نريد العودة ../ بقلم : حسين الضاهر / سورية

كلنا نريد العودة ../ بقلم : حسين الضاهر / سورية

( من دفتر اليوميات )

حين عبرت الحدود السورية التركية كنت مؤمناً بالصدف وبأنها محرك بحث رئيسي لاختيار مكان إقامة اللاجئ الطازج
وشاءت الصدفة أن أستريح يوماً كاملاً عند أقاربي في مدينة BiReciK الحدودية وبمجرد تجوّلي في شوارعها التي تنحدر كأوردة عطشى نحو الفرات الذي تركته منذ قليل في ضفة المجزرة ، التصقتْ بي والتصقتُ بها كخائفين من مصير مجهول .

هنا
حصلت على ورقة حماية مؤقتة وفرحت جداً لمجرد قراءتي لكلمة (حماية) فوق اسمي
بالرغم من معرفتي بأننا مجرد أوراق على شجرة هذه البلاد وقد يداهمنا الخريف في أية لحظة ونسقط
لم تكلفني شيئاً سوى بعض الخوف والانكسار وأنا أجيب على أسئلة رجال الأمن
ما اسمك ؟
حاولت إقناعهم بأنني حسين الضاهر إلا أن حروف اسمي لم تتطابق مع حروف لغتهم فسجلوه مشوهاً ولم أهتم
ما عمرك ؟
ولم أتلقى الشتائم عندما أخبرتهم بأنه مسجل لديهم على بطاقتي السورية
هل حضرت المجزرة ؟
نعم كنت حاضراً ذاك المساء عندما جمعوا أجزاءها على قطعة قماش
وجدوا يداً يمنى ثم حاولوا تركيبها في مكانها المخصص فلم تكن على مقاسها,( هكذا هي المجازر لا تأتي على هوانا )

هل ترغب بالعودة يوماً ؟
كلنا نريد العودة إلا أنها صارت دعابة سمجة
هل ترغب بإضافة أقوال أخرى ؟
من حيث أتيت لا يمكننا إضافة أي شيء إلى شيء سوى السكر إلى الشاي

هنا
تعلمت مبكراً أن مفردة (المسافة) ليست عائقاً أمام مفردة ( العودة )
وأن ( هنا ) ليست كـ ( هناك ) وأنهما ليسا مجرد اسمي إشارة
وأن ( لاجىء ) ليست صفة تلازمك فقط بل هي أسلوب حياتك
كأن تبقي حقائبك في وضعية الاستعداد
كأن تحمل الخيمة في قلبك حتى وإن عشت في قصور مشيدة
كأن تتأنى بشراء قميص آخر أو صحن آخر أو وسادة أخرى أملاً بعودة قد تسبق كل المفردات إلى سطرك

هنا
انتهكت مهناً كثيرة

صرت فلاحاً أستيقظ باكراً لأزرع أشجاراً لن أقطف ثمارها
أقطف ثماراً لا يحق لي تذوقها
أسقي زرعاً بلا محصول
وأحصد أصابع مشققة

صرت عتالاً لكنني لم أكن قادراً على حمل الاشتياق والعودة به

صرت عامل بناء لكنني لم أبن سوى مجموعة قصائد و قد تنهار في أية لحظة

صرت مدّرساً أتكئ على حروف العلة لأنهي حصتي وأقبض أجرها

صرت صحفياً، مصوراً، كاتباً،ناشطاً، بائعاً، سارقاً، متسولاً، محتالاً،عازفاً، عارفاً، خائناً، صادقاً، طائراً، هابطاً، صرت كل شيء إلا أنا.

(سبعة)

هذا الرقم يمكن أن يكون ذراعاً تغفو عليها بعض الأماني المحققة
يمكن أن يكون كفاً تنتزع أشواك الواقع من زهرة عاشقين
ويمكن أن يكون مجرد رقم عابر في نص كئيب كما حاله الآن
(سبع سنوات)
هو عمر علاقتي بهذه المدينة المستلقية على جرف صخري كما يستلقي راعي الماعز أثناء نوبة سراحته .

الآن صرت عاطلاً عن العمل وعن الأمل كذلك
فردت حقائبي
تنقلت في شوارع BiRecik خالياً مني ومليئاً بها
اشتريت كمامة وقفازين لكي أسحب إعانتي المالية من الـATM
اشتيريت بنطالين وماكينة حلاقة
اشتريت محفظة جديدة لأحافظ على ورقة حمايتي المؤقتة وعلى ما تبقى لدي من نقود
وها أنا ذا أجلس عند ضفة الفرات وأفكر
بما أنني مجرد ورقة / إن تركت نفسي للماء فهل سأصل ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: