الإثنين , أغسطس 10 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / {(50)* عودة القلاقل الاجتماعية واستهداف القوة الناعمة *} ….✍الكاتب ☜ 🏅 محمد السني 🏅

{(50)* عودة القلاقل الاجتماعية واستهداف القوة الناعمة *} ….✍الكاتب ☜ 🏅 محمد السني 🏅

(50) عودة القلاقل الاجتماعية واستهداف القوة الناعمة.. بقلم الكاتب والباحث: محمد السني
منذ منتصف الثمانينيات عادت القلاقل الاجتماعية للظهور، ففي الخامس عشر من أكتوبر 1985 قام الجندي المجند سليمان محمد عبد الحميد خاطر (1961 – 1986) أحد عناصر قوات الأمن المركزي المصري الذي كان يؤدي مدة تجنيده على الحدود المصرية مع إسرائيل، قام بقتل سبعة إسرائيليين تسللوا إلى نقطة حراسته. وبعد ساعات من الحادثة، صبيحة السادس عشر 1985م، صرح حسني مبارك أنه: “في غاية الخجل” بسبب قيام جندي مصري بفتح النار على مجموعة من الإسرائيليين اخترقوا الحدود المصرية مما أدى إلى مقتل سبعة منهم. وتعرض سليمان خاطر لاحقًا لمحاكمة عسكرية، وأصدرت المحكمة العسكرية العليا في السويس حكمًا بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة لسليمان خاطر. وفي يناير عام 1987 تم العثور عليه مشنوقًا في زنزانته في ظروف غامضة وبشكل طرح الكثير من التساؤلات والشكوك.. في طفولته شهد سليمان خاطر آثار قصف القوات الإسرائيلية لمدرسة بحر البقر الابتدائية المشتركة في 8 أبريل سنة 1970، كما قالت أخته أن سليمان: “جري بسرعة لمشاهدة ما حدث وعاد مهبولًا بما رأى”، حيث قامت حينها القوات الجوية الإسرائيلية باستخدام طائرات الفانتوم الأمريكية، وقاموا بنسف المدرسة مخلفين ثلاثين قتيلًا من الأطفال، في حينها كان سليمان خاطر يبلغ التاسعة من عمره. وحسب جريدة [الوفد] المصرية: في خلال التحقيقات معه قال سليمان بأن أولئك الإسرائيليين قد تسللوا إلى داخل الحدود المصرية من غير سابق ترخيص، وأنهم رفضوا الاستجابة للتحذيرات بإطلاق النار. سلم سليمان خاطر نفسه بعد الحادث، وصدر قرار جمهوري بموجب قانون الطوارئ بتحويله إلى محاكمة عسكرية. طعن محامي سليمان (صلاح أبو إسماعيل) في القرار الجمهوري وطلب محاكمته أمام قاضيه الطبيعي، وتم رفض الطعن. وصفته الصحف الموالية للنظام بالمجنون، وقادت صحف المعارضة حملة من أجل تحويله إلى محكمة الجنايات بدلاً من المحكمة العسكرية، وأُقيمت مؤتمرات وندوات وقُدمت بيانات والتماسات إلى رئيس الجمهورية ولكن لم يتم الاستجابة لها. بعد أن صدر الحكم على خاطر نُقل إلى السجن ومنه إلى مستشفى السجن بدعوى معالجته من البلهارسيا، وهناك وفي اليوم التاسع لحبسه، وتحديدًا في 7 يناير 1986 أعلنت الإذاعة ونشرت الصحف خبر انتحار الجندي سليمان خاطر في ظروف غامضة. قبل إعلان وفاة سليمان بيوم واحد زار عضو مجلس الشيوخ الأميركي (روبرتو رزيلي) الرئيس حسني مبارك، وسجلت كاميرات وسائل الإعلام ظهور وزير الدفاع المشير عبد الحليم أبو غزالة في نهاية الاجتماع. ثم اُستُدعيت عائلة سليمان لزياراته في السجن في نفس اليوم وكانت السلطات تصر على حصول هذه الزيارة. وقد ذكر بعض حراس السجن لعائلة سليمان أن وزير الدفاع أبو غزالة زار ابنهم في زنزانته رفقة وفد أجنبي قبيل الإعلان عن انتحاره، وأكدوا لهم أن سليمان لم ينتحر وإنما تمت تصفيته عمدًا داخل السجن. وحسب جريدة الوفد يحكي سليمان خاطر ما حدث يوم 5 أكتوبر 1985 من خلال أقواله في محضر التحقيق فيقول: “كنت على نقطة مرتفعة من الأرض، وأنا ماسك الخدمة ومعي السلاح شفت مجموعة من الأجانب ستات وعيال وتقريبًا راجل وكانوا طالعين لابسين مايوهات منها بكيني ومنها عري. فقلت لهم: “ستوب نو باسينج” بالإنجليزية. ماوقفوش خالص وعدوا الكشك، وأنا راجل واقف في خدمتي وأؤدي واجبي وفيه أجهزة ومعدات ما يصحش حد يشوفها والجبل من أصله ممنوع أي حد يطلع عليه سواء مصري أو أجنبي، دي منطقة ممنوعة وممنوع أي حد يتواجد فيها، وده أمر وإلا يبقى خلاص نسيب الحدود فاضية، وكل اللي تورينا جسمها نعديها. وذلك في إشارة منه إلى حادثة كانت ما زالت حديثة حين استطاعت امرأة صهيونية أن تتحايل بالعري على أحد الجنود في سيناء، وتحصل منه على تردد أجهزة الإشارة الخاصة بالأمن المركزي هناك بعد أن أدخلها الشاليه المخصص للوحدة. قبل أن ينطق المحقق بأمر قال لهم أخيرًا: أمال أنتم قلتم ممنوع ليه .. قولوا لنا نسيبهم وإحنا نسيبهم. سأله المحقق: لماذا يا سليمان تصر على تعمير سلاحك؟ وفي بساطة قال: لأن اللي يحب سلاحه يحب وطنه ودي حاجة معروفة واللي يهمل سلاحه يهمل وطنه. بماذا تبرر حفظ رقم سلاحك؟ الإجابة من أوراق التحقيق: لأني بحبه زي كلمة مصر تمام. وفي رسالة من السجن كتب أنه عندما سأله أحد السجناء: “بتفكر في إيه؟” قال: “أفكر في مصر أمي، أتصور أنها امرأة طيبة مثل أمي تتعب وتعمل مثلها، وأقولها يا أمي أنا واحد من أبنائك المخلصين .. من ترابك .. ودمي من نيلك، وحين أبكي أتصورها تجلس بجانبي مثل أمي في البيت في كل إجازة تأخذ رأسي في صدرها الحنون، وتقول: “لا تبكي يا سليمان، أنت فعلت كل ما كنت أنتظره منك يا بني”.. في المحكمة قال سليمان خاطر: “أنا لا أخشى الموت ولا أرهبه .. إنه قضاء الله وقدره، لكنني أخشى أن يكون للحكم الذي سوف يصدر ضدي آثار سيئة على زملائي، تصيبهم بالخوف وتقتل فيهم وطنيتهم”. عندما صدر الحكم بحبسه 25 عامًا مع الأشغال الشاقة المؤبدة قال: “إن هذا الحكم، هو حكم ضد مصر، لأن جندي مصري أدى واجبه”، ثم التفت إلى الجنود الذين يحرسونه قائلًا: “روحوا احرسوا سينا.. سليمان مش عايز حراسة”.. قال تقرير الطب الشرعي انه انتحر، وقال أخوه: “لقد ربيت أخي جيدًا واعرف مدى إيمانه وتدينه، لا يمكن أن يكون قد شنق نفسه لقد قتلوه في سجنه”. أمام كل ما قيل، تقدمت أسرته بطلب إعادة تشريح الجثة عن طريق لجنة مستقلة لمعرفة سبب الوفاة، وتم رفض الطلب مما زاد الشكوك وأصبح القتل سيناريو أقرب من الانتحار. ما أن شاع خبر موت سليمان خاطر حتى خرجت المظاهرات التي تندد بقتله. فخرج طلاب الجامعات من القاهرة وعين شمس وجامعة الأزهر وجامعة المنصورة وطلاب المدارس الثانوية. ملأت الهتافات الشوارع: “المعقول المعقول سليمان خاطر مات مقتول”، “سليمان خاطر قالها في سيناء.. قال مطالبنا وقال آمانينا”، “سليمان خاطر مات مقتول.. مات عشان مقدرش يخون”. وظل الرأي العام المصري مقتنعًا بأمر واحد: سليمان خاطر بطل، وقد قُتل مُراضاة لإسرائيل. في مشهد آخر في مكان ما، تسلم الإسرائيليون تعويضًا عن قتلاهم من الحكومة التي قالت عنها أم خاطر: “ابني أتقتل عشان ترضى عنهم أمريكا وإسرائيل”. وفي 29 ديسمبر عام 1985م، نشرت صحيفة واشنطن بوست مقالًا للكاتب كريستوفر ديكي حول سليمان خاطر، من زاويته يرى ديكي الأمر من منظور مختلف تمامًا، حيث يرى ديكي أن سليمان تسبب في مقتل مجموعة من الإسرائيليين هم أربعة أطفال وامرأتان، وأن الحادثة أصبحت نقطة خلاف بين مصر وإسرائيل، فقد طلبت إسرائيل عقوبة سريعة ومناسبة لسليمان خاطر “القاتل المدان”، كان النظام المصري تحت ضغط كبير، حيث أصبحت الحادثة قضية سياسية ساخنة في مصر، فقد أُعلنت المظاهرات الطلابية، ووقفت الصحافة المعارضة في موقف داعم للمُدعى عليه البالغ من العمر أربعة وعشرين عامًا واتهمت الرئيس حينها حسني مبارك بالانحناء للضغط الإسرائيلي في تعامله مع المحاكمة. ينقل المقال حجم التوتر الذي كان في المفاوضات بين مصر وإسرائيل بعد حادثة رأس برقة، وتنقل التقارير الإسرائيلية أن الشرطة المصرية رفضت تقديم المساعدة الطبية للمصابين وأجلت إجلاءهم إلى المستشفى، كما تعبر التقارير عن الموقف الإسرائيلي القلق من أن هناك جنديًا مصريًا قد استخدم سلاحًا آليًا في منطقة يُحظر فيها استخدام الأسلحة الآلية على الجنود المصريين بموجب شروط معاهدة السلام عام 1979. وبين الروايتين تحمل قصة سليمان ونهايته الكثير من علامات الاستفهام التي لم تُحل حتى الآن. وكانت حادثة سليمان دليلًا ان الشعب يرفض التطبيع مع العدو الصهيوني وليس المثقفين واليساريين والناصريين كما كانت تروج الحكومة. ويُعتبر سليمان السبب الرئيسي في تغيير شروط الالتحاق بالأمن المركزي لأنه كان بكلية الحقوق بجامعة الزقازيق ومن بعدها أصبح ممنوع تجنيد المتعلمين في قوات الأمن المركزي.
كان عام 1986 من أكثر الأعوام تطورًا منذ وصول مبارك إلى السلطة، حيث شهدت القاهرة أسوأ موجة من الاضطرابات، ونزل مئات من رجال الشرطة في 25 فبراير 1986 إلى الشوارع فيما سُمي [انتفاضة الأمن المركزي]. وهؤلاء معظمهم من أبناء معدمي الريف وفقراء الفلاحين الذين تختارهم لجان الفرز بالتجنيد لقضاء تجنيدهم الإجباري بالداخلية ومعيار اختيارهم هو اللياقة البدنية وتدني المستوى الثقافي، ويتعرضون إلى تدريبات شاقة ولا إنسانية ويتعامل معهم الضباط كأنهم آلات صماء بلا مشاعر أو إرادة، فمن بين أساليب تدريبهم إجبارهم على الوقوف ثماني ساعات لا يتحركون خلالها ولو لقضاء الحاجة فضلًا عن شحنهم ضد أي مشاعر إنسانية قد تنتابهم أثناء أداء مهمتهم بتدريبهم على ضرب بعضهم البعض، والذي يعمق إحساسهم بالظلم ذلك التناقض المخيف بين بؤس حياتهم في المعسكرات والرفاهية البادية في الأماكن التي يُكلفون بحراستها من بنوك وشركات وسفارات وفنادق وملاهي وكازينوهات. وتمتد تلك الممارسات منذ إنشاء الأمن المركزي عام 1969 بسبب تصاعد الإحتجاجات بعد الهزيمة، وتم تخصيصه لأعمال مكافحة المظاهرات وأعمال الشغب والقيام بالحراسات، ولم تتجاوز أعداد الجنود في البداية خمسة آلاف جندي ولكن أعدادهم استمرت في التضاعف حتى بلغت ثلاثمائة ألف جندي بعد انتفاضة 1977. وتزامن هذا التمرد مع محاولات جادة من قبل أحد أفضل وزراء الداخلية في تاريخ مصر وهو اللواء [أحمد رشدي]، في مواجهة عصابات الإجرام التي انتشرت بشكل ملحوظ وفي مقدمتها عصابات تجارة المخدرات، ووصل به الأمر أن تعهد بالقضاء على هذا الوباء تمامًا، واتخذ خطوات جادة وصارمة في هذا الشأن، وواكب هذا التحرك من رشدي حيادية نسبية من الشرطة تجاه القوى السياسية المدنية حيث لم يُعتقل سياسي ولم تصادر جريدة حزبية أو معارضة في عهده. جاء ذلك التمرد على خلفية انتشار شائعة مفادها أن قرارًا سيصدر بمد خدمتهم الإجبارية سنة أو سنتين وخصم قروشًا من راتبهم الهزيل لصالح سداد ديون مصر. فخرج الآلاف من الجنود من معسكرين للأمن المركزي في منطقة الأهرامات مندفعين بخوذاتهم ورشاشاتهم وبنادقهم في مظاهرات مسلحة إلى فندق [الجولي فيل] وهو واحد من أحدث وأضخم فنادق القاهرة ويقع في مواجهة أحد المعسكرين الذين بدأ منهما التحرك مباشرة. حطم الجنود هذه الواجهات الزجاجية ثم اقتحموا الفندق، وبدءوا يحرقون كل ما فيه، كما قاموا بإحراق فندق هوليداي سفنكس، ومبنى قسم شرطة الهرم، وفندق ميناهاوس، وبعض المحلات التجارية الكبيرة في المنطقة. وخلال ساعات استطاع الجنود احتلال منطقة الهرم بأكملها بما في ذلك مداخل طريق الإسكندرية الصحراوي وطريق الفيوم وترعة المنصورية. وفي الثالثة من صباح الأربعاء 26 فبراير أُعلنت حالة الطوارئ وتم فرض حظر التجول في تلك المنطقة. وفي حوالي السادسة صباحًا انتشرت قوات الجيش واحتلت عددًا من المواقع التي يتواجد فيها الجنود المتمردون، وبدءوا في حصار الجنود. وبعد معارك ضارية استطاعت قوات الجيش أن تسيطر على المنطقة. وحتى ذلك الحين لم يكن ما يجري في منطقة الأهرام قد امتد إلى بقية العاصمة، وما كادت ساعات صباح الأربعاء الأول تمر حتى بدأت الانتفاضة في أغلب معسكرات الأمن المركزي الأخرى في العاصمة، في شمالها وشرقها وجنوبها الغربي. وتعالت أصوات اشتباكات الرصاص مع قوات الجيش التي كُلفت بسحب السلاح من جنود الأمن المركزي في كافة المعسكرات. حيث امتدت هذه الأحداث إلى معسكر الهايكستب القريب من مطار القاهرة، وفي الثامنة والنصف تجمهر جنود الأمن المركزي بمعسكر لهم يقع في شارع جسر السويس، وحين وصلت القوات المسلحة إلى المعسكر اشتبك معهم الجنود وتحول الاشتباك إلى مطاردة في الشوارع الجانبية المتفرعة من جسر السويس، وشُوهدت آثار الدماء على أرض الشارع، وأُحترقت إحدى سيارات الجيش على الأقل، وتم إغلاق شارع جسر السويس وتعزيز قوات الجيش. وفي منطقة الدراسة، حيث يقع معسكر ضخم لقوات الأمن المركزي، تبادل الجنود المحتشدون النار مع قوات الجيش، ولجأ بعض جنود الأمن المركزي إلى البيوت المحيطة بالمعسكر ومنطقة المقابر بعد نفاذ ذخيرتهم. أما في معسكر شبرا فقد رفض الجنود الاستسلام للجيش وانتشروا في المنطقة المحيطة بهم، وكادوا ينجحوا في تحطيم أكبر محطة للكهرباء في القاهرة. ويعد تحرك الأمن المركزي في منطقة طرة أخطر التحركات جميعًا، فأثناء محاولة الجيش استلام المعسكر واجههم الجنود بإطلاق النار، وبدأت طائرات الجيش الهليكوبتر بقذفهم بالرصاص. وخرج جنود المعسكر بالآلاف فارين إلى الشوارع حاملين معهم أسلحتهم وتوجهوا إلى سجن طرة واستطاعوا أن يقتحموا السجن ومساعدة السجناء على الهرب وبحثوا عن الضباط كي يقتلوهم. وقد بدأ الوضع يأخذ منحى آخر في شارع الهرم، حيث انحازت كتلة من الفواعلية وعمال التراحيل والشحاذين والطلاب والعاطلين عن العمل، الذين يسكنون في أفقر منطقة في الهرم هي الطالبية، إلى جنود الأمن المركزي، وبدءوا يشتركون معهم في تحطيم الكباريهات والفنادق الموجودة في المنطقة، كازينو الليل، والأهرام، وأوبرج الهرم، والأريزونا، وغيرها. عند هذا الحد انتاب الذعر السلطة الحاكمة وتم إعلان حظر التجول في كافة مناطق العاصمة، وتم تحذير المواطنين من البقاء في شوارع المدينة بعد ساعتين من قرار الحظر، خوفًا من أن تشجع حركة الجنود فئات أخرى على التحرك خاصة أن عناصر من المهمشين والعاطلين بدأت تشارك جنود الأمن المركزي الفارين في الهجوم على السيارات والمحلات التجارية في منطقة الدقي. كان الوضع خارج القاهرة أقل حدة بكثير، حيث انحصرت انتفاضة الجنود في القليوبية والإسماعيلية وسوهاج داخل المعسكرات، واستطاعت قوات الجيش أن تحاصرهم وتنزع أسلحتهم بسهولة. وكان الاستثناء الوحيد في أسيوط حيث كانت الأحداث أشد عنفًا. ويُقال أن محافظ أسيوط آنذاك زكي بدر (الذي أصبح وزيرًا للداخلية بعد ذلك) قد فتح الهويس (القناطر) في أسيوط للحيلولة دون وصول جنود الأمن المركزي من معسكرهم في البر الشرقي الذي أحرقوه وخرجوا منه. واستخدم الجيش الطائرات لضرب جنود الأمن المركزي. وبعد انتهاء هذه الأحداث واستتباب الأمن تم رفع حظر التجوال وأُعلن عن إقالة اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية آنذاك، مما يعنى الاستسلام لمافيا الفساد في الداخلية، وتم عزل العديد من القيادات الأمنية وأُتخذت العديد من القرارات لتحسين أحوال الجنود والحد من أعدادهم ونقل معسكراتهم خارج الكتلة السكنية كما أُتخذت قرارات بتحديد نوعية الجنود الذين يلتحقون بالأمن المركزي مستقبلًا.
ضمن استهدافه العقل المصري، واصل التيار الوهابي الظلامي ضرب القوة الناعمة المصرية، وتسفيه رموز الأمة المصرية العظام، ففي الرابع عشر من أكتوبر 1994، انتشر خبر محاولة اغتيال نجيب مصر، وأحد عظمائها في القرن العشرين، الأديب المصري العملاق، الحاصل على جائزة نوبل، نجيب محفوظ، الذي يمتلك قدرة على السرد لا نجدها إلا عند القلة من الكتاب، فيأسرنا بما يقدمه لنا من أعمال أدبية، بحيث لا نمل من كتاباته رغم حجمها الضخم. نجيب محفوظ الذي خالط الصعاليك والحرافيش وغالب المطحونين والمستضعفين، وكتب عن الفقراء وسكان العشش والحواري، ودافع عن كرامة المصري ضد كل ظلم وقع عليه سواء كان واقعًا من محتل إنجليزي أو من حاكم مستبد!، نجيب محفوظ الذي وقف ضد قتل أحلام البسطاء وقهر الشباب وتجبر الدولة الأمنية في كل رواياته. ثلاث وثلاثين رواية وتسع عشرة مجموعة قصصية ابتداءً من رواية كفاح طيبة (1944)، والقاهرة 30 (1945)، مرورًا بالثلاثية العبقرية بين القصرين (1956)، قصر الشوق (1957)، السكرية (1957)، واللص والكلاب (1961)، وثرثرة فوق النيل (1966)، وميرامار (1967)، والكرنك (1974)، وانتهاءً بأحلام فترة النقاهة (2004). تعددت رؤية نجيب محفوظ لها حسب المراحل السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد فهي في الثلاثية تختلف عنها في ميرامار أو ثرثرة فوق النيل أو الكرنك وزقاق المدق، فهي روايات أقرب للوثيقة التاريخية التي توثق ظرف المكان وظرف الزمان للمجتمع المصري، روايات لن تسع عقول النقاد تفنيد وطنيتها ومصريتها وانتمائها للأرض والنيل. لقد كان محفوظ ثائرًا، كان أفضل من دافع عن ثورة 1919، وكان يعجب كثيرًا بشخصية زعيم الأمة سعد زغلول. أما بالنسبة لثورة 1952، فرغم ترحيبه بها، إلا أنه انتقد بشدة غياب الحريات السياسية وحقوق الإنسان والتي انتهت بمراكز القوى، وهنا كتب محفوظ رواية [أولاد حارتنا] وهي الرواية التي عاد بها إلى الكتابة في 1959، وكأنه كان يحذر فيها رجالات ثورة يوليو وأعوانهم بل ويحذر فيها الشعب نفسه، ولكن هذه الرواية شكلت محطة ومنعطفًا مثيرًا في أعمال محفوظ لكثرة ما أثير حولها من لغط، وبعد بدء نشر الرواية مسلسلة في صحيفة الأهرام الحكومية ابتداءً من 21 سبتمبر حتى 25 ديسمبر 1959 حث بعض رموز التيار الديني على وقف النشر استنادًا إلى تأويل الرواية تأويلًا دينيًا يتماس مع قصص بعض الأنبياء!!.. وإذا كانت رواية [أولاد حارتنا] التي نوهت إليها هيئة جائزة نوبل في حيثيات منحها لنجيب محفوظ عام 1988 هي العمل الذي يستند إليه المتطرفون في تكفير محفوظ، فإنها تعد في نظر كثير من المنصفين دُرة إنتاج الأديب العملاق، الذي طالما دق ناقوس خطر التطرف، الذي يرفع راية الدين في عدد من رواياته، ومنها [المرايا] التي جعل سيد قطب شخصية محورية فيها، واختار له اسم عبد الوهاب إسماعيل، ورواية [حديث الصباح والمساء] من خلال شخصية سليم حسن قابيل، وكذلك رواية [يوم قتل الزعيم]. واستند هؤلاء إلى وقف نشر [أولاد حارتنا] مسلسلة في [الأهرام] في عام 1959، بعدما ثار حولها جدل كبير، خاصةً فيما يتعلق بالتفسيرات المباشرة للرموز الدينية في الرواية، وشخصياتها (أمثال: الجبلاوي وأدهم وإدريس وجبل ورفاعة وقاسم وعرفة)، وقوبلت باعتراض هيئات دينية على ما وصفوه: “التطاول على الذات الإلهية”. بما لا شك فيه أن الراوي ركز على رسم الواقع الذي يعيشه الناس لكي يحفزنا على تغيير هذا الواقع، أو إلى الوقوف مع عملية التغير عاطفيًا كأضعف الإيمان، ففي كل عصر (ممثلًا بشخص) كان الظلم متفشي بين الناس، فكان العمل للتغيير واجب وحتمي، ورغم تكرار الظلم والفقر بعد كل عملية تغيير، إلا أن ذلك لم يكن حائلًا دون الاستمرار في العمل لخلق واقع جديد بعيد عن سيطرة الناظر والفتوات.. وما يحسب لهذه الرواية جعل المتلقي يشعر بوجود رابط ما بين الرواية وما هو موجود في الكتب المقدسة، إن كانت في العهد القديم والجديد أو في القرآن الكريم، فالراوي عمد إلى هذا التلاقي بين ما يسرده لنا من أحداث وما تحمله ذاكرتنا من موروث ديني، بحيث يعمق فكرة الرفض للواقع والبحث عن الخلاص مما نحن فيه، وبذلك يكون قد ربط بين ضرورة العمل للتغير وبين المقدس، وبذلك يوحد بين فكرة التغيير والفكرة الدينية.. قضت المحكمة العسكرية بإعدام محمد ناجي محمد مصطفى، ومحمد خضر أبو الفرج المحلاوي، والحكم على عمرو محمد إبراهيم، حسين علي بكر، بالسجن المشدد، وبالأشغال الشاقة لمدة سبع سنوات على ياسر أبو عطية، والثاني عشر عبد الحميد محمد أبو زيد، وبالسجن خمس سنوات على المتهم السادس علي جمعة علي، وبالسجن ثلاث سنوات على كل من المتهم الثامن مصطفى عبد الباقي، والتاسع أحمد حسن أحمد، والثالث عشر محمد معوض عبد الرحمن، والخامس عشر فيصل شحاتة محمد، كما قضت ببراءة كل من المتهم السابع عبد الناصر جمعة علي، والرابع عشر علي حسن سباق، والسادس عشر صلاح محمد محروس. وإذا كان محفوظ قد نجا من محاولة الاغتيال فإن مصر بمثقفيها وشعبها لم ينجوا من صدمة التكفير والعنف والجهل، ومنذ ذلك اليوم الصعب تغيرت أشياء كثيرة في حياة عميد الرواية العربية، حيث أصبح غير قادر على استخدام يده في الكتابة، كما أن الرجل الذي كان معتادًا على المشي لمدة ساعة يوميًا بسبب مرض السكر، الذي يُعاني منه منذ بداية الستينيات، لم يعد يستطيع فعل ذلك، كما اضطر للاستجابة لإلحاح أجهزة الأمن فلازمه أحد الحراس لحمايته. توقف محفوظ عن الكتابة بعد الحادث، لكنه في السنوات الثلاثة الأخيرة من حياته، كان يكتب قصصًا قصيرة أطلق عليها اسم [أحلام فترة النقاهة]، حتى توفى في 30 أغسطس عام 2006، في القاهرة، وكان عمره 94 عامًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: