السبت , أغسطس 8 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / حلمي السقا يكتب …فيروس الكراهية ..قصة قصيرة

حلمي السقا يكتب …فيروس الكراهية ..قصة قصيرة

قصة قصيرة

(فيروس الكراهية)

بينما كانَتْ الحافلةُ تسيرُ بِنا ببطءٍ ،فإذا بصوت مذيع الراديو يقول بصوته الأجش :”وردنا الآن….إصابة الآلاف في مدينة ووهان الصينية بفيروس كورونا، كما تسبب هذا الفيروس في وفاة أكثر من مائة شخص جميعهم من نفس المدينة. الأمر الذي جعل السلطات الصينية تفرض الحجر الصحي على جميع المواطنين،….”

فعلَّقَ السائقُ الذي كان يجلس على يساري وهو ينفث دخان سيجارته قائلاً: ” الحمد لله أن ده في الصين مش هنا “…ثم أردف وهو ينظر فى المرآة التي تقع أمام جبهتي قائلاً: الأجرة مع بعض ياحضرات وياريت فكة.

وسرعان ما علق الرجل الذي كان يجلس على يميني بصوت مسموع،وهو ينظر من شباك باب الحافلة ،وقد سرت بجسده نشوة إبليسية جعلته يقول :هذه عقوبة ربانية،لعنةالله عليهم أجمعين،اللهم خذهم ولا تبقِ منهم أحد،هؤلاءِ الكفرة”

وما ضقت بالمكان الضيق الذى كنتُ أجلس به بقدر ماضقت بما سمعت! ،وتساءلت في نفسي… كيف يشِنُ المرء سيلاً من اللعنات على شعبٍ ما دون أن يعرف عنهم أي شيء؟
كيف لرجل أن يضمر كل هذه الكراهية ويحملها فى صدره دون أن تقتله؟!كيف ينتشي ويرقص فوق جثت أخيه؟
تالله لا يكون هذا إلا عن قلب لو كشف عن سويدائه لبدا أشد ما هو فتكًا من ذاك الفيروس!

لكنني لم أستطع أن أبتلع لساني فقلت له :ما دافع كل هذه اللعنات ؟هل أفهم من كلامك أن هذا الوباء لن يدخل ديارنا نحن معشر المؤمنين؟

نظر إليّ من وراء نظارتهِ السوداء بعلو وقال: هؤلاءِ شيوعيون_ ياأستاذ_كَفَرة ،وأعداء للإسلام والمسلمين،وهذه عقوبة الله عليهم عارف كده ولا مش عارف؟

اقتربت الحافلة من المحطة،وتأهب الجميع للنزول فقلت لنفسي : لايجب أن تبتلع لسانك فقط، بل يجب أن تبتلع فمك كله،بدلاً من الخوض فى حديث لايجدي.
….
الآن،مرت ثلاثة أشهر، وقد سيطرت الصين على الوباء فى بلادها، ودخل تفشي الوباء فى بلادنا،والأعداد المصابة فى تزايد كل يوم، ومُنعت الناس من الخروج من المنازل وتعَطَّلتْ الدراسة ،ومُنِعت الصلاة فى المساجد ،وفى الكنائس، وسرى جو عام ينبئ بالخطر والهلع والارتباك، جعلت الجميع يتابعوا الأخبار فى كل دقيقة وهم يرددون فى خوف :”ماذا يعد لنا الغد” !

وبينما كنت أشتري بعض متطلبات البيت ،رأيت ذلك الرجل الذي كان يجلس على يميني فى الحافلة واضعًا على أنفه وفمه القناع الطِبي ،ويقوم بشراء الكثير من الأشياء بشراهة ،وكأن القيامة قامت !
“ماذا سيترك هذا لغيره من المنتجات؟ “هكذا.. حدثت نفسي؟

اقتربت منه وقلت له :ماذا تقول الآن بعد الذى حدث؟ ونحن لسنا بشيوعيين!
وتمثلت بقول الشاعر كفافيس:
“الآن؟ وبدون البرابرة، ما الذي سيحدث ؟
هؤلاء البرابرة كانوا حلاً من الحلول”

دعني الآن أسألك..أين نظارتك السوداء التي كنت تخاطبني بها،لمَ خلعت نظارتك الآن؟

هل فهمت الآن أن الإنسان أخو الإنسان، وأَنّ ما يصيب غيرك يصيبنا؟

لكنه تظاهر أنه لا يعرفني ،ومضى بخطى عصبية إلى سيارته الحمراء التى ملأها بالمشتريات،غير آبهٍ بما أقول، حتى ابتلعه ظلام حالك.

_حلمي السقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: