الأحد , أغسطس 9 2020
الرئيسية / إسهامات القراء / محمد موسي يكتب :المبالغة في المديح و التجريح

محمد موسي يكتب :المبالغة في المديح و التجريح

طفل ضعيف البنية ضعيف السند في قرية ضعيفة الإمكانيات ضعيفة التعليم .
الطفل قليل الكلام كثير التأمل ، ينتظر المحيطين به أول إصدار لكلماته ، للحكمة التي تنبت من بين أسنانه .
إذا تحدث سمعه الحاضرين و إذا قال فقوله الصدق .
شهرته بالحكمة عززت فيه الصمت و التركيز و التحليل .
شهرته بالصدق حببته في الصدق و الإصرار عليه و عدم الوقوع في مستنقع الكذب .
شهادته في أي خلاف بين أمه و جدته هي القول الفصل و حكمه واجب النفاذ .
كل العائلات المحيطة تتمنى أولادهم مثله .
تفوق في الابتدائية بين جموع أقرانه المتسربين من التعليم ،
تفوق في الإعدادية بالقدر الذي مكنه للالتحاق بالثانوية العامة دون وساطة ولا تحايل .
تفوق في الثانوية العامة بالقدر الذي مكنه من دخول أحد كليات القمة .
لم يعد المتربع على عرش التميز بلا منازع كما كان في قريته ، في كل مرحلة يصعد إليها كان يجد متميزين امثاله يذوب بينهم شيئا فشيئا ، و يجد من يتقدمه بخطوة فخطوتين ، ثم تزيد الخطوات .
لكنه كلما زاد حوله المتميزين زاد الفضاء الذي يتسع لهم جميعا ، وظلت مكانته في قريته كما هي بل تزداد ، فكلما تعلم أكثر و زادت حصيلته ، زادت المسافة أكثر بينه و بين أقرانه في قريته .
زادت ثقته بنفسه حتى صار على حافة الغرور .
انتهت دراسته الجامعية ، بدرجة جيدة من التفوق و درجة جيدة جدا من الاستيعاب و درجة ممتازة من خبرة الأداء مقارنة بأمثاله .
ككل دفعته و جيله ، تعلقت عيناه على إعلانات الوظائف الخالية ، للخريج حديث التخرج .
وجد الإعلان الذي يناسبه في شركة كبرى تحت التأسيس و مطلوب فيها حديثي التخرج ، و حديث التخرج لا يشترط غير المؤهل الجامعي دون أي سابقة أعمال أو خبرات .
ذهب في الموعد و المكان المحدد للمقابلة ،
زحام في المكان و طالبي العمل .
من بين المتقدمين من له خبرة خمسة و ستة سنوات رغم وضوح الإعلان بأنه لحديثي التخرج .
مطلوب أقل من عُشر هذا العدد المتقدم للوظيفة .
ما قفذ إلى ذهنه أن فرصته تكاد تكون منعدمة بين أصحاب الخبرة القابلين للوظيفة .
لكنه كطبيعته آثر خوض التجربة لآخرها ، فقد جاء للمكان ولم يبق إلا دخول الإمتحان، و أي كانت النتيجة فهو كسبان ، الوظيفة أو معرفة كيفية هذه المقابلات التي يخوضها للمرة الأولى .
الجميع كان يسأل كل من يخرج من غرفة المقابلة عن نوعية الأسئلة و ما حصل عليه من تقدير .
كانت التقديرات تتراوح بين السبعين و الثمانين بالمئة لكل من تم اختبارهم .

جاء دوره .. دخل إلى الغرفة الواسعة متعددة المكاتب ، كلهم موظفين منغمسون في أوراقهم و أعمالهم .
من يمتحنه في الأربعينات ، في ضعف عمره ، و ترك الجامعة من تاريخ مولده .
بدء الممتحن يسأل و هو يجيب ، سؤال تقابله إجابة بوضوحٍ ثبات و ثقة ، يزداد الممتحن انبهارا فيزيد من عمق الأسئلة، و يطرب مسامعه بكلمات الثناء .
حتى أنه سأله سؤال يحتمل عدة إجابات تعتمد على تفاصيل يجب إضافتها للسؤال، فأجابه سؤاله بسؤال ،
قفز الممتحن من مقعده مبهورا ،
بادره الشاب ، لماذا هذا الإنبهار و أنني سألت حضرتك و لم أجيب .
قال الممتحن عشرات قبلك لم يدركوا أصلا أن للسؤال بقيه لا يمكن إجابته بغيرها .
انتهى الامتحان بنداء الممتحن على كل من في المكتب ليعرفهم على زميلهم الجديد ، العبقري فلتة عصره و أوانه.
قال الممتحن لو منحتك تقدير مئة بالمئة كان هذا كمال ، و الكمال لله و قد أقع في الشرك ، لكنني أمنحك خمسة و تسعين بالمئة .
سأل الشاب و هو يحلق في سماء الغرور ، و كم المرتب ..!!؟؟
أجابه الممتحن الخبير بأساسي المرتب الذي يعادل ثلاثة أمثال مرتب الحكومة ، ثم واصل أن هناك مكافآت تصل إلى ربع أو ثلث هذا الأساسي .
نفخ شيطان الغرور في أذن الشاب فاعتدل في جلسته و قال تعلم انني ليس كالآخرين ، و راتبي يجب أن يزيد في الأساسي بمقدار الثلث .
فطن الخبير لغرور الفرخ الصغير .
قال أشهد بأنك تستحق و زياده ، لكنه خارج حدود صلاحياتي، و سنتصل بك ( إن شاء الله ) .
مر يوم و يومين و ثلاثة .. اتصل الغِر بالخبير الذي لم يذكره ، ذكّره الشاب بنفسه فاعتذر له أنهم اخذوا بعض المتاح أمامهم و سنتصل بك لاحقا لو احتجنا للمزيد ( إن شاء الله ) .
تكرر الاتصال و تكرر الرد .. حتى وصل المغرور للحقيقة ، لقد نسوا عبقريته ..!!
تابع الإعلانات ، و المقابلات ، و الإخفاقات ، حتى أنه لم يتكرر على آذانه ما سمعه من مديح و إطراء طيلة حياته ،
إنه كأي أحد، كالملايين أمثاله .
لم يعتاد هذا الإحساس ، تسرب إليه اليأس ، تأزم نفسيا .
لقد جنى عليه مادحوه ، لقد نفخوا في نيران غروره حتى أحرقت بساتين تفوقه .
لقد ناله الكثير من التجريح و السخرية ممن كان يباهيهم بتفوقه ، كثرة المديح الذي اعتاده زادت من آلام التجريح الذي ناله .
مرت الايام كأنها سنين و هو ينتظر رحيل النحس ليتخلص من اليأس ، حتى ارسله قريب له لجهة له فيها معرفة ،
بلا امتحان ، و بلا استعراض لعبقرياته ، وبلا اعتراض منه ،
تم تعيينه للعمل بأقل من نصف ما أعترض عليه ، و بثلث ما كان يطلبه .
ضبط معيار الغرور ، خير من خير يغور .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: