السبت , أغسطس 15 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / هاني شادي يكتب : مأزق النظام السياسي الروسي

هاني شادي يكتب : مأزق النظام السياسي الروسي

يكمن مأزق النظام السياسي، الذي أسسه بوتين منذ ورثه الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين الحكم نهاية التسعينيات من القرن الماضي، في ترسيخه لنموذج “الديمقراطية الموجهة”، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على مفهوم ” الزعيم الأوحد أو زعيم الأمة “، الذي يتحكم في كل شيء عبر حاشية تعاونه في بلوغ درجة عالية من السيطرة والتحكم في السياسة والاقتصاد والمجتمع ككل . ونجح بوتين في بلوغ مثل هذه السيطرة خلال ولايتين رئاسيتين ( 2000 ـــ 2008 )، وخلال فترة توليه رئاسة الوزراء في عام 2008 ، وذلك بفضل الأسعار المرتفعة لتصدير النفط والغاز، وبفضل تقوية السلطة المركزية واستمالة طواغيت المال وإخضاع وسائل الإعلام، وتحويل البرلمان إلى هيئة فنية خاضعة للكرملين عبر سيطرة حزب السلطة( حزب روسيا الموحدة ) عليه. ويتسم نموذج “الديمقراطية الموجهة ” بدرجة عالية من استشراء الفساد والمحسوبية والتوزيع غير العادل للثروات والدخول. ففي نهاية عام 2011 ، وبحسب تصنيف منظمة الشفافية العالمية، كانت روسيا في مركز متقدم بين دول العالم التي يستشري فيها الفساد، حيث احتلت المركز 154 من أصل 178 دولة بجوار الكونغو . وقد اعترف بوتين، ومن بعده ميدفيديف، في تصريحات كثيرة بعدم القدرة على محاربة الفساد في روسيا. وبالرغم من ارتفاع مستوى الدخول والمعيشة أثناء الولايتين الرئاسيتين الأولى والثانية من حكم بوتين بفضل ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، إلا أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء في روسيا تتزايد بشكل دائم، ويقدرها البعض حاليا بعشرين مرة على مستوى البلاد ككل، وبخمسين مرة على مستوى العاصمة موسكو. وتتزاوج السلطة مع المال بشكل كبير في روسيا، ولا يتجلى ذلك في سيطرة رجال بوتين على القطاعات الأساسية للاقتصاد الروسي فحسب، وإنما يتجلى أيضا في احتلال أبناء الوزراء والمسؤولين الكبار مناصب مهمة في الشركات والمؤسسات المالية الكبرى في البلاد. ويتضمن نظام ” الديمقراطية الموجهة ” بعض الحريات والحقوق، التي تُستخدم في الأساس للاستهلاك الخارجي أمام الرأي العام الدولي وللإستهلاك الداخلي أمام قوى المعارضة، التي يعمل نظام الديمقراطية الموجهة على إضعافها باستمرار. إن نظام ” الديمقراطية الموجهة ” في روسيا غرس بذوره الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين، عندما قصف البرلمان في عام 1993 بالدبابات، وأقر دستورا جديدا يمنحه صلاحيات قصوى في مواجهة السلطة التشريعية، وعندما شاب التزوير الانتخابات الرئاسية لعام 1996، التي فاز بها يلتسين ليستمر لولاية رئاسية ثانية بمساعدة المال السياسي وبدعم من الدول الغربية، وأخيرا عندما ورث الحكم لفلاديمير بوتين في نهاية عام 1999. وجاء بوتين ليرسخ “الديمقراطية الموجهة” في روسيا على مدار السنوات الأخيرة، حيث ورث الحكم لدميتري ميدفيديف المقرب منه، ثم استعاد العرش الرئاسي من جديد في مارس 2012 . وتتنوع التقييمات والآراء حول طبيعة “الديمقراطية الموجهة ” في روسيا. فالباحثان الروسيان الكسندر تسيبكو وسيرجي ماركوف ( المؤيدان لبوتين ) يعتقدان بأن نظام الديمقراطية الموجهة يتسم بطابع انتقالي على الطريق من النموذج السوفيتي إلى المجتمع المدني . ويدافع هذان الباحثان وغيرهما عن ” الديمقراطية الموجهة “، التي رسخها بوتين، على اعتبار أنها ضرورية لحماية مصالح الدولة وتحديث روسيا والحفاظ على وحدة الدولة الروسية. ويبدو أن استخدام مصطلح ” الديمقراطية الموجهة” لوصف النظام في روسيا قد أزعج بوتين والنخبة الحاكمة كثيرا، ولذلك نرى فلاديسلاف سوركوف ( نائب رئيس ديوان الكرملين المقرب من بوتين في عام 2006 ) يطرح في مواجهة”الديمقراطية الموجهة ” مصطلح ” الديمقراطية السيادية “، الذي يعني الديمقراطية التي تدافع عن استقلال ومصالح الدولة وغير المفروضة من الخارج . ويرى الباحث الروسي، فيتالي تريتياكوف، ” أن نموذج الديمقراطية الموجهة، الذي حل محل الديمقراطية “المسخ” في عهد يلتسين، يشكل نموذجا سلطويا ممزوجا بمسخ ديمقراطي يتجلى في شكل جمهورية رئاسية وفي صورة دولة بيروقراطية فادحة الفساد”. ويقول ” إن مثل هذا النظام قد يتحول إلى الاستبداد المباشر والصريح، أو ينتقل إلى الديمقراطية الدستورية الحديثة”.

مقاطع من كتابي ” التحول الديمقراطي في روسيا : من يلتسين إلى بوتين” الصادر عام 2013 عن دار العين بالقاهرة

%d مدونون معجبون بهذه: