الأحد , أغسطس 9 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / قراءة نقدية بقلم الأستاذ مصطفى ربيع في نص “الناسك أتاك” للشاعر سامي مسعود

قراءة نقدية بقلم الأستاذ مصطفى ربيع في نص “الناسك أتاك” للشاعر سامي مسعود

قراءة نقدية للناقد البصير والباحث الأكاديمي الأستاذ مصطفى ربيع، بعنوان الالتفات في قصيدة “الناسك أتاك”.
فإليكموه
“الناسك أتاك”

سِحْرُكَ اليُوسُفِيُّ يَلْقَفُ سِرِّي
وَمْضُهُ يُزْجِي التِّيهَ يُلْقِي ارْتِبَاكَا

بَعْدَ لَأْيٍ، وَدَهْشَةٍ، وَذُهُولٍ
صِرْتُ أَسْتَنْشِقُ الهَوَاءَ هُنَاكَا

إنَّكَ الآتي في التَّعَاوِيذِ وَحْيًا
انْفِلَاقُ المَجْهُولِ بَعْضُ عَصَاكَا

إنَّنِي أَعْبُرُ الخَيَالَ مَلِيًّا
اضْرَبِ الصَّرْحَ البِكْرَ نَثْرَ شَذَاكَا

أَخْرِجِ العَطْفَ نَحْوَ قَلْبِي وَرَتِّلْ
إنَّ هذي الأَلْوَاحَ فيها هُدَاكَا

في مَزَامِيرِ العِشْقِ صَوْتٌ جَلِيٌّ
نَصُّهُ في القُدَّاسِ خَتْمُ لُمَاكَا

بِرِضَابٍ من مَعْمَدَانٍ شَفِيفٍ
أَغْمِرِ النَّاسِكَ الذي قد أَتَاكَا

سامي مسعود

ــــــــــــــــــــ
الشاعر سامي مسعود شاعر متمكن من شعره، وهذه قضية تعتبر من نافلة القول، ومبحث الالتفات من مباحث البلاغة، وهي كذلك قضية من نافلة القول.

ويعتبر توظيف الالتفات في الفنون القولية أمرًا من الأمور الحاسمة في الارتقاء بالفنان، والشاعر سامي مسعود في قصيدته التي بين أيدينا قد أجاد في هذا التوظيف، بما يخدم فكرته.

ـ أولًا العنوان “الناسك أتاك” نلحظ هنا أن الجملة بدأت اسمية وجاء خبرها خبر جملة فعلية، والجملة الاسمية تفيد الثبات، فالناسك ثابت في الإتيان، والخبر بالفعل هو الإتيان، لكنه إتيان من نوع مختلف، فالخبر جملة فعلية بتكوينها الكامل، فعل ماض أتى يفيد التحقق، وفاعل مستتر عائد على الناسك؛ فهو معروف لا يحتاج إلى وجود، والمفعول به كاف الخطاب؛ بما يعني تلاصق الإتيان بين الناسك والمخاطَب؛ مما يؤكد إتيان الناسك الذي بدأت به الجملة.

ـ ثانيًا البداية، بما أن الناسك قد أتى؛ فإنه البادئ في الحديث؛ لأن الآتي يبدأ بحديث الموجود بالفعل؛ لذلك نجد ضمير الأنا الموجود في الناسك هو الذي يتحدث موجهًا الحديث إلى المخاطب “سحرك اليوسفي يلقف سري ::: ومضه يزجي التيه، يلقي ارتباكا”، ونلاحظ هنا أن البيت بدأ بجملة اسمية وكان خبرها جملة فعلية فعلها فعل مضارع، بما يوحي بالاستمرارية؛ فالسحر الموصوف بأنه سحر يوسفي مستمر دائمًا في أنه يلقف السر، بل إنه متجدد وكأننا نستحضر صورة هذا السحر اليوسفي الذي ومضه يزجي التيه، ويلقي ارتباكا.
وإذا كان الوضع بهذا الشكل؛ فإن هذا السحر لا بد أن يأخذ بعقل الإنسان ووجدانه فلا تستطيع حواسه أن تستمر في عملها المعتاد، وكأنها في حالة فناء مع هذا المخاطب صاحب السحر اليوسفي؛ فلا يستطيع أن يتنفس الهواء إلا “بعد لأي، ودهشة، وذهول”، إنه لا يتنفس فقط بل يستنشق باستمتاع لتكتمل عناصر السحر اليوسفي “صرت أستنشق الهواء هناكا”، فكان الالتفات هنا من المخاطب إلى الأنا المباشرة؛ لأنه استطاع أخيرًا أن يعي ذاته.

ــ ثالثًا ذهول السحر في الوسط، يعود مرة أخرى ليجعله مخاطبًا، “إنك الآتي في التعاويذ وحيًا”، وهذا الخطاب مؤكد بـ “إن” وبالجملة الاسمية، مما لا يدع مجالًا للشك أو النقاش؛ فهو لا بد أن يأتي، لكنه لا يأتي إلا وحيًا، بما توحي به كلمة “وحيًا” بالقداسة؛ فكأن هذا الإتيان منزل من رب السماوات والأرض؛ لذلك فـ”انفلاق المجهول بعض عصاكا”، ونلاحظ هنا ما توحي به كلمة انفلاق من العبور دون توقف واستطاعة معرفة هذا المجهول، ولم لا، وهو بعض عصاه فقط؟ والعصا هنا تذكرنا بعصا موسى ـ عليه السلام ـ الذي انفلق بسببها البحر بإذن من الله تعالى.

يعود مرة أخرى ليعي ذاته ويتحدث بالأنا “إنني أعبر الخيال مليًّا”، والأنا ما زالت مؤكدة؛ فلا شك من وجود السحر، ولا شك الآن في أنه يجتاز الخيال، ويعبره على مهل.

ـ رابعًا طلب النهاية، بما أن الأمر أصبح بهذه القداسة بسحر يوسف وعصا موسى ووحي منزل وخيال يعبر؛ فإن هذه فرصة ممتازة للطلب بسكينة وخضوع، “اضرب الصرح البكر نثر شذاكا.
أخرج العطف نحو قلبي ورتل ::: إن هذي الألواح فيها هداكا”؛ فالجملة جملة فعلية فعلها أمر غرضه الطلب؛ لأنه بضربه منه سينثر الشذى، وبترتيله سينشر الهدى؛ ولم لا وهو المنزل من فوق سبع سماوات؟! ونلاحظ كلمة الألواح التي تذكرنا بألواح موسى عليه السلام؛ لتكتمل القداسة.

ثم تأتي كلمة مزامير التي تذكرنا بمزامير آل داود “في مزامير العشق صوت جلي ::: نصه بالقداس ختم لماكا”، وكلمة القداس التي هي معروفة في الدين المسيحي بالصلاة؛ وكذلك كلمة معمدان “برضاب من معمدان شفيف”؛ وكأنه يجمع كل الرسالات ويجمع كل الأديان ( سحر يوسف، عصا وألواح موسى، مزامير داود، قداس ومعمدان عيسى، وحي وختم محمد).
لذلك يعود فيطلب منه أن يغمر الناسك الذي قد أتى “أغمر الناسك الذي قد أتاكا” ونلاحظ رد العجز على الصدر هنا؛ فالصدر هو العنوان”الناسك أتاك” وتم رد بتأكيد “الناسك الذي قد أتاكا”؛ بما يوحي به اسم الموصول الذي بالوحدانية؛ فهو ناسك واحد لا شبيه له، وبتأكيد وتحقق حرف التوكيد قد والفعل الماضى أتى.

هكذا كان توظيف الالتفات مثاليًّا لدى الشاعر سامي مسعود؛ فهو يبدأ بالخطاب ثم بالمتكلم “الأنا” ثم الطلب، ويعود للخطاب مجددًا، بما يوحي ذلك بالوحدة العضوية للقصيدة التي جاءت على روي الكاف وهو آخر حرف من حروف كلمة الناسك الموصولة بالألف والمردوفة بالألف، والألف آخر حرف من حروف الفعل أتى؛ بما يوحي بالانطلاق في جو السماوات والأرض.

مصطفى ربيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: