الخميس , أغسطس 13 2020
الرئيسية / رؤى ومقالات / د. نيفين عبد الجواد تكتب :عرفات والموقف

د. نيفين عبد الجواد تكتب :عرفات والموقف

 

“فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبته في يوم عرفة في العام العاشر للهجرة، وبالفعل كانت تلك هي حجة الوداع التي لم تعقبها حجة أخرى له صلى الله عليه وسلم. وفي خطبة الوداع قال صلى الله عليه وسلم: “أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا – ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.

وفي البلد الحرام وفي الشهر الحرام وفي اليوم الحرام لا يمكن انتهاك الحرمات فالقتال مُحرَّم، ومن ثم تكون فرصة الحج التي تتيح لقاء المسلمين كل عام سبيلًا لنبذ الخلافات التي تشق وحدة الصف؛ كي يحل السلام محل الصراع والحرب، وذلك للحفاظ على النفس الإنسانية التي تفوق قدسيتها قدسية بيت الله الحرام. فهل كان الحج بالفعل فرصة متجددة للمسلمين كل عام من أجل تحقيق وحدتهم ولم شملهم؟! أم أن الحرص على أداء المناسك الظاهرية للحج من طواف وسعي ووقوف بعرفة كان أهم بكثير من التمسك بروح الحج التي تدعو إلى تآلف المسلمين جميعًا أبيضهم وأسودهم، وشرقيهم وغربيهم، وعربيهم وأعجميهم؟!

إن الوقوف بعرفات لهو النسك الأهم لحجاج بيت الله الحرام من المسلمين، ليس فقط لما فيه من تضرعٍ إلى خالقهم وتخلٍ عن زينة الدنيا ومتاعها الزائل، ولكن أيضًا لما يجب أن يشتمل عليه من تحديدٍ لموقفهم من الحق ومن الباطل، والذي هو في واقع الأمر مغزى الإيمان الحقيقي. فالإيمان بالغيب يدعو إلى إعمال العقل من أجل الوصول إلى علم اليقين، وعلم اليقين إذا تحقق ووقع وشاهدته العين لم يعد غيبًا يحتاج إلى إيمان بل أضحى واقعًا مُعاشًا، فيذوقه حقًا وصدقًا ذلك الذي آمن به غيبًا وهذا الذي كذَّب به كِبرًا.

وذلك الإيمان الغيبي بالخالق وتوحيده الخالي من الشرك ليس سوى ذلك التمييز بين الحق وما سواه من باطل؛ فمثلما هناك من جاء بالصدق ومن صدَّق به، هناك أيضًا من كذب على الله وافترى عليه الكذب ومن كذَّب بالصدق بعد إذ جاءه وبعد أن عَلِمه علمًا بيِّنًا. ومثلما يوجد من يُترجم إيمانه بالحق من خلال الالتزام بالاستقامة وإقامة العدل والوزن بالقسط، فهناك أيضًا من يدَّعون الإيمان ومع ذلك يريدونها عوجًا فيبخسون الميزان ويطففون المكيال ويحولون الظلم إلى أمرٍ واقع ليس منه مفر أو مهرب، فلا ينصرون مظلومًا ولا ينصتون إلى شكوى الضعفاء المقهورين بل يغلقون عليهم كل سبيل للخلاص علَّهم يومًا يتخلون عن حقوقهم المسلوبة أو يُفرطون في ممتلكاتهم المنهوبة.

ومع اليأس من تحقق العدل واحتضار أي أمل في الحياة يتخلَّى الكثيرون عن الحق منتصرين للباطل، ولو بصمتهم وذلتهم وضعفهم وسلبيتهم، فيكون ذلك هو موتهم الإكلينيكي رغم أنهم ما زالوا في عداد من هم على قيد الحياة. وما أن تموت الحياة في النفوس حتى ينعدم الأمل في كل شيء فلا يكون هناك هدف في الحياة، أو غاية للوجود، أو عمل صالح يتم التنافس عليه، أو رغبة في البقاء والخلود، وعندئذٍ لا تكون هناك أي بقايا للإيمان.

وهذا هو الفرق بين قوة الإيمان وبين ضعفه، فقوة الإيمان مبعثها حسن الظن بالله والاعتقاد اليقيني بانتصار الحق أما ثمرتها فهي العطاء بسخاء والبذل بإحسان والتضحية من أجل التمسك بالحق والعدل والكرامة والحرية، بينما الإيمان الضعيف يتولد عنه اليأس من رحمة الله وعدم رجاء لقائه والشك في نصره لعباده المؤمنين والصالحين، وثمرته لن تكون سوى الأنانية البغيضة المؤدية إلى الانعزالية والانغلاق والجمود والتبعية.

وإن تعذر هذا العام على الكثيرين الوقوف بعرفات فإن الموقف العربي المسلم الآن لهو الموقف الذي يستحق منا الوقوف عنده بما أننا لن يقف منا بعرفات الملايين الذين اعتادوا الوقـوف كل عام على جبل التعارف والتراحم. فهل سيقف معنا أحد لتأمل ذلك الموقف قبل يوم الموقف الأعظم الذي لن يكون منه مفر أو مهرب؟!

إن موقفنا الإيماني إن كان ظاهره هو التجمع للوقوف سويًا في مكانٍ واحدٍ وزمانٍ واحدٍ، فإن جوهره هو تأييدنا جميعًا للحق ونصرتنا للمظلوم. وتغيير حالنا إن كان يتسم بالضعف والفرقة لن يكون إلا بأيدينا نحن دون انتظارٍ لمُخلِّص تتحقق على يده المعجزات.

فهل آن لنا أن نسعى إلى قوة إيماننا وإلى توحيد جهودنا من أجل الانتصار للحق على كل باطل، ومن أجل أن يسود العدل والإنصاف بعدما ساد الظلم والفساد في كل مكانٍ في العالم فلم يعد هناك مجال للتعاون البشري الخلاق الذي يسعى إلى النهوض بالإنسانية جمعاء بعدما انزلقت في ظلمة أنفاق الشر والإفساد التي لا تعرف سوى الأنانية البغيضة وما تثيره من ضغائن وأحقاد وصراعات؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: