الجمعة , أغسطس 14 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / قراءة انطباعية بقلم الأستاذ وليد كاف في نص : طَرْقُ الْفَرَاغِ للشاعرة تغريد بو مرعي

قراءة انطباعية بقلم الأستاذ وليد كاف في نص : طَرْقُ الْفَرَاغِ للشاعرة تغريد بو مرعي

قراءة انطباعية بقلم الأستاذ وليد كاف في نص : طَرْقُ الْفَرَاغِ

مغادرَةٌ للزمان والمكان من النادر أن تحصل…. أو قُلْ إنها لا تحصل أبدا إلا في ذهن قلق وقلب أهمه ما يرى حوله فهو ينشد النجاة من
أحوال الارض
ومن أفلاك السماء
……إن لغة تؤدي هذا المشهد ، لابد أن يختلط بها شيء من الذهول ، وتعبرها بامتياز دهشة من النوع الثقيل
…هل جلست يوما مع اللاشيء…
هو جلوس مع اللا شيء اذن..
وحتى تجلس معه لابد أن تكون مما يقارب شكله أو جنسه ، فتمنح نفسك فرصة أن تكون لا شيئا
..تقول الفاضلة :
… وأنت كالأبله….
وتقول:
تتوقف عقارب الساعة
وتقول:
يختفي الوقت
وتقول:
ويختفي المكان !
وتتّبِعُك فتخبرك بما يوحَى الى الغيب …
…”ويكأنه أوحي الى الغيب أن اتخذ من المكان آية ليل …”
ستوصلك الكاتبة الى أن تقارب المشاهد التي ترسمها لك ….
…فأولا ..:
.ضياع كل سمة للحياة إذ
. انت كالأبله لا أنت تشعر بالحياة ، ولا أنت مع من مات.. فالوقت يختفي ويختفي المكان
…وثانيا :
سؤال يخطر لك ..لماذا تكرر الفاضلة كلمة يختفي وكأن حرف العطف يغني عن ذلك
هل هو الأسى الذي تغلغل في صدر الفاضلة فاتخذ له هناك مكانا
ام أن اليأس من الوجود وموجوداته رفع درجة الحماسة عندها فأعادت ذكر الفعل يختفي مرة ثانية لتؤكد على الاختفاء وتؤكد على العدمية التي تتخذها عنوانا لها
…وثالثا
…اذا اطمأنت الكاتبة الى ( العدمية) التي ستتوقف عندها لتفوز بها وتعرف الى أنها وظفتها كما ينبغي
سترسم الصورة الأوسع إيلاما والأكثر تعذيبا..
.. فهي تستعير مفردة
يندر ورودها ….استعمالها مقلق فتورد على مسامعك كلمة :
…… (ويكأنه )
لتذهب بك إلى قارون وقومه عامدة تذيقك بعض ما شعروا به وهم الفقراء يشاهدون الترف والمال والذهب والمفاتيح التي ينوء أولو العصبة بها
هذا مقصد الفاضلة فلا نقبل لها اعتذارا أبدا ولا نمكنها من العودة عما قالت….
ثم تتابع فتقول
“أوحى الى الغيب أن اتخذ من المكان آية ليل …
هذه عبارة كثيفة جدا
ومرعبة جدا
ففيها غيب يوحَى إليه مع إغفال الموحِي
وأمر له أن يتخذ آية من ليل يستلبها من المكان…!
…تنشأ المخاوف في فؤادك الذي أهاجه ما تقدم من المعاني فتنبعث صورة الغيب …!
فهل أنت قادر على أن تتصور للغيب شكلا …؟
إن المرء يتصور شكل ما يراه ، أما أن يتصور شيئا لا يراه فهذا مرعب..! ثم عليه أيضا أن يتصوره مطيعا للأوامر فهو ينفذ ما يطلب منه.. يغدو لاتخاذ آية من ليل ….وأيا ما كان الأمر فمن غير الممكن ان نتصور غيبا يسمع الأوامر ويهز رأسه معلنا فهمها ويستدير بجسده المبهم ذاهبا لتنفيذ المطلوب
…كفى بنا خوفا أن نعابن مشهدا مرعبا…!!
يتدلى الفزع من أركانه كلها…!
يوزع الغرائب بسخاء فيما حولنا…!
….لن يمضي هذا اليوم بسلام إذا اجتهد أحد في تجسيد هذا المشهد
فالأفضل التوقف هنا …
والاكتفاء بهذا الأثر الذي استولى بجدارة على النفس وجثم بثقة على القلب
تحية للفاضلة زادت في رعب أنفسنا
تحية للفاضلة تبتسم هناك لأنه اشتدت مخاوفنا…

****”””””*****
طَرْقُ الْفَرَاغِ

هَل جلستَ يومًا مَع اللاشيء !
هَكَذَا وجهًا لِوَجْهٍ ، أصابعكَ تَنْقُر عَلَى حافّةِ مَلاَمِحِهِ ، وَهُوَ فِي غفلةٍ عمّا تَفْعَل ! ؟
هَل نظرتَ يومًا إلَى فَمِهِ الْفَارِغ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ بِدُونِ صَوْتٍ وأنتَ كالأبله تَسْتَمِع وتستمع دُونَ أَنْ تَفْقَه ما يقول ! ؟
لِنفترِضْ أنَّكُمَا جَلستُما فِي وَقْتٍِ مَا ، فِي مَكَانٍ مَا ، لِنفتَرِضْ أنَّكُمَا فِي لَوْحَةٍ لِبِيكاسُو ، هُوَ عَلَى يَمِين اللَّوْحَة وَأَنْتَ عَلَى يَسَارِهَا ، هُوَ مِنْ مَكَانِهِ يَدْعُو مِنْ دُونِكَ ، وَأَنْتَ تَنْظُر مُسَخَّرًا فِي جَوِّ السَّمَاءِ .
وَفِيمَا أَنْتُمَا عَلَى هَذَا الشَّكْلِ ، تَتَوَقَّف عَقَارِبُ السَّاعَةِ فيختفي الْوَقْت ويختفي الْمَكَان !
كأنَّكُما فِي عُهْدَة السَّرَاب ، و يْكَاَنَّهُ أُوحِيَ إلَى الْغَيْبِ أَنْ اتَّخِذْ مِنْ الْمَكَانِ آيَةُ لَيْلٍ .

لَا أَلُومُكَ ، رُبَّمَا أخذكَ فِي دَوَرَانِهِ الإِهْليجِيْ ، كَذَلِكَ لَا أَلُومُهُ ، هُوَ يَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ دائمًا دُونَ قَصْدٍ وَدُون سابِقِ إِنْذارٍ !

لَو تحدثُ مُعْجِزَةً مَا ،
بعيداً عَن الخُرَافَة وأساطِيرِ الْأَوَّلَيْن ،
لَو يَتَوَقَّفُ الْوَقْتُِ قَبْلَ توقُعاتِ المُنَجِّمِينَ ،
لَو تتصادمُ الْأَفْلَاكُ وَالْكَوَاكِبُ خارجاً عَن مقياسِ رِيخْتِر ! ! !
لَو أُغْمِضُ عَيْنِي فَقَط ، وَلَا أَرَى اللاشيء فِي اللاشيء !
لَرُبَّمَا يُنجِبُني الزَّمَكان مَرَّةً أُخْرَى ، فَأَكُونُ آيَةُ النَّجَاةِ وَالْخَلَاص ! !
لَرُبَّمَا نُعِيدُ تَشْكِيل السَّمَاء بِنُطْفَةٍ مِن أَمْشَاج ، وَنَتَمَسَّكُ بِحَبْلٍ سِرِّيٍ يُوصِلُنا إلَى السّديِم ! !

لَوْ قَدَرَ وَنَام جَوْفُ اللاشيء ، وَلَمْ يَصْحُ كَمَا أَهْل الْكَهْف ، لَو يَغْرَق كَمَا غَرَقَ قَوْمِ نُوحٍ فِي الطُّوفَان ! !

لَو يَحدثُ حُزْنٌ مَا وَيُنقِذُ تربتي مِنْ الْخَوْفِ وَالْقَلَق ! !
ثمَّ بذريعةِ الْمَوْت ، ينهال الشَّيْء عَلَى اللاشيء ، وَيَمْلَأ ثُقُوبُ الْفَرَاغَات ، ويموتانِ مَعًا فِي رقصةٍ جنائِزِيَّةٍ .

وَكَي تَطْمُرَ هوّة الْمَوْت ، تَخْلَع لِبَاسُ اللاشيء وتمزق رِدَاءَه ، وَتَهِيمُ فِي حَنْجَرَةِ الصَّمْت ، فتتمزق الْسِنَةُ الشَّرَايِينِ وتترنّح الْمَسَافَات بَيْنَكُمَا !
فِي لَحْظَةِ سَرَابٍ ، قَد تختلي بِهُجْرانِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ ، قَد تَمُوت سِتُونَ قبرًا وَتَتَسَاقَط فِي صَحْرَاءَ جَدْبٍ !

تُحاوِلانِ التَّمَسُّك بشعرةٍ مِنْ حَدِيثٍ مُبْهَمٍ ، أَو بِجَديلَةٍ مَنْ صَمَتٍ هَارِبٍ ، أَوْ بِطَيْفٍ مِن أَطْيافِ الظِّلّ !
تَسْقُطَانِ معًا ، تَتَساقَطانِ معًا ، يُلاحِقُكَ وَتُلاحِقُهُ ، كَأَنَّهُ مَفْتُونٌ بِكَ وأنّكَ مفتوقٌ مِنْ فِتْنَتِهِ !
تَتَجادَلانِ معًا ، تَطْرُقانِ السَّمْعَ لِهَفْوَةٍ نَزِقَةٍ ، يُجِيد الطَّرْقُ عَلَى بَابِ نبضِكَ ، وَنبضُكَ لَا يُجِيدُ غَيْرِ طَرْقِ الْفَرَاغ !

#تغريد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: