رؤى ومقالات

أ.د. سلطان عبدالله المعاني .. يكتب : ذاكرة الحجر” 4 “

في جبل القلعة تعيد اللحظة صياغة المفاهيم ويتبوأ المكان صدارة الأشياء في فهم التناسق والتسلسل الحضاري وردات الفعل البشري على اختلاف الحقب والعصور التاريخية وتلك التي سبقت التاريخ، فالتل الذي تقوم عليه قلعة عمان يرسم خريطة التشكل الثقافي والبناء المعرفي المتنامي منذ العصور الحجرية ليتضح بشل أكبر في العصور البرونزية متتاليا ومتسلسا دونما انقطاع حتى الفترات الاسلامية المتأخرة، وقد كان اتخاذه مقرا للأمير والإمارة مسألة في غاية الانسجام مع ما يقتضية المقام والمكان فالإمارة نهج نهوض وبناء حاضر وتأسيس لمستقبل مشرق بحول الله عايشه الآباء وتوارثناه لنوصلة أمانة غالية لفرسان التغيير وأمل الغد، فاللحظات الكبيرة ليست منة ولا هبة، غير أنها تقدير الخالق في أن يحفظ على هذا الوطن تجليات الحضور، على مر العصور، وأن يجتبيه أمنا وخيرا وأهلاً وحواضراً تفوق سواها وتتناغم بشكل عجيب مع كل حدث إيجابي في الشرق الأدنى القديم، وكذلك مع الحضارات التي عايشت على اختلاف منابتها وأزمانها، فهذا التنوع الحضاري الكبير الذي برز في القلعة وفي مناطق الوطن كافة وعشرات الآلاف من المواقع الأثرية شواهد مادية صراح على أن ما وصل إليه الأردن الحديث وبما اقتضته حتمية التاريخ.. ففي الجوار وعلى مرمى النضر من على القلعة ترتسم علامات المدنية والتمدن وبذور نشأة الاستقرار والزراعة ونشوء القرى في عصور ما قبل التاريخ، وتبرز صروح وشواهد كبيرة في الأفق العماني من على قلعتها لتعلن التنوع اليوناني والروماني والإسلامي والمسيحي بانسجام وتوافق مع عمان الحاضر والحديثة بعمائرها وأضوائها وبناها التحتية وبما ينهض فيها اليوم من أبراج ومنشآت تعلو لخير الوطن، وتسهم في الفعل الإنساني الذي يتجاوز الحدود الجغرافية ليتعامل مع الإنسان أينما كان بسوية عالية وخلق تربينا عليه أردنيين عروبيين إسلاميين نشارك في تعمير وبناء الكون سلوكا وثقافة. 
ويحلو السفر مع قلعة عمان عبر القرون التي خلت.. دونما تهويم.. بل مضي في أزمان أكفها ندية ووجوه ذات ملامح.. فالجبل لم يشأ لتاريخه أن يرتحل هائماً على غير هدىً.. فما وني يذهل العلماء في حفرياتهم الأثرية ومسوحاتهم ودراساتهم في المتحف الأثري بكل ذلك الاكتناز والحضور التاريخي في جوانب الحياة وعبر عصورها المتعاقبة.. فالمكان عمان وفوق سمائها.. والناس الذين كانوا هم اليوم بعض أديمها، والناس الذين كانوا هم أيضا أسلافنا أوصلت لنا القلعة أمانتهم فأقسمنا من عليائها والخافق يمخر الأفق قبالتنا بأن نحمي الحمى وأن لا ننكر الدرب.. وأن يسكن الأردن قعر أوردتنا.. وأن يبقى الوطن ألق الروح.. ودهشة اليقين..

أخبـــار ذات صلـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق