الخميس , أغسطس 6 2020
الرئيسية / إسهامات القراء / محمد موسي يكتب :منطق علوم الجهل

محمد موسي يكتب :منطق علوم الجهل

البلاد التي لا تقدر العلم على المستوى الرسمي ، ولا يحترم أصحاب القرار فيها منهج التفكير العلمي و التحليل المنطقي لجميع القضايا ،
البلاد التي ترى الإنفاق على البحث العلمي إهدار لإمكانيات الدولة و أن استيراد التكنولوجيا أوفر من تعلمها و إنتاجها ،
البلاد التي ترى أنه لا جدوى من التصنيع أو الزراعة و تكريس البحث العلمي لتطويرها على المدى البعيد ، و أن المنتج الأجنبي أعلا جودة و أرخص سعرا .
هذه البلاد تربي شعوبها على فكر العتالين و الفواعليه ،
شعوب ترى أن العمل لا يكون إلا بعرق الجبين ، و أن العلم في الراس مش في الكراس ، و اسأل مجرب ولا تسألش طبيب ، و جربنا و نفع ،
شعوب ترى أن التمرجي إللي ئيده خفيفه في ضرب الحقنه أجدع من الدكتور ، و نجار المسلح اللي بيشك المسمار في اللوح بضربه واحده ما يعرفش يعملها مهندس ، و أن العمال اللي شالوا على اكتافهم الطوب و الاسمنت هم اللي بنوا البرج و الكوبري و الطريق و النفق ، المهندس عمال بس يتمريس و يتمنظر .
شعوب تثق في الصنايعي أكثر من استاذ الجامعه ، و الصنايعي اقدر على إقناعهم بأي فكره متخلفة في حين أنهم لا يسمعون لأي رأي علمي .
في حادثة شخصية من مئات الحوادث المشابهة ، تشرح جانب من هذا الموضوع .
كنت اضبط هواء إطارات السيارة عند ورشة إصلاح كاوتش قريبة من المنزل ، ولفت انتباهي بحكم المهنة أساسات عمارة من لبشة مسلحة منتهية و جاهزة للصب ،
لفت نظري من النظرة الأولى في ثانية واحدة كثافة الحديد عند الأعمدة في الطبقة العليا لتسليح اللبشة ، اقتربت أكثر و دققت النظر فوجدت أن هناك حديد إضافي حول الأعمدة في الطبقة العليا في الاتجاهين ، بحسبة بسيطة سريعة حوالي نصف طن حديد .
المهندسين المدنيين يعلمون أن هذا الحديد في المكان الخطأ، و كأنك القيت به في البحر دون أدنى استفادة .
كان هذا بنظرة عابرة دون التدقيق في كم الأخطاء و الهدر في مبنى على مساحة شقة متوسطة .
فبالقياس ماذا يحدث في مدن سكنية و مشاريع عملاقه .
سألت الرجل في المحل المجاور ، من المهندس المشرف هنا ، قال المهندس علي و لما استكملت اسألني عرفت انه الحاصل على مؤهل متوسط و يعمل مشرف فني و كما قال الرجل عن قناعة ، دا مهندس كبير و هو اللي باني كل البلد .
فكرت في الاتصال بصاحب المبنى الذي أعرفه ، لكنني فضلت التريث لسؤال أهل المعرفة بطبائع الناس في البلد ،
سألت صديق عزيز خبره في المواعيد العرفية ، و أدهشني رده .
قال لا تفعل ، لا تخبر صاحب المبنى ، لأنه سوف يصدق علي ولا يثق فيك ، و سوف تقع في خلاف مع علي بلا مبرر ، وسوف تُتهم بأنك تقول ما تقول لانك لست المشرف عل المبنى ،
قال هذا و هو يعلم أنني لم أعمل في شغل الأهالي ، ويعلم إنني لا أقصد إلا الخير للجميع.
لم أهدأ تماما و لم أقتنع ، اتصلت بقريب للاطراف و خبير في هذه النوعية من الناس ، فكانت إجابته مطابقة للخبير الأول … لا تفعل … و خليك في حالك … دي ناس ادمغتها مريحاها …. و سكت .
تم صب اللبشة و جاري استكمال البناء بنفس الفكر .
هكذا و بالقياس تتم أعمال كبيره و تتخذ قرارات مصيرية ، لها خبراء يناصورنها و يروجون لابطالها .
هم حقا الخبراء فيهم ، ولا يهم إن كانوا مقتنعين بعلمك أو لا يثقون فيك ، و ستعرف ردهم لو خالفت قولهم ولم تسمع لنصحهم .. فسوف ينالك عقابهم و سوف يجدون لك التهم بالمبررات المنطقية لهم و لمن في معرفتهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: