الأحد , أغسطس 9 2020
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد محمد حسين هيكل

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد محمد حسين هيكل

هو ” فيلسوف العصر ” و ” رائد الرواية العربية ” و ” صاحب زينب ” الشاعرٌ و الأديبٌ و السياسى الكبير ” محمد حسين هيكل ” ذلك العملاق الذى تميز بين أبناء جيله و الذين كانوا هامات شاهقة فى عالم الأدب و الفكر بأشياء حاز بها السبق و الريادة فسبق غيره فى تأليف أول رواية عربية بقصته المعروفة “ زينب ” و فتح لأصحاب القلم و البيان كتابة التاريخ الإسلامى على نحو جديد يجمع إلى جانب العمق و التحليل العرض الجميل و الأسلوب الشائق و الربط المُحكم بين أحداث التاريخ و كتب أيضاً أدب الرحلة و سجَّل خواطره و ما يجول فى نفسه فى كتابه الرائع “ فى منزل الوحى” و دوَّن مُذكراته السياسية و ما شاهده و شارك فيه من أحداث فى كتابه “ مُذكرات فى السياسة المصرية ” و قد حاز هذا السبق و هو غير متفرغ للعمل الأدبى فقضى حياته كلها إما رئيساً لتحرير جريدة أو وزيراً فى وزارة أو زعيماً لحزب أو رئيساً لمجلس الشيوخ أو مُحامياً فى قاعات المحاكم و على الرغم من اشتغال هيكل بالحياة السياسية و انغماسه فيها بالعمل الصحفى مرة أو باعتباره واحداً من نجومها الذين خاضوا أعباء الوزارة و مارسوا الزعامة الحزبية فإن نشاطه الأدبي ظلَّ خصباً و توالت كُتبه و مؤلفاته تضرب فى ميادين مُختلفة شملت القصة و التاريخ و السير و النقد الأدبى و أدب الرحلة و هو فيما يكتب أديب أصيل مَتبوع لا تابع و رائداً يفتح لغيره آفاقاً فسيحة فى ميادين الأدب و طالب حق يرتاد كُل سبيل ليجد منافذ النور لا معجب برأيه مغرور بما يكتب مفتون به لا يرى الحق فى سواه و لذلك انتقل من دائرة الدعوة إلى الحضارة الغربية تارة و إلى الحضارة الفرعونية تارة أخرى و استقر فى ميدان الفكر الإسلامى داعياً له يرى فيه وحده البذر الذى يُنبت و يثمر و يُحرك النُفوس و يجعلها تهتز و تربو .. ولد هيكل فى 20 / 8 / 1888م فى قرية كفر غنام فى مدينة المنصورة بمُحافظة الدقهلية و درس القانون فى مدرسة الحقوق الخديوية بالقاهرة و تخرج منها فى عام 1909م و سافر فى بعثة لفرنسا و حصُل على درجة الدكتوراة فى الحقوق من جامعة السوربون فى عام 1912م بعدما تأثَّر بالحضارة الغربية و منجزاتها فجاش قلمه و هو فى فرنسا بمقالات تمجد الحضارة الحديثة و تتخذ من أدباء فرنسا و مفكريهم موضعاً لتحليله الأدبى و خصّ ” جان جاك روسو ” بمقالات تحليلية جمعها بعد ذلك فى كتاب بعد عودته إلى مصر ثم تزعزعت ثقته بالحضارة الغربية بعد الحرب العالمية الأولى و شاهد دعاة الحضارة و الإنسانية يتحولون إلى وحوش كاسرة لا تراعى حقًّا للشعوب و لا تحترم عهداً و لا تقيم وزناً لحقوق الإنسان ثم ولَّى وجهه شطر الحضارة الفرعونية القديمة فانخدع هيكل بدعاتها و كانت أنفسهم تنطوى على فكرة خبيثة تستهدف بالحديث عن عظمة الحضارة الفرعونية توهين رابطة مصر بالإسلام و إثارة النزعة الوطنية ثُم عاد إلى مصر و عمل فى المُحاماة 10 أعوامٍ كاملة كما عمل بالصحافة بجانب المُحاماة و قد تأثر بأفكار ” أحمد لُطفى السيد ” و التزم بتوجيهاته كما تأثر بالشيخ ” محمد عبده ” و ” قاسم أمين ” و هاجم حملة التنصير ! التى اجتاحت مصر عام ( 1352هـ _ 1933م ) بعد أن رأى نفراً من أصحاب الأقلام يهونون من شأنها ! فاندفع هيكل و كان قد استبان له الطريق يهاجم فى ضراوة حملات المنصرين و يوجه نقداً صارخاً للحُكومة على صمتها المُهين على ما يحدث فى أرض الكنانة و بدلاً من أن تواجه الحُكومة هذه الحملات التى نشط بعضها فى أنحاء مصر استدعت هيكل للتحقيق معه و حكم عليه بغرامة مالية بتهمة الوقيعة بين الأديان بعد أن جاهر بأن إدارة الأمن الإنجليزى فى وزارة الداخلية المصرية هى التى تتحمل تبعة هذه الجرائم .. كان هيكل عُضواً فى لجنة الثلاثين التى وضعت دستور 1923م و هو أول دستور صدر فى مصر المُستقلة وفقاً لتصريح 28 فبراير 1922م و حينما أنشأ حزب الأحرار الدستوريين جريدة أسبوعية بإسم السياسة الأسبوعية عُيِّن هيكل فى رئاسة تحريرها سنة 1926م ثم تم إختياره وزيراً للمعارف فى الوزارة التى شكلها ” محمد محمود باشا ” فى عام 1938م و لكن تلك الحُكومة إستقالت بعد مدة وجيزة إلا أنه عاد وزيراً للمعارف مرة أخرى سنة 1940م فى وزارة حسين سرى باشا و ظل بها حتى عام 1942م ثم عاد هيكل و تولى هذا المنصب مرة أخرى فى عام 1944م و أضيفت إليه بعد ذلك فى عام 1945م وزارة الشؤون الإجتماعية ثُم إختير هيكل فى عام 1941م نائباً لرئيس حزب الأحرار الدُستوريين ثم تولى رئاسة الحزب سنة 1943م و ظلَّ رئيساً له حتى تم إلغاء الأحزاب بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952م و فى عام 1945م تولى هيكل رئاسة مجلس الشيوخ و ظل يُمارس رئاسة هذا المجلس التشريعى حتى يونيو من عام 1950م حيث أصدرت حكومة الوفد المراسيم الشهيرة التى أدت إلى إخراج هيكل و الكثير من أعضاء المُعارضة من المجلس نتيجة كم الإستجوابات التى قُدمت فى المجلس و ناقشت إتهامات وجهت لـ ” كريم ثابت ” أحد مُستشارى الملك فاروق كما تولى هيكل أيضاً تمثيل السعودية فى التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية عام 1945م كما ترأس وفد مصر فى الأمم المُتحدة أكثر من مرة .. تُُعد رواية زينب من أول إصدارات محمد حسين هيكل و التى كتبها فى عام 1914م أثناء دراسته بباريس و على الرغم من أنها رواية حُب إلا أنها كانت تحمل طابعاً إجتماعياً حيث تدور أحداثها حول خمسة أبطال و هم ” زينب ” الشخصية الرئيسية و ” حامد ابراهيم ” و ” عزيزة ” و ” حسن ” و هم الشخصيات الثانوية حيث يعيشون جميعهم فى الريف المصرى خلال فترة الإستعمار الإنجليزى و كانت أحداث هذه الرواية تدور حول ” زينب ” و هى فلاحة فى ربيع عمرها تحب ” إبراهيم ” و لكن تشاء الأقدار أن يُوافق والدها على تزويجها إلى ” حسن ” و هو أعز صديق لحبيبها و من خلال حياة البطلة زينب المأساوية أظهر لنا هيكل صعوبة عيش أهل الريف إبان الإستعمار و الجهل و الظلم اللذان عايشتهما زينب بتزويجها دون رضاها أما رواية “حياة محمد” فهى باكورة أعماله الإسلامية حيث تناول هيكل فيه بأسلوب طلى حياة النبى صلى الله عليه و سلم وردّ على آراء المُتجنين من كُتاب الغرب على الإسلام في منطق و براعة و ختم كتابه بمبحثين عن الحضارة الإسلامية كما صوَّرها القرآن الكريم و مقارنتها بالحضارة الغربية و خصَّص البحث الآخر للرد على مزاعم بعض المُستشرقين حول بعض المواقف الإسلامية و قد أحدث ظهور الكتاب دويّاً هائلاً و أقبل الناس على قراءته على نحو غير مسبوق و تناوله المفكرون و الكتاب فأنصفه بعضهم و غض من قيمته آخرون لكن على أية حال كان الكتاب فتحاً جديداً فى كتابة السيرة النبوية على هذا النحو الشائق الذى جعل فضيلة الإمام الأكبر ” محمد مصطفى المراغى ” يكتب مقدمة للكتاب جاء فيها ( و قد وُفِّق الدكتور هيكل فى تنميق الحوادث و ربط بعضها ببعض فجاء كتابه عَقداً منضداً و سلسلة متينة محكمة الحلقات يجعل القارئ مُطمئن النفس رضى القلب ليستمتع بما يقرأ ) ثم أتبع هيكل كتابه “حياة محمد” بكتاب بديع آخر عن رحلته فى أرض الحجاز بعنوان “ فى منزل الوحى” كتبه بأسلوب رفيع و وقف على الأماكن التى وقف فيها النبى – صلى الله عليه و سلم – يتلمس سيرته و يستخلص العبرة و المثل و الكتاب يجمع بين المشاهدة العيانية و البحث التاريخى و الرؤية العاطفية فى بيانٍ خلاب و عناية بأدق التفاصيل ثم استكمل الكتابة بعد تناول سيرة الرسول الكريم بالحديث عن خلفائه فأخرج كتابيه “ الصديق أبو بكر ” و ” الفاروق عمر ” ففتح المجال لكتابة التاريخ الإسلامى بعد أن عبَّد الطريق لمن جاء بعده ليرتادوا سبيلاً مهَّده بقلمه و عقله و الكتابان ليسا ترجمة للصحابيين الجليلين و إنما هما تأريخ للعصر و عرض لتطوره و بيان لحركته و لم يسلم الكتابان من نقد وجِّه إليهما بعضه كان مُغالياً مُسرفاً فى النقد غير أن مُعظمه جاء ليقوِّم الكتاب لا ليهدمه و يُبين جوانب تميزه لا ليغمطه حقه و حسب الكتابان أنهما لا يزالان حتى اليوم مرجع الباحثين و مهوى القراء بعد أن حبَّبهم هيكل فى مطالعة صحائف العزَّة و دروس المجد و أمثلة الكرامة فى أعمال قادة الإسلام و أئمته و بعد حياة طويلة حافلة بجلائل الأعمال توفِّى هيكل يوم السبت 8 / 12 / 1956م عن عُمرٍ يُناهز الـ 68 عاماً بسبب إرتفاع كبير فى ضغط الدم بعدما أثرى حياتنا الأدبية بكنوز خالدة حتى يوم يُبعثون و قد اتفق كثير من المعاصرين للدكتور محمد حسين هيكل على أنه كان وديع النفس جم الأدب يميل إلى الدُعابة فى مجالسه حاضر البديهة و المنطق الأدبى السليم مثالاً للتواضع لم تغير المناصب شيئاً من أخلاقه .. رحم الله الأديب الكبير و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: