الخميس , أغسطس 13 2020
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل محمود تيمور

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل محمود تيمور

هو ” شيخ القصة العربية ” و ” صاحب أول قصة قصيرة فى الأدب العربى ” الكاتب القصصى و الروائى و المسرحى و الأديب الكبير ” محمود أحمد تيمور ” الشهير بمحمود تيمور .. تأتى الحياة دائماً بأُناس و تذهب بآخرين و لكن قليلون من يضعون بصمتهم و قليلون منهم مَن يمهدون الطريق و يحملون المشاعل و قد مر على التاريخ صُنوفٌ من الكُتّاب أكثرهم مر مرور الكِرام و أقلهم عاش مُجرد كاتب فحسب ! و لكن محمود تيمور عاش كمحطة و مُولد من مولدات النور و الإشعاع يقف كبيراً فوق لحظته الراهنة ليؤسس و يفكر و يقوم بالتطوير و تطويع الأفكار و كيف لا و هو الأديب ذو الشخصيّة الفذّة الذى يُعدُ عَلَماً من أعلام النّهضة الفكرية و الأدبيّة فى تاريخنا المُعاصر و لعلّ أجمل تعريف قيل بحقّه و بآثاره الأدبيّة ما وسمه به عَميد الأدب العربى الدكتور طه حسين بـ ” العالمى ” و قال عنه أيضاً ” لا أكادُ أصدق أن كاتباً مصرياً وصل إلى الجماهير المُثقفة و غير المُثقفة مثلما وصل إليها محمود تيمور ” و ذلك بعد أن برع فى فن القصة القصيرة على وجه التحديد مما جعله أحد رواد هذا الفن فى مصر و العالم العربى أيضاً و الحقُ يُقال أن محمود تيمور كان يرسم الاشخاص حتى انك تُحس انفاسهم و تلمح الحياة فى سُهولة حركاتهم و هو يكتب فى لغة سلسلة لا تحجب شيئاً من معانيه و كان فنه يشيع فيه روح وديع من الإنسانية فيخدم الأدب من ناحيتين الأولى أنه يشير إلى مَثله الأعلى الإنسانى و يصوره لنا فى صوره البارعة و الثانية أنه يُعرفنا بالجانب الذى يَعرفه من مُجتمعنا المصرى فهو من مُعلمى هذا الجيل و هو عاملٌ من العواملِ القومية على تعريفنا بأنفسنا و قد تنوء ذاكرة الإبداع بحملها لكنها تتوقف كثيراً عند محمود تيمور  فمهما قُلنا و زدنا عن هذا العملاق لن نستطيع أن نوفيه حقه كما ينبغى و سيظل معقوداً ممزوجاً بكياناتنا و عبق ماضٍ عشناه و لا يُنسى .. ولد تيمور فى أسرة إشتهرت بالأدب فوالده أحمد تيمور باشا الأديب المعروف الذى عُرف بإهتماماته الواسعة بالتُراث العربى و كان ” باحثاً فى فنون اللغة العربية و الأدب و التاريخ و خلّف مكتبة عظيمة بدار الكُتب المصرية هى ” التيمورية ” و التى تعدُ ذخيرة للباحثين إلى الآن بما تحوى من نوادر الكُتب و المخطوطات ” أما عمته فهى الشاعرة الرائدة ” عائشة التيمورية ” صاحبة ديوان ” حلية الطراز” و شقيقه ” محمد تيمور ” صاحب أول قصة قصيرة في الأدب العربى .. ولد تيمور فى أحد أحياء مصر القديمة فى 12 من المُحرم 1312هـ _ 4 من يونيو 1894م و نشأ فى حى ” درب سعادة ” و هو الحى الذى تميز بأصالته الشعبية فهو يجمع أشتاتاً من الطوائف و الفئات التى تشمل الصُناع و التُجار و أرباب الحرف من كل فن و لون و قد تَشربَّت نفس تيمور و روحه بتلك الأجواء الشعبية مُنذ نعومة أظفاره و إختزنت ذاكرتُه العديدَ من صور الحياة الشعبية و الشخصيات الحية التى وقعت عيناه عليها و أعاد رسمها و عبرَ عنها فى الكثير من أعماله القصصية ,, و ما لبثت أسرته أن انتقلت إلى ضاحية ” عين شمس ” فعاش في ريفها الساحر الجميل الذى كان ينبوعاً لوجدانه يغذيه بالجمال و الشاعرية و يُفجِرُ فيه ملكات الإبداع بما فيه من مناظر جميلة و طبيعة خلابة و ساحرة و قد تعلم تيمور بالمدارس المصرية الإبتدائية و الثانوية الملكية ثُم إلتحق بمدرسة الزراعة العليا و لكن حدثت نقطة تحول خطيرة فى حياته و هو لم يتجاوز العشرين من عمره بعد فقد أصيب بمرض ” التيفود ” و إشتدت وطأة المرض عليه فإنقطع عن دراسته الزراعية و لزم الفراش ثلاثة أشهر قضاها فى القراءة و التأمل و التفكير ثُم سافر إلى الخارج للإستشفاء بسويسرا و وجد فى نفسه ميلاً شديداً إلى الأدب فألزم نفسه بالقراءة و الإطلاع و هناك أتيحت له دراسة عالية فى الآداب الأوربية فدرس الأدب الفرنسى و الأدب الروسى و إتسعت قراءاته لتشمل روائع الأدب العالمى لعدد من مشاهير الكتاب العالميين مثل ” أنطون تشيكوف ” و” إيفان تورجنيف ” و” جى دى موباسان ” بالإضافة إلى سعة إطلاعه فى الأدب العربى ,, تأثر محمود تيمور كذلك بأخيه ” محمد ” فى إتجاهه نحو المذهب الواقعى فى الكتابة القصصية و الذى ظهر واضحاً فى مجموعته القصصية الأولى ” ما تراه العيون ” فأعجب بها محمود إعجاباً دعاه إلى أن يؤلف على غرارها فكتب باكورته القصصية ” خرشو ” .. كان لتيمور شغفٌ خاص بالمنفلوطى الذى غرس فيه نزعته الرومانسية كما تأثر بعدد من الشعراء خاصة شعراء المهجر و على رأسهم ” جبران خليل جبران ” الذى كان لكتابه ” الأجنحة المُتكسرة ” بنزعته الرومانسية الرمزية تأثيراً خاصاً فى وجدانه كما حظى تيمور بحفاوة و تقدير الأدباء و النقاد و نال إهتمام و تقدير المَحافل الأدبية و نوادى الأدب و الجامعات المُختلفة فى مصر و الوطن العربى و إهتمت به جامعات أوروبا و أمريكا و أقبل على أدبه الأدباء و الدارسون فى مصر و العالم أجمع و قد مَثَلَ تيمور مصر فى العديد من المؤتمرات الأدبية مثل ” مؤتمر الأدباء ” فى بيروت و مؤتمر ” القلم “ببيروت و مؤتمر ” الدراسات الإسلامية ” فى جامعة بشاور بباكستان و مؤتمر ” الأدباء ” فى دمش كما نال إنتاجه القصصى جائزة ” مَجمع اللغة العربية بمصر ” وما لبث أن عُيِّن عضوا فيه عام 1949م و حصُل أيضاً على جائزة الدولة للآداب فى عام 1950م و جائزة ” واصف غالى ” بباريس فى عام 1951م و مُنِح جائزة الدولة التقديرية في الأدب فى عام 1963م من المجلس الأعلى لرعاية الفنون و الآداب و جائزة واصف غالي بباريس 1951م كما احتفلت به جامعات روسيا و المجر و أمريكا و كرمته فى أكثر من مناسبة .. كان لتيمور على موعد مع مأساة أشد وطأة على نفسه و وجدانه من كُل ماتعرض له فى حياته و هى التى زلزلت حياته و فجعته فى ولده الذى اختطفه الموت و هو مازال فى العشرين من عمره فشعر وقتذ بانهيار آماله و فقد حماسه و أصابه اليأس و انزوى حزيناً مُستسلماً للأسى و الإحباط و قد تركت تلك المأساة فى نفسه مرارة لا تنتهى و حزناً لا ينقضى حتى وفاته فى 25 / 8 / 1973م فى مدينة لوزان بسويسرا التى كان قد ذهب لها للإستشفاء عن عمر ناهز على الـ 79 عاماً و تم نقل جُثمانه إلى القاهرة حيث دُفن بها و رُبما قد رحل تيمور جسداً فقط لكن روحه و أدبه و كافة إبداعاته سيظلوا خالدين حتى يوم يُبعثون بعد أن أثرى المكتبة العربية و الأدب العربى بأكثر من سبعين كتاباً فى القصة و الرواية و المسرحية و الدراسات اللغوية و الأدبية و أدب الرحلات  .. رحم الله محمود تيمور و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: