الأربعاء , يوليو 8 2020
الرئيسية / تقارير وتحقيقات / حمادة إمام يكتب عن : حكاية القرضاوى …والحوار مع الشيطان

حمادة إمام يكتب عن : حكاية القرضاوى …والحوار مع الشيطان

فى أبريل 1990م قام بنك التقوى التابع لجماعة الإخوان المسلمين بطبع كتاب “أولويات الحركة الإسلامية فى المرحلة القادمة” للدكتور يوسف القرضاوى مفتى جماعه الإخوان المسلمين من يقرأ الكتاب يجد إجابة واضحة ومحددة للسؤال عن مدى شرعيه ومشروعية الاتصال والحوار مع الغرب بشكل عام والأمريكان بشكل خاص وهل هذا الحوار حلال أم حرام؟ والأساس الشعرى لهذا الحوار.
حيث يؤكد الدكتور القرضاوى فى ص172 من الكتاب أن الغرب هو الذى يحكم العالم منذ قرون، وهو صاحب الحضارة التى تسود دنيانا اليوم، شئنا أم أبينا، وقد حكم ديارنا، واستعمر أقطارنا مُددًا من الزمن، ثم رحل عنها كرهًا أو طوعًا، ولكنه لا يزال يؤثر فيها. وفى صنع القرار فيها من قريب أو بعيد، وتأثيره على عقول حكَّامنا وعلى إرادتهم معروف غير منكور.
ولم يعد فى وسع مجموعة من الناس أن تعيش بعقيدتها ومبادئها وحدها، معزولة عن العالم من حولها. وفى مدينة فاضلة كالتى تخيلها الفلاسفة القدماء والمحدثون، فإن ثورة الاتصالات الهائلة قربَّت ما بين أطراف هذه الكُرة التى نعيش عليها، حتى غدت كأنها قرية كبرى، كما وصفها أحد الأدباء بحق.
ولهذا كان الحوار مع الغرب فريضة وضرورة لنا، حتى يفهم ماذا نريد لأنفسنا وللناس، وأننا أصحاب دعوة لا طلاب غنيمة، ورُسُل رحمة لا نُذُر نقمة، ودُعاة سلام لا أبواق حرب، وأنصار حق وعدل لا أعوان باطل وظلم، وأن مهمتنا أن نأخذ بيد الإنسانية الحائرة إلى هداية الله، وأن نصل الأرض بالسماء، والدنيا بالآخرة، والإنسان بأخيه الإنسان، حتى يحب كل امرئ لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، وحتى تبرأ البشرية من “داء الأمم” الحسد والبغضاء، فإنها “الحالقة” ليست حالقة الشعر ولكنها حالقة الدين.
نعلم أن الغرب لا زالت تحكم تصوراته لنا وفكرته عنا، مواريث سوداء لوَّثت فكره وقلبه من جهتنا، ورثها منذ عهد الحروب الصليبية، ولم تفارقه فى الأعم الأغلب إلى اليوم.


وقد اعترف بذلك كثير من مفكريهم الأحرار والمنصفين.
ومع هذا لا نيأس من الغرب ولا ننفض اليد من جدوى الاتصال به والحوار معه، وإن اختلفت حضارتنا وحضارته، وهل يكون الحوار إلا بين مختلفين؟ فليكن حوار الحضارات كما سماه المفكر المعروف “رجاء جارودي”، حوار الحضارات بدل صراع الحضارات.
وما لنا لا نحاوره وقد سَنَّ لنا القرآن سُنَّة الحوار مع المخالفِين، وجعل ذلك إحدى وسائل الدعوة إلى الله.
وأكثر من ذلك أن القرآن الكريم ذكر لنا حوار رب العزة  مع شر خلقه إبليس، ولم يغلق فى وجه هذا اللعين باب الحوار، وأى حوار؟ حوار مع رب العالمين.
وليكن هذا الحوار مع الغرب على أكثر من صعيد
على الصعيد الديني.
وعلى الصعيد الفكري.
وعلى الصعيد السياسي.
***
الحوار السياسى مع الغرب:
ولا بد للحركة الإسلامية – بعد الحوار الديني، والحوار الفكرى – من حوار آخر مع الغرب: حوار سياسي، مع رجال السياسة، وصنَّاع القرار، الظاهرين والمستترين.
وأعتقد أن الحوارّيْن السابقين يمهدان لهذا الحوار الجلل. فالكنيسة وإن عُزِلَت رسميًا عن التدخل فى السياسة – لا يزال لها وزنها فى التأثير على رجال الدولة ولا زالت أصابعها تعمل من وراء ستار فى شئون السياسة الخارجية، وبخاصة ما يتعلق منها بالإسلام والمسلمين.
والمستشرقون وإن بدا عملهم أكاديميًا، لهم صلات لا تخفى – أو لكثير منهم – بأجهزة الاستخبارات والأمن القومى ووزارات الخارجية.


وهناك مَن يوئس من كل محاولة لحوار سياسى مع الغرب، ومَن يردد قول الشاعر الغربى القديم: “الشرق شرق، والغرب غرب، ولا يلتقيان”!
ولكن رأينا الغرب التقى مع الهند، والتقى مع اليابان، بل التقى أخيرًا مع الصين!
ويقول آخرون: إن الغرب يمكن أن يلتقى مع الهند والصين واليابان، وبعبارة أخرى مع الهندوس والبوذيين والشيوعيين، ولكنه لا يلتقى مع المسلمين، وقد يستدلون لذلك بأقوال لمبشرين ومستشرقين وساسة، عبَّروا عن حقدهم على الإسلام بعبارات تقطر سمًا.
وهناك مَن يسيء الظن بكل مَن يحاول الاتصال بالغرب أو الحوار معه بأى صورة من الصور، ومَن يستغل أى نوع من هذا الاتصال ليقذف أصحابه بالتهم الجاهزة: العمالة والخيانة.. إلخ… ولا ننسى هنا ما لقيه الرجل المجاهد الصلب الأستاذ حسن الهضيبي، المرشد الثانى للإخوان المسلمين، من جراء اتصاله بمستر “إيفانز” وقد كان ذلك بعلم رجال الثورة المصرية ورضاهم، ثم لم يلبثوا أن اتخذوا سلاحًا ضده، وأداة للتشويش عليه وعلى الحركة ورجالها وسياستها!
وهذا ما ينبغى أن ندركه، ونحسب حسابه، ونعرف كيف نحتاط له، ونحترس من استخدامه ضد الحركة مكن خصومها.


وهنا لا أنكر أيضًا أن عُقَد الحقد على الإسلام، والخوف من الإسلام وأمته، لا تزال تحكم عامة الساسة فى الغرب، ولا زالت ذكريات اليرموك وأجنادين وشبح الحروب الصليبية، وفتوح العرب والعثمانيين، وأسماء خالد بن الوليد، وطارق بن زياد، وصلاح الدين، ومحمد الفاتح، تقلقهم وتفزعهم.
ومع هذا لا ينبغى أن تحكمنا نحن عُقْدة الخوف من هذه العُقْدة، ولا بد من كسر الحواجز النفسية، ومحاولة التحرر من العُقَد قديمها وحديثها.
وقد تقاربت أوروبا على ما كان بينها من حروب ودماء، وثورات، وتوشك أن تكون دولة واحدة فى الأمد القريب.
وتقارَبَ الأمريكان والسوفييت، وزال ما كان بينهما من حروب ساخنة وباردة.
فلِمَ لا يجوز التقارب مع المسلمين؟
إن منطق الغربيين معروف: إنه لا توجد صداقة دائمة، ولا عداوة دائمة، إنما توجد مصالح دائمة.
ولا مانع عندنا أن ننطلق من مبدأ رعاية المصالح المشتركة بيننا وبين القوم.
واعتقد أن مصلحة الغرب ألا يعادى ألف مليون من المسلمين، وأن يكسب ودعم واحترامهم وثقتهم.
ومن واجبنا نحن أن نعمل على تحسين صورتنا عند الغرب، الذى كونها عنا خلال صراعات مريرة، لم تمح من ذاكرة التاريخ، دخلت فيها المبالغات والأساطير.
ولا نجحد أن من بيننا أناسًا لا يقدمون صورة حسنة للإسلام، لا من جهة فكرهم، ولا من جهة سلوكهم.
فهم يقدَّمون الإسلام فى صورة العنف والتشدد والصدام الدموى مع الآخرين، وإهمال شأن الحريات، وحقوق الإنسان، ولا سيما حقوق الأقليات، والنساء.
وربما ساعد على ذلك ما هو واقع مشاهَد فى كثير من بلاد المسلمين، مما قد يُظَنُ أنه بعض ثمار الإسلام وأحكامه.


هذه الأوهام المستقرة لا تزول وحدها، ولا تزول بين عَشيَّة وضُحاها، إنما يمكن أن تزول بحوار صادق النية، طويل النَفَس، قائم على المكاشفة لا المراوغة، على الاستقامة لا الالتواء، وإن كان هذا فى دنيا السياسة أمرًا مستبعَدًا، ولكنه ليس بمستحيل، فلم يعد فى السياسة اليوم أمر مستحيل.
إننا إذا أقنعنا قادة الغرب والمؤثرين فى سياسته بحقنا فى أن نعيش بإسلامنا، توجهنا عقيدته، وتحكمنا شريعته، وتقودنا قيمه وأخلاقه، دون أن نبغى عليهم، أو نُضمر سوءًا لهم، نكون قد قطعنا شوطًا كبيرًا فى سبيل الوصول إلى هدفنا فى إقامة المجتمع المسلم الذى ننشده فى أوطاننا.
فمما لا شك فيه أن أول ما يعوقنا فى طريق هذا الهدف هم حكَّامنا الذين يقفون لنا بالمرصاد، ويقاومون كل توجه لتحكيم الإسلام فى الحياة: الاجتماعية والسياسية والثقافية. وأن أكبر ما يؤثر على حكَّامنا هو الغرب ورجاله وساسته، بالتنفير من الإسلام، والتخويف من دُعاته، والتشكيك فى حركاته، بالتصريح حينًا، والتلويح أحيانًا. وبالطريق المباشر تارة، وغير المباشر طورًا.
لهذا كان إقناع الغرب بضرورة ظهور الإسلام موِّجهًا وقائدًا، لو أمكن، اقناعًا لحكَّام العرب والمسلمين بالتالي، وفى ذلك كسب كبير.


الدكتور يوسف القرضاوى لم ينسى أن يذكر فى مقدمة كتابه أن يقول “أود أن أشير هنا إلى أمر مهم وهو أنى أريد بالحركة الإسلامية الحركة بمعناها العام ولا أقصد حركه معينه وأن كان أكثر تمثيلى بحركة الإخوان المسلمين لأنها الحركة التى نشأت فيها وعشت محنها ومنحها وخبرت الكثير من أحوالها قرابه نصف قرن من الزمان.
وإذا كان الدكتور القرضاوى قد حدد الأساس الشرعى للحوار مع الغرب بشكل عام والأمريكان بشكل خاص على المستوى الدينى والفكرى والسياسى فإن جماعة الإخوان من جانبها وضعت منفستو أو منهج التعامل مع الأمريكان هذا المنهج كشف عنه بالمصادفة أثناء التحقيق فى القضية رقم 136 لسنة 1995 حصر أمن دوله عليا والتى عرفت إعلاميًا “سلسبيل” واتخذ منفستو الإخوان لحكم مصر اسم وثيقه التمكين وتحت عنوان “القوى الخارجية المعادية أمريكا والغرب” جاء بالنص أن التعامل معهم يبدأ بمرحلة التعايش وذلك باقناعهم أنه من مصلحتهم التعامل مع القوى الحقيقة لأبناء المنطقة وأن الأخوان كقوة تتميز بالاستقرار والأنضباط على أن التعامل مع الغرب يمر بمرحله التحييد وذلك بإشعار الغرب أنه من مصلحتهم عدم الإضرار بنا لأننا لا نشكل خطر عليهم ما داموا لا يعوقون جهود التمكين وفى الوقت ذاته أننا نملك “الإخوان” أو نستطيع التأثير على مصالحهم إذا ما وقفوا ضد جهود التمكين.
وآخر مراحل التعامل مع الغرب والأمريكان هى مرحله تقليل الفاعلية وذلك بتقليل أخطارهم بالتأثير المباشر على مصالحهم وإضعاف تأثير مؤسساتهم فى التأثير على اتخاذ القرار لمصلحتهم على أن يتم الاستفاده بالبعد الخارجى كلما كان ذلك ممكنًا.

الصورة السابقة والرؤية السابقة كانت من زاوية رؤية الإخوان المسلمين وأستكمال الصورة لرؤيتها متكاملة يبدأ من ناحية موقف الأمريكان من الحوار والأتصال بالإخوان وهو الأمر الذى يتطلب بالضرورة الوقوف على حقيقة الموقف الأمريكى من الإسلام والمسلمين وهو الموقف الذى يرتبط معرفته وفهمه تفكيك المدركات الأمريكية أولا عن الإسلام حتى يكون ذلك مدخل طبيعى وممر آمن لفهم السياسة الأمريكية وما إذا كان هناك إمكانيات صدام أم فرص تعايش خاصة وأن تجاوز الصورة النمطية عن العداء بين أمريكا والإسلام والمسلمين يكشف تباين مدركات الأمريكان سواء على مستوى النخبة والثقافة الشعبية وكذلك مسئولى الإدارة الذين يمثلون رئيس الجمهورية ومساعديه وأركان الدولة.


فالصورة من ناحية النخبة منقسمة ما بين مجموعة تروج للصدام والعداء بين أمريكا والغرب والإسلام والمسلمين وفى مقابل ذلك توجد مجموعة أخرى تؤمن بالتفاهم والتعايش.
وعلى مستوى الثقافة الشعبية والأمريكية فهى ثقافة هوليودية لا ترى فى المسلم سوى شخصية البدوى الهمجى المعادى للحضارة.
أما على مستوى الإدارة الأمريكية فالرؤية أكثر وضوحًا وواقعية. ويحكمها منطق نفعى بحت يقوم على فكرة المصالح أولا وأخيرًا حيث يرى هذا الفريق أن الإسلام والمسلمين فى حاله توافق مع القيم الأمريكية وبالتالى فإن السياسة الأمريكية تجاوزت فريق الصدامين وأصحاب الثقافة التليفزيونية اعتمادًا على قاعدة المصالح التى تمثلها المصالح البترولية والدول الإسلامية الحليفة لأمريكا والمسالمة لإسرائيل.
وقد وصل الأمر إلى حد أن السياسة الأمريكية واعتمادًا على المصالح تناقضت مع القيم الأمريكية إذا تحالفت مع قوى إسلامية ونظم حكم دينية فى العالم الإسلامى لمحاربه نظم قومية “نظام عبد الناصر” ومصدق فى إيران أو لمحاربه الشيوعية تمويل وتدريب المجاهدين الأفغان.
فالمصالح تتلاقى وتتباعد وعند نقاط التلاقى نستطيع أن نكشف بسهولة الاتصالات والحوارات واللقاءات وماذا قدم الأمريكان والمقابل الذى حصلوا عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: