الجمعة , أغسطس 14 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / الدَّوّارُ السّابِعُ – الطيرَةُ (قِصَّةٌ منَ الْواقِعِ) للدكتور / لطفي منصور/ فلسطين

الدَّوّارُ السّابِعُ – الطيرَةُ (قِصَّةٌ منَ الْواقِعِ) للدكتور / لطفي منصور/ فلسطين

أ.د. لطفي منصور
الدَّوّارُ السّابِعُ – الطيرَةُ
(قِصَّةٌ منَ الْواقِعِ)
قالَتْ لي بالْهاتِفِ: أسْتاذي كَأنَّكَ نَسِيتَ الأوراقَ؟
لمْ أعْرِفْ مَنْ هِيَ عَلى الطَّرَفِ الآخَرِ، لَكِنِّي طَرِبْتُ لِلنَّغَمِ الرَّخيم الذي هَزَّ مَسامِعِي، فَانْتَبَهْتُ بِكُلِّيَّتي لِأعرِفَ مَنِ الْمُتَحَدِّثَةُ، وَأشْغَلْتُ ذاكِرَتي لِأَعْرِفَ ما هِيَ الأوْراقُ، وما هو شَأنُها. فَأرْدَفَتْ تقولُ: لو كانَتِ الأوْراقُ تَهُمُّكَ لأَحضَرْتَها لي مِنْ زَمَنٍ، وَلِأَنَّها لِقِسْمِكَ الثّاني نَسيتَها وَلَمْ تَأْبَهْ بِها. وَلَوْلا احترامي الشَّديدُ لَكَ لَكَشَفْتُ أمْرَكَ مُبَهَّرًا، وَلَكانَ لكَ شَأْنٌ آخَرُ. لَكِنْ مَعَزَّتُكَ كبيرَةٌ، وفَضْلُكَ أَكْبَرُ، وإنِّي مِنَ الْمُتابِعاتِ لِصَفْحَتِكَ بِإدْمانٍ شَديدٍ، وهيَ مُتْعَتي الوحيدَةُ.
قُلْتُ أيّتُها الطّالِبَةُ الصَّديقَةُ! حَيَّرْتِنِي واللَّهِ، تُهَدِّدينَ مَرَّةً وَتَعْطِفينَ أخْرى، باللَّهِ مَنْ أنْتِ؟
قالَتْ: أيْنَ أنْتَ الآنَ؟
أنا في مَقْهَى الدَّوّارِ السّابِعِ حِيْثُ المَنْظَرُ الجميلُ في مقهى أيمَن، في الوسطِ نافورَةٌ يُحيطُ بها الْعُشْبُ الأخْضرُ، يتوسَّطُها قِنْديلُ ضَخْمٌ لَهُ عِدَّةُ أضواءٍ، منظرٌ ساحِرٌ في اللَّيلِ بِألْوانِ قَوْسِ قُزَح. يُحيطُ بالدَّوّارِ مبنى البلديَّةِ الضَّخمِ، وأسواقٌ عامرةٌ، يَبْرُزُ منْ بينها مُجَوْهَراتُ عصام سمارَة الخلّابةُ، قَلَّ مَثيلُها. أفَهِمْتِ الآنَ أيْنَ أنا؟
– إنِّي قادِمَةٌ إلَيْكَ منْ مَدْخَلِ الطيرَةِ الشَّرْقِي هلْ تَسْتَفْبِلُني؟
عَلَى الرَّحْبِ والسَّعَةِ. لكنْ حولي مُثَقَّفونَ هلْ تستطيعينَ الْجُلوسَ مَعَنا؟
– لا يَهُمُّنِي طالَما أنتَ مَوْجودٌ.
– اُعْبُري الدَّواراتِ السِّتَّةَ الأولى في الشّارِعِ الرّئيس وفي الدَّوّارِ السّابع من جهَةِ اليمينِ موقِفٌ للسَّيّاراتِ، ثمَّ ادخُلي المقهَى تجديني بالانتظارِ.
عندَما قَدِمْتْ لم أعرِفْها، ثمَّ جَلَسْنا مُنْفَرِدَيْنِ وَقَدْ أمْسَكتْ بيدِها أوراقا. تَفَرَّسْتُ بالوجهِ الجميلِ، والعيْنَيْنِ الزَّرْقاوَيْنِ، والأَنْفِ الأَقْنَى، والْجَبينِ الأصْلَتِ بِلَوْنِ الْعاجِ، وثَغْرٍ دَقِيقِ الشَّفَتَيْنِ، فلما ابْتَسَمَتْ لتقولَ: لَنْ أُخْبِرَكَ مَنْ أنا، ظهرَ في طَرَفَيْ فَمِها قَوْسانِ دَقيقانِ سَوْداوانِ أحاطا بالثَّغْرِ فَزاداهُ جمالًا.
– أُريدُ أنْ أُسَهِّلَ عَلَيْكَ قليلًا: أنا منَ الطِّيرة، وأنتَ أُسْتاذي، لنْ أنسى دروسَكَ في العرَبِيَّةِ، أنتَ الذي حَبَّبْتنا باللُّغَةِ والأدبِ، وأنا أنظُمُ الشِّعْرَ وأكتُبُ الْقِصَّةَ والرِّوايَةَ. وَتخَرَّجتُ من جامعةِ حيْفا، عَمِلْتُ في التَدْريسِ رُبْعَ قَرْنٍ، ثمَّ خَرَجْتُ للتَّفاعُدِ الْمُبْكِرِ، لِأشْتَغِلَ في الكتابَةِ والأدَبِ.
اِعْرِفْ مَنْ أنا يا أُستاذي؟
– اعْتَصَرْتُ ذاكِرَتي، فالصَّوْتُ ليسَ غَريبًا عَلَيَّ، وبَريقُ العَيْنَيْنِ النَّجْلاوَيْنِ أعْهَدُهُ، غيرَ أنّ الاِسْمَ، وكَوْنَها منَ الطيرَةِ، كُلُّ هذا خَلَقَ مَتاهَةً في ذاكِرَتي. وفَجْأَةً حَضَرَتِ الْقَهْوَةُ تَعْبَقُ رائِحَتُها في المكانِ، وبعْدَ ارتشافِ شَيْءٍ منها انتعشتْ نفسي، وَقُلْتُ في سِرِّي: لا بُدَّ أنّها مُتَزَوِّجَةٌ خارِجَ الطيرَةِ.
وفَجْأَةً مَعَ مَذاقِ القَهْوَةِ قُلْتُ لَها: كوني “نَغَم”.
فقالَتْ: نعمْ أنا نَغَمْ طالِبَتُكَ تزَوَّجْتُ في باقة الغربيَّة. وأنا أمٌّ لثلاثةٍ ابْنَيْنِ وبنتٍ تَزَوَّجتْ. قدِمْتُ إلَيْكَ لِتُشَرِّفَنِي بتقديمٍ أعْتَزُّ به. وإنْ كانَ لديكَ وَقْتٌ تُراجِعُ ليَ القصائِدَ فهذا منْ فضْلِكَ.
– سَرَحْتُ بداكِرَتي إلى الماضي البعيدِ عندَما كنتُ مُعَلِّمًا في الْمَرْحَلَةِ الإعداديَّةِ. كانتْ نغمُ من أنبَغِ طُلّابِ وطالباتِ المرحلةِ الإعداديَّةِ، لَنْ تَرْتَدَّ عَنِّي إلّا راضِيَةً مهما كانَ حِمْلي ققيلًا.
اخترتُ من ما جاءَتْنِي بهِ، وَأنا أشُكُّ فيهِ، بعضَ الأبياتِ:
من المجتَثِّ
– يا دُرَّ ثَغْرِ حَبيبي
كُنْ بِالْعَقِيقِ رَحِيما
وَلا تُغالِ عَلَيْهِ
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتيما
(العقيق: حَجَرٌ كَريمٌ تَشَبَّهُ الشِّفاهُ بِهِ. وفي البيتِ الثاني تَضمينٌ، وهو منَ الآيَةِ القرآنِيّةِ: أَلَمْ يَجِدَ يَتيمًا فَآوَى).
– منَ الكامل
لُذْ بِالْكِرامِ بَني الْكِرامِ فَإنّما
تَلِدُ الْكِرامُ بَنُو الْكِرامِ كِراما
وَدَعِ اللِّئامَ بَنِي اللِّئامِ فَإِنَّما
تَلِدُ اللِّئامُ بَنُو اللِّئامِ لِئَاما
———-
أهْدي هذه القصَّةَ إلى نَغَمٍ أُخْرى عاملةٍ اجتماعيَّةِ أسدتْ عملًا طَيِّبًا لِلزَّوْجَةِ الحاجَّةِ خارِجَ وَقْتِ وظيفَتِها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: