أحمد الصغير يكتب : طوبى للمجانين و الزنادقة !

تم النشر فى مع 0 تعليق اضيف بتاريخ : 10/01/2017 الساعة : 2:50:26

♦ كان مشهد جاليليو الشيخ السبعينى و هو يركع على ركبتيه معلنا تراجعه عن بعض آراءه العلمية هو فقط ما يشبع رغبة رجال الكنيسة .. و هو فقط ما جعلهم يقبلون تخفيف الحكم على جاليليو من السجن إلى الإقامة الجبرية فى منزله حتى مات !

♦ و كانت تهمته أنه يقول أن الأرض كروية و ليست مركز الكون و أن الشمس هى مركز الكون الذى تدور حوله الأرض مع باقى الكواكب !

♦ لقد كان جاليليو أوفر حظا من غيره من العلماء ممن قتلهم رجال الكنيسة الكاثوليكية لأنهم توصلوا لحقائق علمية تعارض ما يقوله رجال الدين الذين كانوا يصرون أنهم يمتلكون أسرار العلم بكل تخصصاته !

♦ فمثلا قبل جاليليو بحوالى 35 عام تم القبض على العالم ( جيرانو برونو ) عام 1594م و تم سجنه ستة أعوام انتظارا للمحاكمة التى حكمت عليه بالإعدام حرقا لأنه نشر كتابا يقول فيه بأن الأرض تدور حول الشمس و أن الأرض ليست مركز الكون و إنما الشمس !

♦ فتم ربط لسانه و تقييده بقضيب حديد و أقتيد إلى أحد ميادين روما حيث تم حرقه حيا وسط هتاف المؤمنين و فرحتهم !

♦ و إذا كان العباسيون - حين دخلوا دمشق بعد إراقة دماء آلاف المسلمين و غير المسلمين معلنين انتهاء الخلافة الأموية – قد قاموا بنبش قبور خلفاء بنى أمية و عبثوا ببعضها فعلا ’ فإن رجال الكنيسة قاموا بنفس الفعل بعده بمئات السنين حيث نبشوا قبر العالم الإنجليزى ( جون وكليف ) 1328 – 1384 م بعد موته !

♦ حيث تم اتهامه بالهرطقة بعد موته فأخرجت رفاته بأمر من البابا ثم أحرقت الرفاة و أحرقت كتبه ! و السبب أن رجال الكنيسة قد عرفوا أنه كان يقول أن عمر الأرض أقدم مما حدده رجال الكنيسة !

♦ على مدار عدة قرون سبقت عصر النهضة الأوروبية قام رجال الكنيسة بمذابح دموية بشعة ضد العلماء و الفلاسفة و الأفراد العاديين ارتكانا إلى تفسيرات بشرية خاطئة للديانة المسيحية ..

♦ و وصلت تلك الممارسات إلى قيام رجال الكنيسة بالقبض على مئات النساء و تعذيبهن حرقا حتى الموت لاعتقاد هؤلاء الرجال أن هؤلاء النسوة هن سبب وجود و انتشار بعض الظواهر الطبيعية الخطرة – مثل صواعق البرق - لأنهن مسكونات ببعض الأرواح الشريرة التى تسبب تلك الظواهر .. و لا مجال للقضاء على تلك الظواهر سوى بالقضاء على الأرواح الشريرة الساكنة فى أجساد هؤلاء النسوة !

♦ كانت الكنيسة تفسر بعض الأوبئة بأنها قدرٌ إلهى لا يجب مواجهتها .. لذلك فحين أقام الطبيب بولستون مركزا لعلاج مرضى الجدرى استخدمت الكنيسة جماعة متطرفة لألقاء ما يشبه قنبلة على منزل الطبيب !

♦ ربما يكون هناك اختلافات وثائقية فى تقدير أعداد ضحايا الكنيسة فى قرون ما قبل النهضة ’ لكن المصادر تجمع على وقوع تلك الممارسات البشعة و بصور تتناقض مع أولى مبادىء الرحمة و التعقل التى أرسل الله جميع رسله لنشرها بين الناس ..

♦ أما على الصعيد الإسلامى فالقائمة طويلة و الممارسات لم تختلف عن الممارسات المسيحية سوى فى صور التعذيب و القتل ! و فى المسمى ( الزندقة أو الكفر بدلا من الهرطقة ! )

♦ و لقد خصصتُ فصلا منفردا فى كتابى ( الجلمود ) لاستعراض بعض هذه الممارسات الدموية التكفيرية ضد العلماء و الفلاسفة و المتصوفة المسلمين ’ و لكن هنا يكفى فقط أن نعرج على أسماء بعض العلماء الذين يتفاخر بهم اليوم بعض المتنطعين ممن يطلقون على أنفسهم مسمى ( الإسلاميين ) ..

♦ فابن سينا مثلا قد أطلقوا عليه إمام الملحدين .. و ابن الهيثم نعتوه بالمجنون الزنديق .. ابن المقفع – مؤلف كليلة و دمنة - تم تقطيع أطرافه و وضعها فى قدر به ماء يغلى و هو على قيد الحياة ثم تم فصل رأسه ثم ألقى بباقى جسده فى النار ..!

♦ الإمام الطبرى تم مطاردته و هو شيخٌ مسن .. و تم رجمه و رجم منزله بالحجارة و تدخلت قوات من الشرطة لحماية الرجل الذى مات كمدا فى منزله و لزم لدفنه الاستعانة بقوات شرطة بلغت الآلاف !

♦ و كانت تهمته أنه أنكر حديثا لأبى حنبل منسوب للرسول عليه الصلاة و السلام يقول بأن الرسول (ص) سوف يجلس مع الله على العرش ’ فقال الطبرى أن الله ليس له شريك و لا جليس على العرش مما أغضب تلاميذ أحمد بن أبى جنبل فقاموا برميه بالمحابر أثناء الدرس ثم فعلوا به ما سبق ذكره !

♦ المتصوف الأشهر الحلاج تم ضربه بالسوط ألف جلدة .. ثم قطعت يداه و رجلاه .. ثم قطعت عنقه و أحرقت جثته و ألقى رمادها فى نهر دجلة !

♦ و فى الماضى القريب كاد طلاب الأزهر أن يفتكوا بالطبيب الفرنسى ( كلوت بك ) أحد الذين استعان بهم محمد على باشا فى نهضته العملية .. و كان سبب محاولة اغتيال الطبيب هو إدخاله علم التشريح ثم محاولته تعليم بعض المصريات علم التوليد على أسس طبية !

♦ و لا يقتصر الأمر على كتب التراث التى تعج بفتاوى تكفير العلماء و آحاد الناس ’ بل إن المصيبة الكبرى للمسلمين أنه مازالت تصدر فتاوى التكفير فى الوقت المعاصر لكى يقوم بتنفيذ ما بها من أوامر بالقتل أفراد الجماعات الفاشية الدموية ..

♦ إن كتاب تاريخ الحضارة الإنسانية تزدان صفحاته بآلاف الأسماء من العلماء الذين كانت دماء بعضهم ثمنا لتلك الحضارة .. بينما كانت الاتهامات بالكفر و الهرطقة و الجنون هى الثمن الأخف الذى دفعه البعض الآخر منهم ...

♦ و نفس هذا الكتاب يحمل فى ثناياه صفحات سوداء لآلاف من رجال الديانتين المسيحية و الإسلام قاموا فيها بإدعاء المعرفة و الحكمة و التفرد بالحصول على أسرار العلوم من فهمهم للكتب المقدسة ..

♦ لقد حولوا فهمهم للكتب المقدسة و ما يعتقدونه هم بصفة شخصية و شروحهم إلى نصوص مقدسة قتلوا بمقتضاها العلماء أو كفروهم .. و هى صفة عامة تغرى عقول جميع رجال الدين للتشبث بها ..

♦ إن توقع أن يتخلى رجال الدين من تلقاء أنفسهم عن التفكير بالطريقة السابقة و أن يقاوموا بأنفسهم إغراء النفوذ و السيطرة على قلوب و عقول البشر لهو السذاجة بعينها !

♦ فلا عاصم للبشرية من ذلك إلا بكبح لجام رجال أى دين بإعلاء قيمة العلم و حرية التفكير و صيانتهما بالقانون و نزع القدسية أو صفات الألوهية عن رجال الدين من عقول و عاطفة الناس و تربية نشء يعلى من قدر عقله و يصونه من أن يتم العبث به فى أماكن العبادة .. و أخيرا حماية الإعتقاد بأن رجال الدين ما هم إلا بشرٌ بكل السبل و الوسائل ..!

♦ لا شك أن رجال الديانتين - المسيحية و الإسلام – كانوا فى الماضى – و ما يزال بعضهم فى الحاضر - سببا مباشرا فى تخلف الإنسانية و انتشار الخرافات و العنف و الدموية .. و حماية أى مكتسبات حضارية حققتها الإنسانية رغما عنهم يلزم أن يتم تقييد المساحات الممنوحة لهم فى مجمل الخطاب الفكرى الموجه للمجتمع ..

♦ إن ما نتمتع به اليوم من وسائل الحياة العصرية و حقائق العلم و تطبيقاته فى جميع مجالاته من طب و هندسة و أسلحة و غيرها ..

و صور و وسائل المتعة الحياتية و الرفاهية ..

و صور الفنون المختلفة و ربما حتى فى مشاهد أحلامنا فى لحظات نومنا ..

كل ذلك و غيره إننا مدينون فيه لحياة و أرواح عشرات الآلاف من هؤلاء الذين اُتهموا بالجنون و الهرطقة و الزندقة ..!

♦ ألا فطوبى لهم جميعا ..

و رحمهم الله جميعا بحق ما قدموه لنا و كانت دماؤهم ثمنا له


324 مشاهدة