الأربعاء , أغسطس 5 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / ملامح الغربة في ديوان “صليل الآه” للشاعر محمد عارف قسوم

ملامح الغربة في ديوان “صليل الآه” للشاعر محمد عارف قسوم

مصطفى عبد الفتاح

تسكن الغربة في أعماق الإنسان العربي منذ عهوده القديمة، لكنها في عصرنا الحاضر أصبحت أشد وطأة مما عهدناه، لأنها أصبحت غربة قسرية، تنزل بساح الإنسان، فتشتت شمله، وتروع حياته، وتدمر ذكرياته، فيمضي تائهاً في طريق الحياة الطويل وقد خسر كل ما يملك.

وقد حفلت معاجمنا العربية بمفردات تتحدث عن الغربة، وتصنفها، فالغَرْبُ هو الذهاب والتنحّي، وأغَرَبْتَه إذا نحّيْتَه، والغَرْبُ أيضّا هو الابتعاد عن الوطن، ويشير الجوهريّ إلى هذا المعنى بقـــــــوله “التغريب النفي عن البلاد، وأيضًا غَرَبَ، وأغْرَبَ عنّي أي تباعد”، وهــذا ما أكّـده ابن منــظور في تحــديده معنى الغربة بقوله: “الغربة والغرب: النوى والبعد، ويقـــال: أغربته وغرّبته إذا نحّيته وأبعـــدته، والتغريب النفي عـــــــــن البلد”، إذًا الغربة هي البعد والتنحّي. وورد في معجم المعاني: “الغُربة مصدر غَرُبَ، ويقال طَالَتْ غُرْبَتُهُ أي طَالَ بُعْدُهُ عَنْ وَطَنِهِ وَأَهْلِهِ، وأيضًا، وَجَدْتُهُ فِي غُرْبَةٍ أي فِي وَحْشَةٍ، ومنها: فقْدُ الأحبّة غُرْبة؛ بمعنى من فقد أحبّتَه صار كالغريب بين الناس، وإن لم يفارق وطنَه.

ونرى الكثير الكثير من آلام الغربة على مفترقات طرق الشعراء، هذا قيس بن الملوح يمر بديار ليلاه، فيبكي:

أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى             أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا

وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي        وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا

وهذا الصمة بن عبد الله القشيري تدفعه الغربة المضاعفة عن وطنه وعن محبوبته ريَّا إلى إبداع قصيدة من أعذب ما قيل في شعر الحنين:

قِفا وَدِّعا نَجْداً ومَنْ حَلَّ بالحِمى           وقَلَّ   لَنَجْدٍ عِنْدَنا أَنْ يُوَدَّعا
فلَيْسَتْ عَشِيّاتُ الحِمَى برَواجِعٍ        إليكَ، ولكنْ خَلِّ عَيْنَيْكَ تَدْمَعا

وأَذْكُرُ أيَّامَ الحِمَى، ثُمّ أنْثَنِي           على كَبِدِي مِن خَشْيَةٍ أَنْ تَصَدَّعا

ثم يأتي البيت الذي ما قرأه مغترب إلا دمعت عيناه:

كَأَنَّا خُلِقْنا للنَّوَى، وَكَأَنَّما                  حَرامٌ عَلَى الأَيَّامِ أَنْ نَتَجَمَّعَا

في هذا السياق يمكن أن نقرأ لشعرائنا المعاصرين الكثير مما كتبوه عن الغربة والاغتراب، وما عانته نفوسهم من آلام مضنية فجعلتهم يضيئون في الحياة زوايا يغفل الناس عنها، وما ذلك إلا لعمق الإحساس التي يسم الشاعر، فيميزه عن الآخرين، لكنه يعذبه بمقدار هذا التمايز.

في ديوان “صليل الآه” للشاعر محمد عارف قسوم، يستبد بالشاعر الحنين إلى الوطن الذي أصبح بالنسبة إليه هو جهات الأرض الأربع، فلا يقبل بدرب لا يؤدي إليه، ولا يسلك مسلكاً يبعده عنه، في قصيدته “أنا ابن أنا”، يقول:

فَيا وَطَناً أفيءُ إِليهِ شرقاً

وَغرباً، حيثُ لا شرقٌ وغربُ

إذا لمْ يُفْضِ بعدَ اليومِ دَرْبٌ

إِليكَ وَلم يَقُدْ، لا كانَ دَرْبُ

في الديوان نلمح تلك الهواجس المؤلمة التي تولدها الغربة؛ وهي تعبر قلب الشاعر، وهي هواجس نظرات الآخرين إليه في غربته، إنها نظرات تتوجس النفس منها، إن كانت نظراتِ الشفقة، أو نظراتِ النبذ والازدراء، ولعل كلمة “تلوكه” التي استعملها الشاعر، تُعَبِّرُ تمام التعبير عن ماهية تلك النظرات، وأثرها السيء في النفس الإنسانية، يقول الشاعر في قصيدته “صليل الآه”:

وَحِكايَةُ الوَجْهِ الغَريبِ..

تَلُوكُهُ النَّظَراتُ في المَنْفَى

وَيَطْحَنُ عَظْمَهُ البَرْدُ.

والغربة عن الوطن، هي غربة عن الأحباب الذين أَلِفَهُم القلب، واستهوتهُمُ النَّفس، ولزمتهمُ المحبَّة. في غربته ينادي الشاعر على أحبابه الذين نأت بهم الغربة، ونأت به عنهم، لعله يظفر بقربهم مرة أخرى. يقول في قصيدته “أستودع الله أحبابي”:

خذني إلى حيث راحوا، لائذاً بهمُ

واسلك بقلبي المعنى حيثما سلكوا

ولا تقل: ما لنبضي بات مرتبكاً

فبعدهم كل ما في الكون مرتبك

قد هدني شرك البلوى غداة نأوا

وكاد يقضي على آمالي الشرك

وساءني أسهم للبين طائشة

جميعها في اغتيال الروح تشترك

وتحضر مشاهد الغربة حتى في غير مظانها، فالشاعر تَشَبَّعَ بالغربة حتى باتت تطل مع كل نَفَسٍ من أنفاسه، ومع كل حرف من كلماته، ومع كل بيت في قصيدِهِ، في قصيدة “غابت سعاد” يقول الشاعر:

غابت سعاد وأهلوها قد اغتيلوا

ويوسف انقطعت عنه المراسيل

غابت ولكنها في القلب حاضرة

رهن لها عرضه الممتد والطول

إن كلمة “غابت” تقع في مدلولها البعيد موقع الغربة والاغتراب، ولم تحضر في القصيدة عبثاً، إذ حضر معها من لوازم الغربة ذلك الشوق العميق “ولكنها في القلب حاضرة”.

في قصيدة “لأجل سلمية ولأجل وجهك” كتب الشاعر مودِّعاً المبدع محمد الماغوط:

تهمي دما، شوقا إلى وطن نقشتَ على جدار الروح،

لؤلؤَ مقلتيها كالصلاة.

في هذا المقطع حضور طاغٍ للغربة في أشد متكآتها؛ إنها الغربة داخل الوطن، وقد شعر الشاعر بهذا النمط من الغربة التي لازمت الماغوط طوال حياته، لأن الشاعر الحساس عاش غربة داخل وطنه لا تقل عن غربة الماغوط، أو غربة أي من المثقفين في هذا الوضع العسير.

ويشتد الحنين إلى الوطن والتأكيد على العودة إليه مع اشتداد وطأة الغربة على النفس وعلى القلب وعلى الجسد، فالشاعر تَوَزَّعَ قلبُهُ في خيام النازحين، فعاش آلامهم، وخبر آمالهم بالعودة، فأطلقها مدوية في قصيدته “أنتِ قلبي”:

أطلقيها عاصفا يذرو خيام الذل عنا..

لم نكن سكانها يوما.. وعهدا لن نكون

أيها الأم الحنون

أطلقيها، زلزلي صمت السكون

أطلقيها: عائدون.. عائدون.. عائدون..

هذا التكرار لكلمة “عائدون” هو تأكيد على الإصرار على العودة، وتأكيد على البقاء على العهد مع الوطن رغم كروب الغربة وتداعياتها الطويلة.

في قصيدته “قاب قوس الشمس”، يعبِّر الشاعر عن غربته عن محبوبته بكلمات بسيطة لكنها تدخل القلب بلا استئذان:

هطل المساءُ،

ولم يعد إلا لعينيها يراودني حنيني.

المساء أرخى سدوله على عيني الشاعر، فتذكر المحبوبة التي نأت، فراوده الحنين إليها، وفي مواضع أخرى من قصائد الديوان نجد أثر الغربة عن المحبوبة يتحول إلى نوع من الخوف، فالشاعر يخاف الغربة المتوقعة عن المحبوبة، لأنها غربة قاسية قاتلة، قد خبرها من قبل، فالخوف من الغربة قبل أن تقع هو دليل على أن دماء الشاعر امتزجت بالغربة حتى أصبحت كينونة متجانسة لا تنفصل عراها، في قصيدته “حسناء وادي النيل”، يقول:

متمسكا بعهودها مستمسكا

ويخاف يوما أن تروح ولا تجي.

هذا الخوف من الاغتراب عن المحبوبة إن كانت الأنثى، هو من طريق آخر خوف من الاغتراب عن الوطن، فكم من أنثى أصبحت وطناً.

وتحضر الغربة مرات ومرات في مواسم مختلفة، حتى حين لا يكون الحديث عنها في سياق القصيدة، ففي قصيدته “لبهاء كأسك”، كتب الشاعر:

يا سيدي امتدت صحارى التيه ليـ

ـس سوى بوجهك في السُّرى نجتازها

فالتيه هو تعبير عن الغربة النفسية التي يعيشها الشاعر في كل لحظة من حياته، فيهطل ككلمة بين الكلمات لتعبِّر عن معنى آخر في سياق آخر، لكنها تعشش بين الكلمات، وفي ثنايا الأبيات.

وتمتزج الغربة التي يعيشها الشاعر بالغربة الإنسانية العامة، تلك الغربة التي يعيشها الكائن الإنساني على هذه الأرض، والتي تتجلى في صور شتى، وتختزل عذابات الإنسان في رحلته القصيرة فوق سطح هذا الكوكب، وهي غربة الأمة عن سياقها الحضاري الذي يليق بها لو فعلت ما وجب عليها، في قصيدة “لا تسلني من نحن؟” نقرأ:

نحن قش ولات حين حصادِ

ورماد على حطام رماد

نحن لا شيء.. غربة وضياع

وشراع يسير من غير هادِ

وتتخذ الغربة بعداً آخر في الديوان حين تصف حالة الإنسان الذي لم يجد متسعاً في قلوب محيطه الصغير، وكيف لا يشعر بالغربة من يكون غريباً عن أهله وهو بينهم؟ إنها أشد أنواع الغربة التي يعيشها الإنسان، في قصيدة “يا صامتا في حزنه”، نقرأ:

هيمان يبحث ظله عن ظله

من بعد ضيَّعه بقية أهله

أما قصيدة “يا أنت يا وطني” فتجمع بين دفتيها كل أركان الغربة والحنين والاكتواء بنيران الأشواق والألم الجارف الذي يدفع الشاعر ليعلن شكواه:

حتام تحرقني بنار الهجر..؟

تتقنني الجهات حقيبة من ماء وجهي جلدها..

زوادة عجفاء إلا من أنين؟!

وتتمطى الغربة بصلبها وتنوء بكلكلها على قلب الشاعر، فيرقب تلك النظرات الجوفاء التي ترمق الغريب في مُغتربه، غير عابئة به وهو مجدول بحزنه وكآبته على طرقات لا تعرفه ولا تعترف به ولا تعبأ بآلامه:

ما أتعس الإنسان محتَضَراً بلا جدوى على الطرقات،

تنكره عيون العابرين!

لكن جذوة الشوق لا يمكن أن تطفأ في قلب الشاعر، الشوق إلى حجارة أرضه التي يرى فيها حياة ربيعية عطرية نابضة لا تتوقف:

يا أنت يا وطني الذي..

حتى الحجارة فيك ينبض قلبها كالياسمين.

لكن رماح الغربة الطاعنة، لا تزيد الشاعر محمد إلا إصراراً على العهد الذي قطعه على نفسه:

باقٍ على عهدي،

فهل ما زال يرعى ذمتي العهد؟

إنها خطوات عابرة بين قصائد هذا الديوان النابض بالحب والألم والغربة والشوق والأمل، لا تفيه حقه، ولا تقف على كل ما فيه، وهو هطول لما ينبض في قلب شاعره، هطول يؤكد على إنسانية الشعر، تلك الإنسانية التي ربما لا تكتمل ملامحها إلا بالألم العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: