ثقافة وفنون

موبايل ….قصة قصيرة للكاتب مزهر جبر

تحركت الطائرة على أحد مدارج مطار بغداد، تتهىء للأقلاع ؛ نادت المضيفة:” الرجاء شد الأحزمة”. ما أن أرتفعت الطائرة قليلاً. قال: حبيتي الرحلة طويلة. سأسترخي عسى أن أنام.. حدقت فيه، بالكاد يغالب أغماض عينيه. كعادته، لم يتغير أبداً، كل هذه السنون، هو كما هو؛ أما يقرأ أو ينام أو يكتب. لا يتحدث ربما خلال ساعة أو ساعتين بكلمة أو كلمتين. كم كانت تمقت فيه تلك الطبيعة، أحياناً تشوش على كمية الحب الهائلة، فيها له.  لأول مرة تغادر مدينتها، لم تسافر أبداً. كانت دراستها في بغداد وكذلك ليلة زفافها. قالت له في ذاك الوقت: حبيبي كبرنا على السفر، أرى من المفيد والممتع أن نقضي الليلة الأولى في فندق بغداد. نظرت بألم وحسرة، عبرزجاج النافذة الى البساتين وهي تتصاغر. تملكها أحساس موجع من أنها سوف لن يكن في أمكانها رؤية البستان. على الرغم منها نزلت دمعتان على خديها. كان البستان متوسط المساحة، ورثه والد إياد من أبيه. النخيل النابت في تربته على شكل خطوط مستقيمة وبين نخلة وآخرى شجرة من أشجار الحمضيات. كان لوحة مبهرة. وجدت نفسها وهي تدخل من الباب الوسيع وراءه، فرحانه، خفيفة الجسد مثل طير ودت لو تحلق الى هناك، تحت السماء الزرقاء الصافية. في هذا الوقت من السنة وفي هذه الساعة من الصبح، رغم الحرارة، كانت نسائم الهواء ناعمة كما الموسيقى وهي تدغدغ الروح. شربا أخر قدحين من وجبة الشاي الآخيرة، تحت سقيفة كثيفة الظل، صنعتها طبيعة الأشجار أذ تشابكت أغصان شجرتين. كانت الوجبة الثالثة فقد أصر الفلاح على تكرار وجبات الشاي وهو يقول مع كل وجبة؛ الغداء الدسم لا يصفية في البدن ألا الشاي الثقيل. ظل يردد قبل الغداء وأثناء تناول الطعام وبعده وخلال تجوالهما بين جنبات البستان؛ الأستاذ أياد والوالد عزيزان علينا، خصوصاً وكما أعلمني الوالد قبل يومين، أن الأستاذ سوف يغادر للدراسة غداً الى ألمانيا. همس أياد في أذنها؛ سنوات قليلة ستنتهي بلمح البصر، ألم تكن الأربع سنوات كأنها ما كانت. تلك فرصة لايمكن أن تفوتني. بصوت رقيق كأنه قادم من بعيد قالت: سأنتظر.  قالت المضيفة: ” الآن بأمكانكم فك الأحزمة”. أخذت تتأمل الغيوم التى تحف زجاج النافذة في مرورها. طوقت رقبتها خوانق الغربة الذاهبان إليها، الهواء يطفر من منخريها، كانت تختنق. أحست بأنها تركت كلها في بغداد. أنفجرت في البكاء من غير إرادة منها. الحبيب غط في نوم عميق. مسحت دموعها بصمت موجع وقالت مع نفسها:” من الخير لنا؛ أننا لم ننجب طفل ونقذفه الى هذا العالم المرعب”. دار رأسها مع ركض الغيوم الراكضة الى الوراء بسرعة مذهلة حتى بدت كقطعة واحدة وليست قطع متناثرة، الدوران أفتر بها وأخذها من مكانها، أمام الزجاج المضبب. دخلت عيناها الى داخل الطائرة؛ صمت وسكينة. ساعة مضت وهما ينتظران الوصول وربما الضعف بأربع أو خمس مرات أو أكثر الى مطار لندن. نظرت إليه؛ لم يزل كما قبل ساعة. حسدته على ما هو عليه من أطمئنان وهدوء. له قدرة كبيرة على تحمل وأستيعاب الصدمات مهما بلغت من القوة والتأثير، حتى لو كانت صادمة جداً؛ تتذكر ذاك المساء البعيد، عندما خرج من مختبر التحليلات التخصصي الى صالة الأنتظار الصغيرة حيث كانت تنتظره؛ قال بهدوء كأن ما قاله شىء عادي وقابل للعلاج: ما عندي من العقم من النوع الذي لاعلاج له ثم سكت لثواني ليقول بعدها لنذهب. في تلك الليلة، لم تنم، ظلت ساهرة في بيت ليس فيه من لم ينم ألا هي. أطلت المضيفة لتقول:” الطائرة تتهىء للهبوط ، أرجو السكينة وألتزام الهدوء وبقاء الجميع في مقاعدهم، حدث خلل فني، لكنه ليس خطير، صدقوني. أما الآن؛ الرجاء شد الأحزمة”. من خلل الزجاج المضبب بدت مدينة أسطنبول من هذا الأرتفاع، مدينة أشباح. أحست بالخوف من القادم المجهول والذي لم تستعد وتتهىء له، الطائرة أخذت بالهبوط بعد أن دارت دورة واحدة. أرادت إيقاظه لكنها تراجعت في اللحظة الآخيرة عندما تأكدت من مباشرة الطائرة بالنزول من غير أن تشعر بأي تغير في أستقرارها. صفنت بأنتظار الوصول الى الأرض بأمان. عارضت فكرة الهجرة والأنتقال للعيش هناك، نجحت في ثنيه عن ما عزم عليه. قدمت له الحجج التى تفند رؤيته للأمور والأوضاع، شرحت مساوىء العيش في بلد ثاني لا نعرف أي شىء عنه. حدث ما لم يكن في الحسبان والذي أعاد التفكير في السفر والهجرة مرة أخرى. خرجت المضيفة من قمرة القيادة، يعلو وجهها أبتسامة واسعة وقالت:” لقد وصلت الطائرة وحطت بسلامة. سيتم أصلاح الخلل خلال ساعة على أبعد تقدير. بأمكانكم النزول بعد توقف الطائرة وعدم الأبتعاد خارج صالات الأنتظار..”. جلست على كرسي تحت شجرة معمرة “ربما عمرها أكثر من قرن”. قالت لنفسها عندما حملقت في الأرتفاع الشاهق  الذي كانت فيه أغصان الشجرة.. خلفها وعلى بعد أكثر من خمسين متر كان الزحام شديد في صالة الأنتظار والكافتريا وزاد في الزحام والضجيج والصخب؛ الركاب الذين توزعوا حال نزولهم، بين صالة الأنتظار والكافتريا. تململت في قعدتها فقد أحست بتأخر زوجها. طارت أو قذفت الى الأعلى أو حطت لا تدري كل ما تدريه؛ أنها ممدة تحت شجرة أخرى وعلى بعد أمتار من الشجرة المعمرة ودوي الأنفجار الهائل والذي يرن الآن في رأسها.مرت لحظات، ثواني، دقائق، ساعة، لاتعلم، كل ما تعلم؛ أنها قد صحت من الصدمة. تسمع زمارات الأسعافات وسيارات الشرطة التركية.. صرخت، صرخة عراقية شقت جنبات مطار أسطنبول: ” أيييييييييييييييييييياد… كانت تمسك ذراع وفي كف الذراع موبايل مثل كتاب صغير. أنتزعت الهاتف ولم تبطل الصراخ كما النواح أو نواح كما الصراخ. وهي تقرأ ما مكتوب على الشاشة والتي ظلت مضاءة، تصيح بما تقرأ: مقعد الأساتذية في الفيزياء النووية في جامعة هارفارد بأنتظارك دكتور أياد….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق