الأربعاء , يوليو 8 2020
الرئيسية / إسهامات القراء / محفوظ ناصر يكتب :كُلُه من (طائر أمغرب)!!

محفوظ ناصر يكتب :كُلُه من (طائر أمغرب)!!

على دأبي كمافي كل عصاري الأسبوع انشكحت في الشارع الرئيس امام الجامعة الجديدة في انتظار باص متجه الى الحصبة ولازمة المشتقات النفطية ومحدودية حركة المواصلات العامة طال بي الانتظار ،وبالكاد ماان لاح من بُعد باص قادم حتى تهيأالمنتظرون وتحفزون كنمور افريقية كل منهم ومنهن يمني نفسه بالظفر بمقعد وقد وصل المحروس فتشعبط المتشعبطون ولست ادري من حسن طالعي اولسوءحظي انني ظفرت بمقعد لجوار السائق باعتبار المقعد الآخر محجوزا للماءوالديلسي والقات والسجائر الخاص به وقد ابى ان يخليه لراكب ولوبمليون حسب تعبيره .كان شدقه منتفخا كمنطاد تهيأ للطيران ولازال يحشيه بمزيد من الاوراق الخضراء فيمادخان سجائر صاحبنا من فرط شراهته في الشفط يكاد يجعل من فمه مدخنة قطار .كل هذا ومقدور عليه لكن حلت المصيبة حين شغل مسجل الباص بصوت يصم الآذان من علوه حتى انه ماعاد يسمع من يطالبونه بالتوقف حين يصلون للمواقف التي ينشدونها وحين طلب منه احد الركاب ان يخفض الصوت قليلا ،ردعليه(بالمائة ريال مااشتريت الباص واللي ماعاجبه يتوكل )فلاذ الجميع بالصمت وفوضوا امرهم الى الله .والتفت اليّ (اسمع اسمع يااستاذ ماعليك من قلال الذوق )قلت (اللي بغيته مشيه المهم وصل نحنا..)قال :مادام فيها(بغيت واه)فانت من حضرموت ?اومأت براسي على مضض ،فاردف :انتم اهل ذوق وتحبون الفن .اسمع اسمع.ورحت كاظما غيظي استمع لصوت اعزكم الله حمار من حمير الفن الحماراتيين عبدالله بلاخير ،لحن مبتذل ،كلمات هابطة مسفه باعثة على الغثيان والتقزز وصاحبنا السائق في قمة الانسجام والانتشاء وكلما اوشكت (الاغنية)على الانتهاء اعادها من اول وجديد والى مسمعي تتناهى ضحكات باصوات انثوية خفيضة لاسيما كلما شرع حمار الفن الحماراتي في مدخل الاغنية بهذا الموال المسف الهابط المبتذل وراح السائق يجلد به الركاب جلدا:
انا وحبيبي ربينا في وسط مضرط
متجاسمين المودة والطبل يضرط
ارايتم اوسمعتم (شعرا)اكثر من هذا ابتذالا واسفافا ?ولكنه في الاخير ذوق حماراتي فلاغرابة !
وقد ذكرني هذا بالاصمعي حيث يقال انه نزل ضيفا على قوم فاكرموه ولما انتهى من تناول وشرب ماقُدم له عرض عليه احدهم (شعرا )ليبدي رأيه فيه وهنا بكى الاصمعي وراح ينتحب فساله القوم :ماالذي يبكيك ياشيخنا?قال والعبرات تخنقه :والله انه ليس لغريب عندكم قدرا.لوكنتُ في بلدي ماجرؤ ان يعرض عليّ مثل هذا (الشعر)ومضى لحال سبيله.
صحيح اننالم نقف على الشعر الذي عرض على الاصمعي ولكننا على شبه يقين انه لن يكون بمستوى ابتذال واسفاف ماجلدنا وصمّ به آذانناسائقنا بصوت عبدالله بلاخير .وماان وصل الباص للموقف الاخير في الحصبة حتى تنفست الصعداء وغادرت مقعدي كعصفور فر من قفص .
وكاني براسي متورما مصدعا ولكني تحاملت على نفسي لاالحق بعملي وشجعني ان وقف امامي باص متجه الى ضالتي المنشودة(التلفزيون)فصعدت والقيت بنفسي على المقعد جوار السائق وماان صعدت حتى انعشنا بترانيم عودالعملاق ايوب وشدوه العذب بكلمات الرائع الجميل علي عبدالرحمن جحّاف(عليل أمهوى/طائر أمغرب)وراحت تتراءى لي تلك المشاهد البديعة التي ابدعتها وصورتها لناقريحة جحاف وشاعريته الفذة بلهجة تهامية صميمة لذلك الجمّال الذي اغترب بعد ان عاف عيشة بلاده وغرربه من غرر ليغترب عنها وفي غربته ظل يتحنن اليها ويتذكر ايامه الخوالي الحسان النيرات فيها ويتذكر كيف كان يقطع المسافة في (امخبت)من(امخيس لاجبل راس)ويجد سلوته في هذا المشهد البانورامي الرائع الذي نفخت فيه الروح وكسته بلحم ودم نابضابالحركة والحياة شاعرية الاستاذ جحاف:
في كل أمقابله امزخم يخطر ببالي
احيد بُه غُصن ميّاس
يرقص على نغمة امشحرور بين امدوالي
يهمّس الارض همّاس
وادفع نصف عمري ونشوف غصناانثويا (يهمس الارض هماس)ان تخيل هكذا مشهد يبعث في النفس على الفرح والبهجة والانتشاء .كنت محلقا في خيالاتي ولم انزل من فضاءاتها الا حين بدت امامي معالم قريبة من جولة عمران بعيدة عن مبتغاي(التلفزيون)فطلبت من السائق ان يقف وقد ادرك من حديثي معه انني انسجمت مع النغم وتخطيت حيث ينبغي لي ان انزل وبالتالي لزاماعلي ان اعود في باص آخر خط سيره عكسي وقد ابى صاحبي السائق ان يستلم ريالاواحدا مني قائلاوابتسامة على شفتيه(بُك لك)البيس فداء أليل امهوى.
وفي طريقي على باص آخر بالخط المعاكس حمدت الله اولا انني نظفت اذنيّ بعليل امهوى من ملوثات اناوحبيبي ربينا…
وثانيا في سيري على قدمي لمبنى التلفزيون رحت اقيس على وزن(يهمس الارض هماس):
يدعس القوانين دعاس
يرفس النشرات رفاس
يقحمش الملايين قحماش
يطفش الكادرات طفاش
يطنش التوجيهات طناش
يتلبش الناس لبش
وعلى هذا المنوال قولوا ماشئتم من شواهد الحال ولكن ليس قبل الاعتذار للمبدعين الكبيرين ايوب وجحاف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: