الثلاثاء , يوليو 7 2020
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل أسمهان

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل أسمهان

هى ” صوت الكروان ” و ” أميرة الجبل ” المُطربة السورية الكبيرة و الجميلة و المُمثلة المُتميزة ” أمال فهد فرحان إسماعيل الأطرش ” الشهيرة بأسمهان تلك الفنانة التى تُعد واحدة من أساطير الغناء العربى الحديث التى استطاعت رغم حياتها القصيرة من 1912م  إلى 1944م أن تتربع على عرش الأغنية العربية و أن تضع اسمها بجوار أسماء بحجم أم كلثوم و ليلى مراد لكنها من ناحية أخرى احتفظت بموقع المُطربة الأكثر إثارة للجدل لأنها علاوة على كونها تُعد من أجمل الأصوات التى غنت بالعربية إلا أنها من أكثر الفنانات فى التاريخ تسجيلاً لحالة من الغموض الشديد فى رحيلها حتى كتابة هذه السُطور ! و قد تسبب هذا الرحيل فى إطفاء حالة من الحُزن الشديد على جُمهورها و كيف لا يحزن و هى الفنانة التى لا و لم يختلف أحدٌ على صوتها حتى يومنا هذا فلا يستطيع أى شخص بالغٍ عاقلٍ أن يسمع هذا الصوت الجميل النقى الساحر و لا يقع فى غرامه الذى شاء القدر أن تولد صاحبته فى الماء و ترحل أيضاً فيها ! و ما بين الميلاد و الرحيل كان تاريخٌ حافل من المُغامرات و التجارب و النجاحات و الإخفاقات و مُحاولات الإنتحار ! لكن كل ذلك يذهب و لا يتبقى لنا بعد كل هذه السُنون سوى صوتها الجميل و أغانيها التى كانت بصمة فريدة من نوعها فى مقامات الموسيقى العربية .. ولدت أسمهان فى 25 / 11 / 1912م على متن باخرة كانت تقل العائلة من تُركيا بعد خلاف وقع بين الوالد و السُلطات الترُكية و قد مرت العائلة فى طريق عودتها إلى بيروت ثم انتقلت إلى سوريا و تحديداً إلى جبل الدروز بلد آلـ الأطرش و استقرت الأسرة و عاشت حياة سعيدة إلى أن توفى الأمير ” فهد الأطرش ” فى عام 1924م فاضطرت والدتها الأميرة ” علياء المُنذر ” على إثر نشوب الثورة الدرزية فى جبل الدروز و انطلاق الثورة السورية الكبرى إلى مُغادرة عرينها فى جبل الدروز فى سوريا و التوجه بأولادها إلى مصر حيث أقامت فى القاهرة بحى الفجالة و هى تُعانى من البؤس و الفاقة و هو الأمر الذى دفع بالأم إلى العمل فى الأديرة و الغناء فى حفلات الأفراح الخاصة لإعالة و تعليم أولادها ” فؤاد الأطرش ” و ” فريد الأطرش ” المُطرب و الموسيقار المعروف و الذى كانت على وفاق تام مع أسمهان و هو الذى أخذ بيدها إلى عالم الفن و جعلها نجمة غناء لامعة إلى جانب شهيرات ذلك الوقت أم كلثوم و نجاة على و ليلى مراد .. ظهرت مواهب ” آمال ” الغنائية و الفنية مُبكراً مُنذ نعومة آظافرها فقد كانت تغنى فى البيت و المدرسة مُرددة أغانى أم كلثوم و مُرددة أغانى محمد عبد الوهاب و شقيقها فريد و كانت بدايتها فى الغناء مع المُلحن اللبنانى ” فريد غُصن ” و هو أحد أهم المُلحنين فى فترة الثلاثينات و كان من أهم عازفى العود و كان يعمل رئيساً لفرقة بديعة مصابنى لمُدة طويلة و قد قدم لأسمهان لحن طقطوقة “يا نار فؤادى ” و قد كانت هذه الطقطوقة واحدة من أحلى أغانى أسمهان حيثُ صنع ” غصن ” لحناً عظيماً مُستغلا طبقات صوت أسمهان المُختلفة و قدرتها على التحول بين المقامات بكل سهولة ,, و فى أحد الأيام إستقبل شقيقها فريد فى المنزل المُلحن داود حُسنى أحد كبار الموسيقيين فى مصر ” و كان وقتها فريد فى بدايه حياته الفنية ” فسمع آمال تغنى فى غرفتها فطلب إحضارها و طلب منها أن تُعيد الغناء فغنت آمال فأعجب داود حسنى بصوتها و لما إنتهت قال لها ” كنت أتعهد تدريب فتاة تشبهك جمالاً و صوتاً توفيت قبل أن تشتهر لذلك أحب أن أدعوك باسمها أسمهان و هكذا أصبح إسم آمال الفنى أسمهان و قد بدأت أسمهان منذ 1931م تشارك أخاها فريد الأطرش فى الغناء فى صالة مارى منصور في شارع عماد الدين بعد تجربة كانت لها إلى جانب و الدتها فى حفلات الأفراح و الإذاعة المحلية و راح نجمها يسطع فى سماء الأغنية العربية و قد فتحت الشهرة التى نالتها كمُطربة جميلة الصوت و الصورة أمامها باب الدخول إلى عالم السينما فمثلت 1941م فى أول أفلامها ” إنتصار الشباب ” إلى جانب شقيقها فريد الأطرش فشاركته آغانى الفيلم و فى خلال تصويره تعرفت إلى المخرج أحمد بدرخان ثم تزوجته عرفياً و لكن زواجهما إنهار سريعاً و إنتهى بالطلاق دون أن تتمكن من نيل الجنسية المصرية ! .. فى عام 1944م مثلت أسمهان فيلمها الثانى و الأخير ” غرام و إنتقام ” إلى جانب يوسف بك وهبى و أنور وجدى و محمود المليجى و بشارة واكيم و سجلت فيه مجموعة من أحلى أغانيها و شهدت نهاية هذا الفيلم نهاية حياتها أيضاً ! حيث كانت إبان فترة عملها فى فيلم غرام و إنتقام قد إستأذنت من منتج الفيلم ” يوسف بك وهبى ” بالسفر إلى رأس البر لتمضية فترة من الراحة و كان ذلك فى صباح الجمعة 14 / 7 / 1944م تُرافقها صديقتها و مديرة أعمالها ” مارى قلادة ” و فى الطريق فقد السائق السيطرة على السيارة فانحرفت و سقطت فى الترعة ” ترعه الساحل الموجودة حالياً فى مدينة طلخا ” حيث لقت مع صديقتها حتفهما أما السائق فلم يصب بأذى و بعد الحادثة إختفى ! و بعد اختفائه ظل السؤال عمن يقف وراء موتها دون جواب لكن ظلت أصابع الإتهام موجهة نحو المُخابرات البريطانية و ذلك للدور الذى كانت تقوم به أسمهان لبريطانيا و الحلفاء فى تحرير سوريا و فلسطين و لبنان من قوات ” فيشى ” الفرنسية و قوات ” ألمانيا ” النازية و ذلك عن طريق إقناع زعماء جبل الدروز بعدم التعرض لزحف الجيوش البريطانية و الفرنسية و هو ماأكده الجنرال ” إدوارد سبيرز ” ممثل بريطانيا في لبنان يومذاك بأنه يتعامل معها لقاء أموال وفيرة دفعت نظرًا لخدماتها و لكن بريطانيا تخلت عنها و قطعت عنها المال لتأكدها من إنها بدأت تعمل لمصلحة فرنسا ! كما أشارت أصابع الإتهام أيضاً إلى أم كلثوم لشدة التنافس بينهما فى ذلك الوقت و لكنه كان إتهام غير مُثبت بأدنى الإثباتات الفعلية الدامغة و العقلية و المنطقية أيضاً على الإطلاق ! كما أشارت أصابع الإتهام مؤخراً إلى جماعة الإخوان المُسلمين ! حيثُ كشف ” ثروت الخرباوى ” القيادى السابق فى الجماعة و المُنشق عنها أن مؤسس و زعيم الجامعة حسن البنا قد أمر  بالتخلُص من أسمهان بحادث سيارة حيث كانوا يعتبرونها كافرة و يحل دمها لعملها مع أعداء الوطن و اشتغالها بالغناء و سوء سلوكها ” ( و الله أعلم ) و من غريب المُصادفات أنها قبل أربع سنوات من وفاتها كانت تمر على ذات المكان التى غرقت فيه فشعرت بالرُعب لدى سماعها صوت آلة الضخ البخارية العاملة فى الترعة و رمت قصيدة أبى العلاء المعرى ” غير مجدٍ ” التى لحنها لها الشيخ زكريا أحمد و كانت تتمرن على أدائها حينذاك إستعداداً لتسجيلها فى اليوم التالى للإذاعة و قالت للصحفى محمد التابعى رئيس تحرير “مجلة آخر ساعة ” والذى كان يُرافقها ” كلما سمعت مثل هذه الدقات تخيلت أنها دفوف جنازة ! . من أشهر أغانى آسمهان ” ليالى الأنس ” و ” يابدع الورد ” و ” إمتى حاتعرف ” و ” ياطيور ” و ” أهوى ” و ” عليك صلاة الله و سلامُه ” و ” ياللى هواك شاغل بالى ” و ” ياحبيبى تعالى إلحقنى ” .. وصف موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب صوت أسمهان بأنه إلماس حين يتكسّر ( البلور المكسور ) كما أكد الموسيقار رياض السنباطى أن اسمهان هى المُطربة العربية الوحيدة التى وصلت إلى مرتبة مُنافسة أم كلثوم بنُطق العربية الصحيحة أما الصحفى محمد التابعى فقال عنها “هى حمامة مطوّقة فى قفص النغم الذهبى” و أخيراً فقد أثنى المايسترو سليم سحاب فى لقاء فضائى له على صوت أسمهان من حيث مساحته الصوتية حيثُ أكد أنه يضم كافة التصنيفات الأوبرالية للصوت النسائى ” السوبرانو ” و ” الميتزوسوبرانو  ”  فكانت أسمهان تستخدم صوت الرأس الأوبرالى المُرتفع فى منُتهى الحنان و الدفئ الإنسانى و الدقة و الذوق السليم  بأعى درجة من السلاسة و بلا أي نبرة صراخ ! ثُم تهبط  بذلك الرأس إلى أسفل بكُل مرونة و احترافية دون أن يشعُر المُتلقى بأى تغيُر أو حشرجة أو انكسار فى طبقات صوتها .. رحم اللهُ آسمهان و تجاوز عن سيئاتها و أسكنها فسيح جناته .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: